أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أسعد منذر - ديكتاتورية البروليتاريا بين الطموح النبيل والواقع المرير















المزيد.....



ديكتاتورية البروليتاريا بين الطموح النبيل والواقع المرير


أسعد منذر

الحوار المتمدن-العدد: 7544 - 2023 / 3 / 8 - 21:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لابد لي من التنويه في البداية بأنني لا أكتب بحثي هذا من موقع معادٍ للماركسية ، فأنا أعتبر نفسي ماركسياً باعتبار أن الماركسية فلسفةٌ لفهم الوجود انطلاقاً من الواقع الموضوعي واعتماداً على الاكتشافات العلمية ، فتكون بذلك فلسفةً متجددةً متطورة ، ومن الناحية التاريخية أو الاجتماعية هي فلسفة تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على استغلال الانسان للإنسان ، فلقد أكد ماركس مبكراً ما معناه : ( أن اختيار المهنة يجب أن يعتمد على الكمال الذاتي وسعادة المجتمع وأوضح أن التناقض الظاهر بين هاتين القاعدتين يصبح معدوماً إذا ما اقتنعنا أن الكمال الذاتي لا يكون إلا في سياق سعادة المجتمع ) ، لكنني أرفض في الوقت نفسه تقديس النصوص الذي يجعل من الماركسية ديناً جديداً ولاهوتاً لا يجوز الاقتراب من نصوصه ولا انتقاد فقهائه ، وهذا ما قاله انجلز نفسه في رسالة إلى زورغة عام 1886 " مذهبنا ليس عقيدةً جامدةً ، بل مرشدٌ للعمل "
ما أحاول دراسته هو مدى اتساق فكرة ديكتاتورية البروليتارية مع الأسس النظرية للماركسية ذاتها في سعيها من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة الاستغلال ، وكذلك تبيان المسار الذي تطورت فيه فكرة ديكتاتورية البروليتارية في الفكر السياسي الماركسي ، وما آل إليه تطبيقها على الواقع ، وذلك عملاً بمقولة اسبينوزا : " إذا وقعت واقعةٌ عظيمة ، لا تضحك ولا تبك ، ولكن فكر "
فالواقعة الكبيرة قد وقعت ، فَشِل النموذج وانهارت القلعة ، وكان لابد من التفكير ، لكن الذين توقعنا منهم أن يمعنوا النظر ويفكروا ، لم نر نتيجة تفكيرهم مراجعاتٍ نقدية نظرية بل رأيناهم – على الأقل في وطننا – ينقسمون إلى تيارين رئيسيين : الأول تنصل من التجربة وراح يقدم أدلة براءته وبراهين تنبهه المبكر لما سيحدث ولكن أحداً لم يستمع لاستشرافاته الخلاقة ، لينطلق من كل هذا إلى الموقع المعادي فكرياً وعملياً ، أما التيار الثاني فقد تمترس وراء الإدعاء بأن الأفكار بمجموعها صحيحة لا يشوبها الباطل من أمامها أو من خلفها بينما المشكلة لم تكن إلا في سوء التطبيق دون نسيان دور المؤامرات الخارجية حتى وصل الأمر إلى تجسيدها بشخص واحد ، في موقف يذكر بمقولات الاسلام السياسي في الحديث عن عدم الالتزام بقواعد الاسلام السمحة وعن الفتنة ودور عبد الله بن سبأ في كل ما حدث للمسلمين من كوارث




الأساس النظري لدكتاتورية البروليتارية

بَيَّن روّاد الماركسية أن تنظيم المجتمعات الإنسانية والذي وصل في شكله الأعلى إلى الدولة لم يكن مُنزلاً من آلهة وليس أزلياً أو أبدياً ، بل هو من صنع البشر في سياق تطور تاريخي طويل ، وبالتالي وطالما هو كذلك فبإمكان البشر تغيير هذا التنظيم بل من الضروري تغييره لإزالة ما تحمله هذه الأشكال التنظيمية أو بلغة الماركسية هذه التشكيلات الاجتماعية من قهر واستغلال طبقة لطبقة ، والمعني هنا أساساً الطبقة البرجوازية ، وبعد أن حدد ماركس وانجلز الهدف وهو العدالة الاجتماعية ، وبينوا أن سيرورة التاريخ هي في اتجاه التطور والارتقاء فيما عرف بالحتمية التاريخية ، كان لابد من تحديد آلية الانتقال من مجتمع الاستغلال ، مجتمع سيادة البرجوازية و مجتمع التشكيلة الرأسمالية ، إلى مجتمع العدالة الاجتماعية ، مجتمع سيادة الطبقة العاملة في التشكيلة الاشتراكية ثم الشيوعية ، فقد حدد البيان الشيوعي 1847 هذه الآلية بالتالي :
" لا يمكنها – أي البروليتاريا – أن تهب وتقوِّم عودها إلا إذا نسفت كل الطبقات المتراكم بعضها فوق بعض والتي تؤلف المجتمع الرسمي ....وتؤسس البروليتاريا سيطرتها بعد القضاء على البرجوازية بالشدة والعنف .
إن هدف الشيوعيين (هو ) تنظيم البروليتاريين في طبقة وهدم سيادة البرجوازية واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية
إن الخطوة الأولى في ثورة العمال هي تحول العمال إلى طبقة سائدة ، والظفر بالديمقراطية ، وستستخدم البروليتاريا سلطتها السياسية لأجل انتزاع الرأسمال من البرجوازية شيئاً فشيئاً ومركزة جميع أدوات الإنتاج في أيدي الدولة أي في أيدي البروليتاريا المنظمة في طبقة حاكمة ، ولا يتم ذلك طبعاً في بادئ الأمر إلا بخرق حق التملك وعلاقات الإنتاج البرجوازية بالشدة والعنف ، أي باتخاذ تدابير تتراءى من الوجهة الاقتصادية غير كافية ولا مأمونة البقاء ، ولكنها تتعاظم وتتجاوز نفسها بنفسها خلال الحركة ، وتكون ضرورية لا غنى عنها كوسيلة لقلب أسلوب الانتاج بأسره .... وما أن تختفي الفوارق الطبقية ويصبح الانتاج متمركزاً في أيدي جمعية واسعة تشمل الأمة بأسرها ، حتى تفقد السلطة العامة صبغتها السياسية .
البروليتاريا في نضالها ضد البرجوازية ، تبني نفسها حتماً في طبقة ، وإذا كانت تجعل نفسها بواسطة الثورة طبقة حاكمة ،ثم بصفتها طبقة حاكمة تهدم بالعنف والشدة علاقات الإنتاج القديمة ، فإنها بهدمها علاقات الانتاج القديمة تهدم بالوقت نفسه ظروف وجود التناقض و التناحر بين الطبقات وتهدم الطبقات بصورة عامة ، وبذلك تهدم أيضاً سيادتها ذاتها من حيث هي طبقة "
ملخص الكلام أن البروليتاريا خلال النضال تنظم نفسها في طبقة ، طبقة تهدم سيادة الطبقة البرجوازية بالعنف والشدة ، وتغير علاقات الانتاج البرجوازية وتركز ملكية وسائل الانتاج بيدها، فتلغي بذلك التناحر بين طبقات المجتمع مما يؤدي لأن تهدم ذاتها بصفتها طبقة حاكمة !
في هذا الكلام كثيرٌ من الوفاء للمنهج التاريخي عندما لم يحدد البيان الشيوعي الاجراءات التي يجب أن تتخذها البروليتاريا من أجل هدم سيادة البرجوازية وهدم علاقات الانتاج القديمة ، إذ قال البيان عن الاجراءات تلك : " تتعاظم وتتجاوز نفسها بنفسها خلال الحركة " وإن كان قد تحدث عن بعض الاجراءات التي يمكن تطبيقها في أكثر البلدان تقدماً ورُقياً ، لكن ورغم ذلك تطرح نقاط عديدة :
إن مبرر انتظام البروليتاريا في طبقة هو النضال ضد البرجوازية ولكن بعد تحولها لطبقة حاكمة وانتزاع السيادة من البرجوازية ما الذي يبقى نظرياً ليبرر وجود البروليتاريا بصفتها طبقة في مرحلة بناء العلاقات الجديدة ؟ وسيكون نضالها ضد من ؟
بعد حيازة البروليتاريا بصفتها طبقة على السلطة السياسية وأدوات العنف والقمع وملكية وسائل الانتاج ، هل ستبقى تحمل الأفكار الثورية ذاتها وتبقى مخلصة لها ؟
إن شكل النظام الاجتماعي الجديد وطريقة الوصول إليه حددت في البيان الشيوعي اعتماداً على تحليل يستند في أساسه على مفهوم الحتمية التاريخية ( وهذا مفهومٌ فيه كلام كثير ليس مكانه الآن ) ، لكن ألا تقضي الحتمية التاريخية أن حركة التاريخ هي من يحدد شكل المنظومة أو التشكيلة الاجتماعية الجديدة بعد الرأسمالية ؟ وطرق الانتقال إليها ؟ خاصة وأن تصور التشكيلة الاجتماعية الجديدة بأنها هي التشكيلة التي ستصنعها الطبقة المستغَلة ( البروليتاريا ) ، من خلال انتصارها الحتمي ، هو تصورٌ فيه انعطاف نوعي عن سياق الحركة التاريخية للتشكيلات السابقة ، وحسب الماركسية نفسها ، إذ لم يحدث أن تم الانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة بعدها من خلال انتصار ثورة الطبقة المضطَهدة ضد مضطهديها ، فالعبيد لم يشكلوا النظام الاقطاعي والفلاحون لم يؤسسوا النظام الرأسمالي ، إنما ومن خلال الصراع الطبقي والتطور الاقتصادي والاجتماعي ، تنشأ قوى انتاج جديدة تضيق بها علاقات الانتاج القائمة وتحد من تطورها فتكون النقلة النوعية والثورية إلى تشكيلة اجتماعية جديدة عندما تكتمل ظروفها وشروطها ، أي أن النظام الجديد ينشأ في رحم النظام القديم ، بينما البيان الشيوعي وبتحليل أقرب إلى السياسي والغائي منه إلى الفكري المجرد يتصور مجتمعاً جديداً تبنيه طبقة تهدم الطبقات ثم تهدم ذاتها ؟! ثم من الناحية النظرية كيف لطبقة وهي بالتعريف المدافعة عن مصالحها ، كيف لها أن تهدم ذاتها ؟! ومع مقولة ماركس " كل مستوى من الحياة يرافقه مستوى من التفكير " يصبح من المشروع التساؤل : هل تبقى أفكار البروليتاريا هي هي بعد امتلاكها السلطة وتمركز الانتاج وأدواته بيدها ؟
لم يبق مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا بهذه العمومية ، فلقد جاءت كومونة باريس 1871 لتشكل نقطة مفصلية في التوضيح النظري لهذا المفهوم باعتبارها التجربة العملية لتطبيق هذه الديكتاتورية على الأرض ، على الرغم من أن ماركس لم يؤيد الساعين باتجاه ثورة كومونة باريس ، فقد أيدها بعد قيامها ووقف إلى جانب ثوارها ، واعتبرها فيما بعد ، التجسيد العملي لفكرته حول ديكتاتورية البروليتاريا ، وهكذا فقد تبنى ما قامت به من اجراءات عملية وأعطاها الصبغة النظرية ، دون أن يمنعه ذلك من انتقاد بعض النقاط التي كان على الكومونة أن تكون فيها أكثر هجومية وأكثر حزماً ، واعتماداً على الدروس المستخلصة من الكومونة اعتبر كل من ماركس وانجلز أن بعض ما جاء في البيان الشيوعي 1848 قد شاخ ، واستنتجا أن " البروليتاريا لا تستطيع أن تسخر أجهزة الدولة البرجوازية لصالحها بشكل سهل بل عليها بتحطيم هذه الأجهزة " ، ولكن ما هي الأسس التي قامت عليها كومونة باريس واعتبرها منظرا الماركسية أنها التطبيق المادي لفكرة ديكتاتورية البروليتاريا ؟
• عينت في جميع الوظائف الإدارية والقضائية والتعليمية أشخاصاً منتخبين على أساس حق الاقتراع العام ، وأقرت في الوقت نفسه حق إلغاء تفويض هؤلاء بقرار من منتخبيهم في أي وقت
• لم تدفع لجميع الموظفين كبارا وصغراً إلا الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون ، كان يتعين أداء الخدمة العامة لقاء أجرة تساوي أجرة العامل
• كان يراد بالكومونة ألا تكون هيئة برلمانية ، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه
• ألغت الكومونة التجنيد الإجباري والجيش الدائم وأعنت أن القوة المسلحة الوحيدة هي الحرس الوطني الذي يتألف من جميع المواطنين القادرين على حمل السلاح
• بعد أن أزالت الكومونة الجيش الدائم والشرطة ، أخذت في الحال تكسر أداة الاستعباد الروحي ، " قوة الكهنة " وذلك بفصل الكنيسة عن الدولة
• وفقد الموظفون القضائيون استقلالهم الصوري ... وكان من المترتب عليهم ، شأنهم شأن سائر موظفي المجتمع أن يُنتخبوا في المستقبل بصورة مكشوفة وأن يكونوا مسؤولين وعرضة للخلع .لقد اعتبر ماركس أن الكومونة هي " من حيث الجوهر ، حكومة الطبقة العاملة ،كانت نتاج كفاح طبقة المنتجين ،ضد طبقة المستملكين ، كانت الشكل السياسي الذي اكتشف أخيراً ،والذي كان يمكن أن يتم في ظله انجاز التحرير الاقتصادي للعمل "1
أما أنجلز فيعطي تعريفاً واضحاً لمفهوم الدولة في ظل ديكتاتورية البروليتارية فيقول : " إن الدولة ستنحل من تلقاء نفسها وتزول عند إقامة النظام الاجتماعي الاشتراكي ، وبما أن الدولة ليست سوى منظمة مؤقتة تستخدم في النضال ، في الثورة من أجل تحطيم الأعداء بالعنف ، فإن من الخرق والتناقض القول بدولة شعبية حرة ، وما دامت البروليتارية تحتاج إلى الدولة ، فإنها لا تحتاج إليها من أجل الحرية ،بل لقمع أعدائها ، وما أن يصبح بالإمكان التحدث عن الحرية حتى تزول الدولة بصفتها دولة ، ولذا نقترح الاستعاضة في كل مكان عن كلمة – الدولة – بكلمة المشاعة وهي كلمة ألمانية قديمة ملائمة تعادل كلمة كومونة "2وكأن انجلز هنا يشير إلى أن الكومونة هي مرحلة زوال الدولة طالما تحدث عن الكومونة بمعنى المشاعة

1 – ماركس ، انجلز ، المختارات الجزء الثاني ،الحرب الاهلية في فرنسا ص195
2 – المصدر السابق ، رسالة إلى بييل ، ص 275
إن اعتماد هذا الشكل من التنظيم باعتباره الشكل العملي لديكتاتورية البروليتارية ، ورغم كل ما فيه من ايجابيات ، يطرح تساؤلات عدة من أهمها :
- إذا انتخب الموظفون مباشرة بالاقتراع العام ، فماذا عن الكومونة ذاتها بصفتها هيئة تشريعية وتنفيذية ، من ينتخبها ؟ وإن كان ذلك بالانتخاب العام فمن يضمن انتخاب أشخاص يمثلون مصالح البروليتارية ؟ حتى لوكان الناخبون كلهم بروليتاريين
- الشعب المسلح هو الجيش الوحيد ، لكن القوة المسلحة هي في النهاية سلطة ، فمن يضبط سلوك هذه السلطة ؟
- كيف سيقرر الناخبون وبأي آلية سيقررون سحب التفويض من موظف ما ؟
- ما هي مقاييس ومعايير عزل القضاة ، وكيف يتوقع للانتخاب أن يختار الكفاءة الصحيحة مهنياً طالما المنتخِبون غير مختصين ؟
في كتاب الحرب الأهلية في فرنسا يقول ماركس : " ولما كان العمال وحدهم تقريباً أو ممثليهم المعترف بهم ، هم الذين يجلسون في الكومونة ، فقد حملت المقررات التي اتخذتها طابعاً بروليتارياً صريحاً "1
" الكومونة يجب أن تصير الشكل السياسي حتى لأصغر قرية ، أن الجيش الدائم يجب الاستعاضة عنه في الدوائر الريفية أيضاً بميليشيا شعبية تكون مدة الخدمة فيها مدة قصيرة للغاية ، .... وهكذا فإن هذه الكومونة الجديدة التي تحطم سلطة الدولة الحديثة ، اعتبرت بمثابة بعث لكومونات العصور الوسطى التي سبقت نشوء سلطة الدولة "2 في نقد برنامج غوتة يعترف ماركس أن قاعدة حق المنتِج ( العامل ) الذي يتناسب مع العمل الذي بذله ، هي قاعدة قائمة على عدم المساواة "هو إذا من حيث المحتوى ، حق قائم على عدم المساواة " 3 وهنا يتحدث ماركس عن الطور الأول والطور الثاني من المجتمع الشيوعي : " ولكنها عيوب محتومة لا مناص منها في الطور الأول من المجتمع الشيوعي كما يخرج من المجتمع الرأسمالي بعد مخاض طويل ، فالحق لا يمكن أن يكون أبداً في مستوى أعلى من النظام الاقتصادي ومن درجة التمدن الثقافي التي تناسب هذا النظام ، وفي الطور الأعلى من المجتمع الشيوعي ، بعد أن يزول خضوع الأفراد المذل لتقسيم العمل، ويزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي ، وحين يصبح العمل لا الوسيلة للعيش وحسب بل الحاجة الأولى للحياة أيضاً ، وحين تتنامى القوى المنتجة مع تطور الأفراد من جميع النواحي وحين تتدفق جميع ينابيع الثروة العامة بفيض وغزارة ،حين ذاك فقط يصبح بالإمكان تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي تجاوزاً تاماً ويصبح بإمكان المجتمع أن يسجل على رايته :
1 –
2 – المختارات ، الجزء الثاني ، الحرب الأهلية في فرنسا ، ص 192 – 193
3 – نقد برنامج غوته ، مختارات ، دار التقدم ، ص 249


من كل حسب كفاءاته ولكل حسب حاجاته "1
" بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي ، تقع مرحلة تحول المجتمع الرأسمالي تحولاً ثورياً إلى المجتمع الشيوعي ، وتناسبها مرحلة انتقال سياسي لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الديكتاتورية الثورية للبروليتارية "2
يُفهم من الكلام فيما سبق : أن الدولة بصفتها دولة تبدأ بالإضمحلال بل تضمحل في مرحلة ديكتاتورية البروليتارية ، البروليتارية التي تقضي على أعدائها وفي الوقت نفسه تزيل وجودها بصفتها طبقة ومعها تنتهي الحاجة لوجود الدولة ، وكل كلام عن ديكتاتورية البروليتارية واستمرارية الدولة في الطور الأول للشيوعية ، هو كلام مستحدث على فكر ماركس ، فماركس قد اعتبر كومونة باريس وبشكل صريح ، نموذجاً لتحطيم الدولة وزوالها . وهذا ما تؤيده الفقرة التالية التي اقتبسها لينين من كلام انجلز في كتاب ( ضد دوهرنغ ) : " عندما تصبح الدولة أخيراً ، ممثلة للمجتمع بأكمله حقاً ، عندئذ تجعل نفسها بنفسها أمراً لا لزوم له ، وعندما لا تبقى أية طبقة إجتماعية ينبغي قمعها ، .... لا تبقى أيضاً ضرورة لقوة خاصة للقمع ، للدولة ، وأول عمل تبرز فيه الدولة حقاً بوصفها ممثل المجتمع بأكمله – تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع – هو في الوقت نفسه آخر عمل تقوم به بوصفها دولة ، ...... وبدلاً من حكم الناس ينشأ توجيه الأمور وإدارة عمليات الإنتاج "3 هنا تبرز عدة نقاط --- - الدولة بصفتها دولة وليس أي شيء آخر هي من يتملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع - ما أن تتملك الدولة وسائل الإنتاج تلك ، حتى تجعل نفسها بنفسها أمراً لا لزوم له - - تتحول الدولة من تلقاء نفسها إلى توجيه الأمور وإدارة عمليات الإنتاج ، كل ذلك في مرحلة دكتاتورية البروليتارية ، مرحلة الكومونة .
1 – المصدر السابق ، ص 250
2 – المصدر السابق ، ص 261
3 - انجلز ، ضد دوهرنغ ، دار دمشق ،ترجمة فؤاد أيوب ، ص 228 – 339 من كتاب الدولة والثورة






والسؤال الذي يبرز قوياً ، كيف للدولة التي تملكت وسائل الإنتاج ، بصفتها دولة ، أي بجبروتها وقوتها الخاصة للقمع ، كيف لها بعد أن امتلكت وسائل الإنتاج مباشرة وليس ( بالنيابة عن طبقة تمثلها كما كانت في السابق ) كيف لها أن تتخلى عن هذا الإمتياز وهو مصدر كل القوة ، وكيف لها أن تعمل على أن تزيل ذاتها أو تضمحل ؟ وهنا لا أجد فرقاً بين أن تمتلك الدولة وسائل الإنتاج باسمها أو باسم المجتمع ، وإن وجد فرق فهو فرق شكلي لا أكثر
ديكتاتورية البروليتارية بعد ثورة أكتوبر
فكرة ديكتاتورية البروليتارية ، واجهت فيما بعد واقعاً موضوعياً جديداً ، متمثلاً في ثورة أكتوبر التي طرحت تحديات أساسية ومصيرية في موضوع شكل وبناء الدولة الاشتراكية الوليدة ، تحديات احتاجت لإجابات عملية ونظرية ، أي على مستوى الفكر والتطبيق ، ولقد كان ما كتبه لينين في هذا المجال سواء بشكل مباشر أم من خلال معاركه الفكرية مع معارضيه وخصومه ، داخل الحزب البلشفي أو خارجه ، كان لما كتبه الأثر المهم والمفصلي في تطور فكرة ديكتاتورية البروليتارية ، وما تركه هذا التطور وأسسه من تأثير على الشكل النهائي للدولة الاشتراكية
استند لينين على ما جاء في كتابات ماركس وانجلز حول ديكتاتورية البروليتارية من خلال البيان الشيوعي من جهة ، ودراستهما لدروس كومونة باريس من جهة ثانية .
فقد ظهر في كتابات لينين عام 1905 مصطلحٌ جديدٌ وهو مصطلح الديكتاتورية الديمقراطية الثورية إذ يذكر لينين رأي ماركس في الحكومة الثورية في بروسيا آذار 1848 والتي كان عليها : " بسط الديكتاتورية فوراً بوصفها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الديمقراطية و أن تزيل من النظام القائم فعلاً في ألمانيا كل ما هو مخالف لمبدأ سيادة الشعب "1 ويرى لينين في مضمون هذا الكلام إشارة إلى الإنقلاب الديمقراطي المتضمن : " الدفاع ضد الثورة المضادة ، والقضاء فعلاً على كل ما هو مخالف لسيادة الشعب ، وليس هذا غير الديكتاتورية الديمقراطية الثورية "2
ويتساءل لينين إلى أيدي من تنتقل السيادة في هذه الحالة ، ويجيب أنها تنتقل إلى أيدي ( العمال والبرجوازية الديمقراطية ) ويفصل أكثر ليستنتج من كلام ماركس عام 1848 ، أن القسمين الرئيسيين الذين يكونان هذا الشعب الذي عارض الرجعية والبرجوازية الخائنة ، هذان القسمان هما ( البروليتارية وطبقة الفلاحين ) لكنه يعود ويؤكد أن ذلك هو إنقلاب ديمقراطي وليس إنقلاباً إشتراكياً إذ " أن طبقة الفلاحين بوصفها طبقة مالكي الأرض ستضطلع في هذا النضال – أي النضال من أجل الإشتراكية – بنفس دور الخيانة والتذبذب الذي تضطلع به الآن البرجوازية في النضال من أجل الديمقراطية ، وإن ينسى المرء هذا الأمر ، فكأنه ينسى الإشتراكية ، ويخدع نفسه بنفسه ويخدع الآخرين حول مهمات البروليتارية ومصالحها الحقيقية "3
وهنا يشير لينين إلى عدم نضج افكار ماركس وانجلز في التعاطي مع مصالح البروليتارية وإن الأحداث والغريزة البدائية لدى الحركة العمالية قد اصلحت مفاهيمهما ، إذ يقول : " لا ريب أن ماركس وانجلز كانا على حق تاريخياً وسياسياً ، عندما اعتبرا أن المصلحة الرئيسية للطبقة العاملة تقوم قبل كل شئ في حفز الثورة البرجوازية قدر الإمكان ...ومع ذلك فإننا نجد برهاناً ساطعاً على الطريقة التي تُصَلِّح بها الغريزة البدائية لدى الحركة العمالية مفاهيم أكبر المفكرين ، في كون ماركس وانجلز قد أيدا في نيسان 1849 قيام منظمة عمالية خالصة وقررا الإشتراك في المؤتمر العمالي الذي أعدته بخاصة بروليتارية شرق الألب – بروسيا الشرقية اليوم – "4
وفي المصدر السابق ذاته وتحت عنوان ( الكومونات الثورية ) يستعمل لينين تعبير ( ديكتاتورية البروليتارية والفلاحين الديمقراطية الثورية ) إذ يقول : " إن ديكتاتورية البروليتارية والفلاحين الديمقراطية الثورية ، ليست ، بلا جدال ، سوى مهمة عرضية مؤقتة بالنسبة للاشتراكيين ،بيد أنه من باب الرجعية على وجه الضبط تجاهل هذه المهمة في عصر الثورة الديمقراطية ..... سيأتي يوم ينتهي فيه النضال ضد الاوتوقراطية الروسية ويولّي عهد الثورة الديمقراطية بالنسبة لروسيا ، وإذ ذاك سيكون من المضحك حتى التحدث عن ( وحدة الإرادة ) بين البروليتارية والقلاحين ، وعن الديكتاتورية البيروقراطية ، إذ ذاك سنفكر مباشرة بديكتاتورية البروليتارية " 5
ويضيف لينين : " ينبغي على البروليتارية أن تقوم بالإنقلاب الديمقراطي إلى النهاية ، بأن تضم إليها جماهير الفلاحين لسحق مقاومة الاوتوقراطية بالقوة وشل تذبذب البرجوازية ، وينبغي على البروليتارية أن تقوم بالإنقلاب الاشتراكي بأن تضم إليها جماهير العناصر نصف البروليتارية من السكان لسحق مقاومة البرجوازية بالقوة وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة "6
في مقاله مهمات البروليتارية في ثورتنا ( مشروع برنامج الحزب البروليتاري ) الصادر في 10 نيسان 1917 وفي معرض دفاعه عن ضرورة تغيير إسم الحزب يتحدث لينين عن مفهومه للعلاقة بين الديمقراطية وديكتاتورية البروليتارية فيقول :

1 – 2 لينين خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية ، مختارات1 ص 182
3 – المصدر السابق ، ص 186 ، 4 – المصدر السابق ، ص 187
5- 6 المصدر السابق الصفحات : 131 ، 132 ، 138



" إن دولتنا الجديدة لم تبق دولة بمعنى الكلمة الحرفي ، لأن هذه الفصائل المسلحة من الناس إنما هي في العديد من أنحاء روسيا ، الجماهير ذاتها ، الشعب بأسره ، لا فرد موضوع فوق الشعب "
" إن الديمقراطية الجديدة الناشئة التي تكف عن أن تكون ديمقراطية ، لأن الديمقراطية إنما هي سيادة الشعب ، والحال أن الشعب المسلح لا يستطيع أن يمارس السيادة بنفسه على نفسه .... إن تعبير الديمقراطية المطبق على الحزب الشيوعي غير صحيح من الناحية العلمية ، فهو اليوم بعد آذار 1917 غمامة على وجه الشعب الثوري تمنعه من بناء الجديد ،... أي بناء سوفييتات نواب العمال والفلاحين وغيرهم ، بوصفها السلطة الوحيدة في ( الدولة )بوصفها المبشرة باضمحلال الدولة "
وأكثر من ذلك ، يعتبر لينين أن الظروف قد تغيرت عن المرحلة بين 1871 – 1914 ، " المرحلة التي رضخ فيها ماركس وانجلز عن علم ومعرفة للاصطلاح الخاطئ ، الانتهازي ( اشتراكية – ديمقراطية ) إذ أن التاريخ في تلك المرحلة ، بعد هزيمة كومونة باريس ،قد وضع في جدول الأعمال العمل التنظيمي والتثقيفي البطيء "
أما عن حجة المعترضين التي تقول إن ( الجماهير اعتادت حزبها الاشتراكي الديمقراطي ، العمال أحبوه " فيجيب لينين بطريقة يبدو معها من أشد أنصار التجديد الفكري والنظري ، فيقول :
" هذه حجة الرتوب ، حجة السبات ، حجة الجمود .. إننا نريد أن نصنع العالم من جديد ، نريد أن نضع حداً للحرب الامبريالية العالمية ، والتي يستحيل إنهاؤها بصلح ديمقراطي ، إلا عن طريق أكبر ثورة بروليتارية عرفها تاريخ الانسانية ،.. وبعد هذا نتمسك بقميصنا المألوف ، العزيز ، القذر .. لقد آن الأوان لنا أن نخلع القميص القذر ، لقد آن لنا أن نلبس ثياباً نظيفة "
{ مهمات البروليتارية في ثورتنا ، من كتاب لينين ماركس انجلز الماركسية ، دار التقدم ، ص 441 – 442 – 444 – 445 }
في رسائل حول التكتيك ( تحليل الوضع الراهن ، نيسان 1917 ) يؤكد لينين مشيراً إلى ما يقوله ماركس وانجلز : " إن مذهبنا ليس عقيدة جامدة ، بل مرشد إلى العمل " ، لكن يجب عدم تجاهل الواقع الملموس ، فيشير : " إن ديكتاتورية البروليتارية والفلاحين الديمقراطية الثورية قد تحققت في الثورة الروسية .. إن هذه الصيغة قد أصبحت قديمة ، فقد قادتها الحياة من مملكة الصيغ إلى مملكة الواقع ، ونفخت فيها الحياة ، ونفخت فيها لحماً ودماً وبالتالي عدلتها "
" إن من لا يتحدث اليوم إلا عن ( ديكتاتورية البروليتارية والفلاحين الديمقراطية الثورية ) يتأخر عن الحياة ، ينتقل إلى البرجوازية الصغيرة ضد النضال البروليتاري الطبقي ، ويستحق نبذه إلى متحف الطرائف ( البلشفية ) ما قبل الثورة وقد يمكن القول إلى متحف ( البلاشفة القدماء ) "
ويضيف لينين في هذا الخصوص : " يترتب على الماركسي أن يحسب الحساب للواقع الحي ، للوقائع الدقيقة الملموسة ، لا أن يتمسك بنظرية الأمس ، التي هي ككل نظرية قادرة في احسن الأحوال على تبيان الجوهري ، العام ،على إعطاء تقدير تقريبي لتعقّد الحياة ، ( إن النظرية رمادية اللون يا صديقي ، لكن شجرة الحياة خضراء إلى الأبد )" ..... العبارة بين قوسين كبيرين مأخوذة من كلام مفيستوفيل في مأساة غوتة
ويحدد لينين هنا الشكل العملي لديكتاتورية البروليتارية من خلال قوله أن الحكومة الوحيدة التي يمكن أن تكون في روسيا هي سوفيتيات نواب العمال والأجراء الزراعيين والجنود والفلاحين والبرجوازية الصغيرة ، ويعتبر أن السوفيتيات هي المنظمة الفورية المباشرة لأغلبية الشعب ، مع تأكيده على النضال من أجل النفوذ في قلب هذه السوفيتيات ، وهنا لا يفوت لينين أن يؤكد أن كل ما سبق لا يمكن إدراجه تحت عنوان الفوضوية ، إذ يقول " غير إني أدافع عن ضرورة الدولة في هذه المرحلة ، ... شرط ألا تكون الدولة ( وهذا ما يتفق مع ماركس ومع تجربة كومونة باريس ) دولة برلمانية برجوازية عادية ، بل دولة بدون جيش دائم ، بدون بوليس مضاد للشعب ، بدون دواوينية موضوعة فوق الشعب "
{ رسائل حول التكتيك ، كتاب لينين ماركس انجلز الماركسية ، دار التقدم ، ص 448 – 449- 451 – 454 – 455 - }
وفي كتاب الدولة والثورة يعمق لينين هذه المفاهيم ويعطيها بعداً أكثر وضوحاً وصراحة وعملية :
" الدولة هي قوة خاصة للقمع ،..... إن القوة الخاصة لقمع البروليتارية من قبل البرجوازية لا بد أن يستعاض عنها بقوة خاصة لقمع البرجوازية من قبل البروليتارية – ديكتاتورية البروليتارية – وفي هذا كنه القضاء على الدولة بوصفها دولة ، وفي هذا كنه عملية تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع ، ومن الواضح بداهة أن مثل هذه الاستعاضة عن قوة خاصة برجوازية بقوة خاصة بروليتارية لا يمكنها بتاتاً أن تتم بشكل اضمحلال ... يتكلم انجلز عن الاضمحلال ، أو حتى ، وهو تعبير أبرز وأجمل ، عن الخبو ، قاصداً بأتم الوضوح والجلاء مرحلة ما بعد تملك الدولة لوسائل الإنتاج باسم المجتمع كله ، أي مرحلة ما بعد الثورة الاشتراكية ، ونحن جميعاً نعلم أن الشكل السياسي للدولة في هذه المرحلة هو الديمقراطية الأتم ، ولكن لم يدر في خلد الإنتهازيين الذين يشوهون الماركسية دونما خجل أن الحديث يدور هنا عند انجلز ، بالتالي ، عن خبو واضمحلال الديمقراطية ، ويبدو ذلك لأول وهلة بمنتهى الغرابة ، ولكن لا يستطيع أن لا يفهم ذلك غير الذين لم يصل بهم تفكيرهم إلى أن الديمقراطية هي أيضاً دولة ، وأن الديمقراطية تزول هي أيضاً ، تبعاً لذلك ، عندما تزول الدولة ، الدولة البرجوازية لا يستطيع القضاء عليها غير الثورة ، والدولة بوجه عام أي الديمقراطية ،الأتم ، يمكنها أن تضمحل وحسب "1
بكلمات أخرى يمكن أن نفهم كلام لينين :
- قوة خاصة بروليتارية للقمع تحل محل قوة القمع الخاصة البرجوازية ، وهذا هو القضاء على الدولة بوصفها دولة
- وبهذا أيضاً تتم عملية تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع
- والغريب أن الاستعاضة عن قوة القمع البرجوازية بقوة قمع بروليتارية ؛ والذي هو القضاء على الدولة بوصفها دولة ؛ لا يمكن أن تتم بشكل الاضمحلال ( للدولة ) ؟ إنه حقاً لغز
- مرحلة تملك وسائل الإنتاج هي مرحلة ما بعد الثورة الاشتراكية ، وهي مرحلة الديمقراطية الأتم ، وفيها تبدأ مرحلة خبو الدولة أو أفولها ، وهذا يعني منطقياً زوال الديمقراطية !!
رغم كل التناقض الداخلي في هذا الكلام فإنه يقرر أن مرحلة ما بعد الثورة الاشتراكية وبشكل أكثر تحديداً بعد تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع ، تبدأ مرحلة اضمحلال أو خبو الدولة ومعها الديمقراطية ، وهذا يعيدنا لطرح السؤال النظري ذاته ، كيف لقوة القمع البروليتارية ، بعد أن تتملك وسائل الإنتاج ، كيف لها أن تتخلى عنها ، ولا أظن أن تملك وسائل الإنتاج باسم المجتمع يشكل ضمانة حقيقية لذلك ، خاصة وأن لينين يؤكد أن القوة القمعية الخاصة تلك هي دولة ، ويؤكد من جهة ثانية أن " كل دولة ليست حرة وليست شعبية "2
إن لينين لا يكتفي بتحليل النصوص الماركسية وشرحها وصياغتها بطريقة تخدم وجهة نظره في الإجابة عن تحديات الواقع ، بل يضيف للمفهوم – ديكتاتورية البروليتارية – أبعاداً جديدة من خلال نقلة نوعية تتضح في قوله :

" إن اسقاط البرجوازية لا يمكن أن يتحقق عن غير طريق تحول البروليتارية إلى طبقة سائدة قادرة على قمع ما تقوم به البرجوازية حتماً من مقاومة مسعورة ، وعلى تنظيم جميع الجماهير الكادحة والمستثمَرة من أجل النظام الإقتصادي الجديد ، إلا أن البروليتارية بحاجة لسلطة الدولة ، أي إلى تنظيم القوة المتمركز ، إلى تنظيم العنف سواء لقمع مقاومة المستثمِرين أم لقيادة جماهير السكان الغفيرة من فلاحين وبرجوازية صغيرة وأشباه بروليتاريين في أمر ترتيب الإقتصاد الإشتراكي إن الماركسية ، إذ تربي حزب العمال ، تربي طليعة البروليتارية الكفوء لأخذ السلطة والسير بكل الشعب إلى الإشتراكية ، ولتوجيه وتنظيم النظام الجديد ، ولتكون معلماً وقائداً وزعيماً لجميع الشغيلة والمستثمَرين في أمر تنظيم حياتهم الإجتماعية بدون البرجوازية وضد البرجوازية "1

1 - الدولة والثورة ، مختارات ، دار التقدم ص 156
2 – المصدر السابق ، ص 158
3 – المصدر السابق 164




خلاصة كلام لينين :
- البروليتارية طبقة سائدة لقمع البرجوازية
- البروليتارية بحاجة لسلطة الدولة
- حزب العمال ( الحزب الشيوعي ) هو طليعة البروليتارية الكفوء ، وباعتباره كذلك فهو من يستلم سلط الدولة ويقود المجتمع
- وينظم أمور النظام الجديد وينظم الحياة الاجتماعية
بتعبير آخر تتمثل النقلة النوعية هنا في مفهوم أو مصطلح جديد هو مصطلح الحزب الطليعي ، والذي أعطاه كلامُ لينين كل صلاحيات ديكتاتورية البروليتارية بصفتها طبقة سائدة ، والتي تحدث عنها ماركس وانجلز ، وإذا أضفنا إلى هذا مفهوم لينين عن بنية الحزب الطليعي والنظام الحديدي الذي يعتمد على مبدأ المركزية الديمقراطية والتي من بين ما تتضمن :
أن القيادة ترشح الأعضاء الحزبيين للمواقع القيادية من مستوياتها الدنيا حتى المؤتمر العام وما على الهيئات الحزبية سوى أن تؤيد هذا الترشيح وتنتخب من رشحته القيادة ، وفي المؤتمر يقوم المندوبون أعضاء المؤتمر برد الجميل إلى اللجنة المركزية ويعيدوا انتخابها ، واللجنة المركزية ترد الجميل بدورها إلى المكتب السياسي وتنتخبه مجدداً وهذا بدوره يعيد انتخاب الأمين العام . بهذا المنطق يكون لينين قد وضع حجر أساس نظام بيروقراطي ديكتاتوري لا يؤسس أفول الدولة واضمحلالها بل يؤسس أفول واضمحلال أمل الكادحين في مجتمع العدالة الاجتماعية
هذا ولابد من ملاحظة تأثير طبيعة البنية الطبقية والإقتصادية والإجتماعية للمجتمع الروسي على كلام لينين السابق ، فبينما يقتصر كلام ماركس وانجلز على تشكل البروليتارية في طبقة سائدة ، يتحدث لينين هنا عن قيادة البروليتارية للجماهير الغفيرة من فلاحين وبرجوازية صغيرة واشباه البروليتاريين
ويسير لينين بعيداً في توضيح تصوره لمرحلة ديكتاتورية البروليتارية ، فبعد أن يبين كلام ماركس وانجلز بوضوح أن الدولة بصفتها دولة تبدأ بالأفول وتخبو – حسب تعبير لينين نفسه – شيئاً فشيئاً بدءاً من تملك البروليتارية لوسائل الإنتاج باسم المجتمع ، نرى أن لينين يوسع مرحلة الحاجة إلى الدولة بصفتها أداة قمع خاصة ضد البرجوازية ، يوسعها إلى أبعد مدى بحيث تستمر طيلة الطور الأول – أي مرحلة الإشتراكية – إذ يقول : " لم يتفهم فحوى تعاليم ماركس بشأن الدولة إلا أولئك الذين أدركوا أن ديكتاتورية الطبقة الواحدة ضرورية ليس فقط لكل مجتمع طبقي بوجه عام ، ليس فقط للبروليتارية التي أسقطت البرجوازية ، بل أيضاً لمرحلة تاريخية كاملة تفصل الرأسمالية عن المجتمع اللاطبقي – الشيوعية – "
{ المرجع السابق ص 173 }
وكي لا يصبح الأمر نقاشاً عقيماً حول تفسير كلام ماركس وانجلز وتطابقه مع كلام لينين بهذا الشأن ، أورد نصاً طويلاً نسبياً يبين فهم لينين شخصياً لكلام ماركس وانجلز
" وهكذا يبدو أن الكومونة لم تستعض عن آلة الدولة المحطمة إلا بديمقراطية أتم : القضاء على الجيش النظامي ، مبدأ إنتخاب وسحب جميع الموظفين ، ولكن هذه ال – إلا- تعني في حقيقة الأمر تبديلاً هائلاً لنوع من المؤسسات بنوع آخر يختلف إختلافاً مبدئياً . نحن هنا في الحقيقة أمام حالة من حالات – تحول الكمية إلى نوعية – الدولة الديمقراطية المطبقة بأتم وأوفى شكل يمكن تصوره ، تتحول من ديمقراطية برجوازية إلى ديمقراطية بروليتارية ، من دولة ( = قوة خاصة لقمع طبقة معينة ) إلى شيء ليس الدولة بمفهومها
إن قمع البرجوازية ومقاومتها كان لا يزال أمراً ضرورياً وكانت هذه الضرورة تفرض ذاتها على الكومونة بشكل خاص ، ..... ولكن هيئة القمع تغدو في هذه الحالة أغلبية السكان ، .... وبما أن أغلبية الشعب تمارس بنفسها قمع ظالميها فلا تبقى ثمة حاجة إلى قوة خاصة للقمع ، وبهذا المعنى تأخذ الدولة بالإضمحلال ، وبدلاً من المؤسسات الخاصة العائدة للأقلية المميزة ( الموظفين المميزين ، قادة الجيش النظامي )تستطيع الأغلبية نفسها القيام بذلك بصورة مباشرة ، وبمقدار ما يتخذ القيام بوظائف سلطة الدولة طابعاً شعبياً أشمل بمقدار ما تقل الحاجة إلى هذه السلطة "1
واضح أن لينين هنا يتحدث عن تجربة كومونة باريس ، واعتبر أن أغلبية الشعب تمارس القمع ضد البرجوازية بنفسها وبالتالي تنفي الحاجة لآلة القمع الخاصة أي للدولة ، مؤكداً بوضوح دون لبس أو إبهام أن الدولة تبدأ بالإضمحلال منذ بداية العملية الثورية واستيلاء البروليتارية على السلطة ، كما أن عمر كومونة باريس القصير جداً لا يسمح في المناورة والإدعاء بأن المقصود هو مرحلة متأخرة ، وهذا يدلنا على أن لينين عندما تحدث سابقاً عن الحاجة إلى الدولة – أداة القمع البروليتارية – طيلة مرحلة تاريخية كاملة ، إنما كان يضع تصوراً جديداً لهذا المفهوم لم يكن وارداً في كتابات ماركس وانجلز ، على الرغم من أن لينين يسوق تصوره هذا عبر مهاجمة خصومه واتهامهم بأنهم لا يفهمون كلام ماركس وانجلز
يهاجم لينين منتقدي مرتكزات ديكتاتورية البروليتارية كما طبقتها كومونة باريس ، خاصة عنصري ممارسة الشعب لمهام الجيش بنفسه وفكرة تخفيض أَجر جميع الموظفين بما فيهم أصحاب الكفاءات إلى مستوى أَجر العامل ، يهاجمهم بطريقة توضح موقفه النظري من هذه الانتقادات : " تخفيض رواتب كبار الموظفين في جهاز الدولة يبدو مجرد مطلب من مطالب ديمقراطية ساذجة ، بدائية ، إن أحد مؤسسي الإنتهازية الحديثة ، برنشتين ، قد لاك مراراً وكرر التهكمات البرجوازية الحقيرة على الديمقراطية البدائية ، فهو كشأن

1 – ( المصدر السابق ) الدولة والثورة ، ص 180 - 181
جميع الانتهازيين وكشأن الكاوتسكيين الحاليين لم يفهم بتاتاً ، أولاً : إن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية يستحيل بدون عودة ما إلى الديمقراطية البدائية ، ( وإلا كيف يمكن الانتقال إلى قيام أكثرية السكان والسكان عن آخرهم بوظائف الدولة ؟ ) وثانياً : إن الديمقراطية البدائية على أساس الرأسمالية والحضارة الرأسمالية تختلف عن الديمقراطية البدائية في العهود البدائية أو عهود ما قبل الرأسمالية ، فقد خلقت الحضارة الرأسمالية الانتاج الضخم والمعامل وسكك الحديد والبريد والتلفون وما شاكل ذلك ، وعلى هذا الأساس بلغت الأكثرية الكبرى من وظائف سلطة الدولة القديمة درجة من البساطة وغدا بالإمكان تحويلها إلى عمليات من التدوين والتسجيل والتثبيت على درجة من السهولة بحيث تصبح تماماً في منال جميع من يحسنون القراءة والكتابة ، بحيث يمكن تماماً القيام بهذه الوظائف مقابل أجرة العامل المعتادة "1
قبل مناقشة هذا الكلام ، لنؤكد أولاً إن ما يدافع عنه لينين ( أي ممارسة الجميع لسلطة الدولة ، وتخفيض رواتب الموظفين ، وشكل المشاعية البدائية ) قد تم في كومونة باريس ، وليس في مرحلة متقدمة من البناء الاشتراكي وعلى مشارف المرحلة الشيوعية
وفي مناقشة هذه الأفكار أقول ؛ - حول أولاً : اعتماداً على المنطق المجرد أقول إن اعتقادي أن شيئاً ما ضروريٌ لكي أنجز عملاً ما ، لا يعتبر برهاناً كافياً على صحة استخدام هذا الشيء ، وأنه بالضرورة سيحقق لي ما أريد ، فلو ظن شخص ما أنه محتاج للوح خشبي حتى يقطع المحيط فلا يعني ذلك أن استخدام اللوح الخشبي لقطع المحيط صحيحٌ ، وهكذا اعتقاد لينين أن الوصول إلى الشيوعية لا يكون إلا عبر الديمقراطية البدائية لا يعتبر برهاناً على صحة هذه الرؤية - حول ثانياً : بعكس ما يذكر لينين فإن تطور الحياة وتطور العلم يعمق الفوارق بين مجالات الاختصاصات المختلفة سواء في وظائف الدولة أم في القطاعات الأخرى وكلما تطورت الحياة وتطور العلم كلما أصبح الخبراء في مجال ما جهلةً في قطاع آخر ، فشرح لينين عن إمكانية الجميع القيام بمختلف وظائف الدولة هو كلام غيبي وخيالي لا يتناسب مع الواقع إنما يستند على الرغبة بدل الوقائع العلمية .
ويبين لينين مزيداً من التفصيلات حول نظرته للحكم بعد ثورة البروليتارية ، فالهيئات التمثيلية يجب ألا تلغى إنما يجب إلغاء البرلمانية بمفهومها البرجوازي باعتبارها فصلاً للعمل التشريعي عن العمل التنفيذي " يتوجب على البرلمانيين أن يعملوا هم بأنفسهم ، أن ينفذوا قوانينهم ، أن يتحققوا بأنفسهم من نتائجها العملية ، أن يقدموا الحساب مباشرة لناخبيهم " 2

1 – المصدر السابق ، 181 - 182
2 – ص 186

وإذ يرى لينين أن الناس بما هم عليه الان لا يستطيعون الاستغناء عن الخضوع والمراقبة ، فإنه يؤكد أنه " ينبغي الخضوع للطليعة المسلحة ، لطليعة جميع المستثمَرين وجميع الشغيلة ، للبروليتارية "1 دون أن يبين العلاقة بين الطليعة المسلحة التي يجب الخضوع لها وبين الهيئات التمثيلية التي يجب عليها أن تقوم بالتشريع والتنفيذ بآن ؟ وإن كانت هي ذاتها ، فكيف يمكن للناخبين أن يحاسبوا أفرادها ويسحبوا الثقة منهم ؟ لينين لا يتحدث عن ذلك لكنه يشير إلى أن الحاجة إلى العنف المنظم ستختفي في مجتمع الشيوعية ، " لأن الناس سيعتادون مراعاة الشروط الأولية للحياة في المجتمع بدون عنف وبدون خضوع " 2 ، هنا وبدون الدخول في نقاش آليات الوصول للمجتمع الشيوعي ومرتكزاته النظرية ، يمكننا القول أن الاعتماد على اعتياد الناس هو افتراض لا يستند على معطيات وأدلة منطقية ولا تدعمه المعطيات والحقائق العلمية خاصة وأن لينين يؤكد دور العادة في اضمحلال الدولة " العادة وحدها يمكنها أن تفعل هذا الفعل ، ولا ريب في أنها ستفعله "3
وفي الحديث عن ( الحق البرجوازي ) الذي ينطوي عليه مبدأ أن كل فرد ينال لقاء قسط متساو من العمل الاجتماعي قسطاً متساوياً من المنتجات الاجتماعية ، وهو الحق الذي ينطوي على ظلم وغبن لأنه ككل حق يعتمد مقياساً متساوياً على أناس غير متساويين ، والذي يقول لينين أن ماركس قد وصفه ( بالنقص ) ، يقول لينين في هذا الخصوص " لكن لا مفر منه – الحق البرجوازي - في الطور الأول من الشيوعية ، ..... ولا وجود لأحكام غير أحكام الحق البرجوازي ، لذا تبقى الحاجة إلى دولة تصون الملكية العامة لوسائل الإنتاج ، وبذلك تصون تساوي العمل وتساوي توزيع المنتجات – أي تصون الحق البرجوازي – تضمحل الدولة ، لأنه ينعدم الرأسماليون وتنعدم الطبقات فيستحيل بالتالي قمع أية طبقة ، ولكن الدولة لا تضمحل بعد بصورة تامة ، لأنه تبقى صيانة الحق البرجوازي الذي يكرس اللامساواة الفعلية ، ولاضمحلال الدولة بصورة تامة يقتضي الأمر الشيوعية الكاملة "4


1 – المصدر السابق ( الدولة والثورة ) ص 187
2 – ص 222
3 – ص 229
4 – المصدر السابق ص 234



وخلاصة كلام لينين هنا هي التالي :
- استمرار الدولة ضروري لصيانة الحق البرجوازي
- الحق البرجوازي هذا فيه ظلم وغبن ولكن لينين هنا ينفي عن هذا الظلم أن يكون ذي صفة اجتماعية أو طبقية أو أن يكون تكريساً لاستغلال الانسان للإنسان
- الدولة تضمحل لعدم وجود الرأسماليين وانعدام الطبقات
- يعود ويؤكد في الفقرة ذاتها أن اضمحلال الدولة ليس تاماً وليكون ذلك تاماً لابد من انجاز الشيوعية كاملة
إن هذا التشوش وعدم الوضوح في كلام لينين حول الدولة واضمحلالها ، ( مرة لابد من الدولة ومرة تضمحل الدولة ومرة أخرى اضمحلالاً غير تام ) ، يعكس الصعوبات والأسئلة النظرية الملحة التي تطرحها موضوعة ديكتاتورية البروليتارية واضمحلال الدولة لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كتاب الدولة والثورة كان قبل انتصار ثورة أكتوبر ووصول الحزب الشيوعي إلى السلطة ، و وهنا يحق لنا أن نتساءل نظرياً :
إذا كانت مبررات بقاء الدولة بشكل ما قد شرحت في مرحلة الاشتراكية فما هي مبررات بقائها في مرحلة الشيوعية بحيث لا تضمحل الدولة فعلياً إلا بعد البناء الكامل للشيوعية ؟
وعن العلاقة مع الديمقراطية يعتبر لينين أن الديمقراطية هي شكل للدولة إنها استعمال العنف حيال الناس بصورة منظمة ، أما الاعتراف بحق الناس المتساوي في إدارة الدولة فهو حق ومساواة شكلية ، ويعتبر لينين أن الديمقراطية مع ذلك تلعب دوراً في رص صفوف البروليتارية ضد الرأسمالية وأن تحطم آلة القمع البرجوازية من جيش وشرطة دواوينية وتستعيض عنها بآلة دولة أكثر ديمقراطية ، ويعتبر أن تطور الرأسمالية يخلق الممهدات الضرورية لإمكانية اشتراك الجميع حقاً ، في إدارة الدولة ، هذه الممهدات التي تتمثل في انعدام الأمية وتعلم العمال وتعودهم على النظام ، وهكذا مع هذه الممهدات " يمكن كل الإمكان بعد إسقاط الرأسماليين والموظفين ، الانتقال إلى الاستعاضة عنهم حالاً ، بين عشية وضحاها ، في أمر الرقابة والانتاج والتوزيع ، في أمر حساب العمل والمنتوجات ، بالعمال المسلحين ، بالشعب المسلح كله ، ولا يجوز الخلط بين الرقابة والحساب ومسألة الملاكات ذات الثقافة العلمية من مهندسين وخبراء زراعيين وغيرهم ، فهؤلاء السادة يعملون اليوم خاضعين للرأسماليين ، وسيعملون غداً بصورة افضل خاضعين للعمال المسلحين "1
وعن إشتراك الجميع حقاً في إدارة الدولة يقول لينين " هدفنا هو أن نضمن أن كل كادح بعد أن ينهي واجباته عبر ثمان ساعات العمل المنتج ، سيقوم متطوعاً بواجبات الدولة دون أجر ، والانتقال إلى ذلك صعب للغاية ولكنه وحده هو الذي يضمن التوطيد النهائي للاشتراكية "2

1 – الدولة والثورة ، ص 239 - 240
2 -


هنا يبين لينين :
- أن الإدارة ستنقل فوراً إلى العمال المسلحين مع ملاحظة الخلط بين مصطلح العمال المسلحون والشعب المسلح
- أصحاب الكفاءات كانوا خاضعين للرأسماليين وسينتقل خضوعهم إلى العمال المسلحين ، وفي هذا أول اشارة للاستهتار بدور الكفاءات العلمية في البناء الاشتراكي ، هذه الفكرة التي سيترتب عليها الكثير فيما بعد
ويعتمد لينين كثيراً على دور العمال المسلحين في تحقيق شروط بدء الانتقال إلى الشيوعية " عندئذ يصبح التهرب من حساب الشعب ومن رقابته على التأكيد أمراً عسير المنال ، وأمراً نادراً جداً يصحبه في أغلب الظن عقاب سريع وصارم ، لأن العمال المسلحين أناس عمليون وليسوا من نوع المثقفين العاطفيين ، وعليه من المستبعد أن يسمحوا لأحد بالاستهانة بهم ، بحيث أن ضرورة مراعاة القواعد الأساسية البسيطة للحياة في كل مجتمع بشري ستتحول ، بسرعة كبيرة ، إلى عادة ، وعندئذ ينفتح على مصراعيه باب الانتقال من الطور الأول للمجتمع الشيوعي إلى طوره الأعلى "1
- إذاً العمال المسلحون هم من ينفذون الرقابة والحساب والعقاب أما المثقفون فهم عاطفيون ولا يصلحون لهذه المهمة ، وهذه إشارة مهمة تجاه موقف ديكتاتورية البروليتارية من المثقفين
- العمال المسلحون وحسابهم العسير هو من سيحوّل ضرورة مراعاة القواعد الأساسية لكل مجتمع إلى عادة . حقاً إن لينين بصفته مثقفاً يبدي هنا برهاناً عملياً على عاطفية المثقفين ، فهو يبين لنا أن المشكلة تُحَل بمجرد تحول الضرورة إلى عادة ، متناسياً ويبدو بحكم العادة ، رأيه في كيفية تشكل هذه الضرورات واختلافها من مجتمع بشري لآخر وأن ما يحكم الالتزام أو عدم الالتزام بها لن يكون أبداً العادة إنما الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعاش، وفي رده على تحذير كاوتسكي من تواجد البيروقراطية في المجتمع الاشتراكي ، يرى لينين أن التدابير التي بينها ماركس والمتعلقة بدروس كومونة باريس كافية لمنع تحول العمال والمستخدمين إلى بيروقراطيين ، وخصوصاً " قيام الجميع بوظائف المراقبة والإشراف ، إلى تحول الجميع إلى بيروقراطيين لزمن ما كي لا يستطيع أحد بسبب ذلك أن يصبح بيروقراطياً " { المرجع ، ص 249 }
ولا أدري كم تبتعد عن العاطفية عبارة : تحول الجميع إلى بيروقراطيين ؟ وكمهي واقعية فكرة مساهمة الجميع في الإدارة المباشرة لوظائف الدولة !


1 – ص 241





وفي رده على كاوتسكي ( أكتوبر 1918 ) يبين لينين بوضوح الشكل العملي لتطبيق ديكتاتورية البروليتارية ، وذلك من خلال ممثلي الطبقة العاملة ( السوفيتيات ) ، فإن كان كاوتسكي يرى أن الطبقة يمكن لها أن تمتلك السيادة ، لكن لا يمكن لها أن تحكم مباشرة ، ودعا لبقاء المنظمات العمالية منظمات كفاحية دون أن تتحول إلى منظمة دولة كي لا تطيح بالديمقراطية ، فإن لينين يرفض هذا الكلام ويؤكد أن الطبقة العاملة المنتصرة يجب أن تستلم السلطة وأن تحكم وتسيطر على الدولة من خلال ممثليها ( السوفيتيات ) وهذا ما حصل في روسيا كما يقول : " فقد سُحق الجهاز البيروقراطي سحقاً ، ولم يُترك حجر على حجر ، وطرد جميع القضاة السابقين وأطيح بالبرلمان البرجوازي ، وأعطي تمثيل أقرب بكثير إلى منال العمال والفلاحين على وجه الضبط وحلت سوفيتياتهم محل الموظفين ،

أو أن سوفيتياتهم وضعت فوق الموظفين ، وسوفيتياتهم هي التي تنخب القضاة ، وهذا الأمر وحده يكفي لكي ترى جميع الطبقات المظلومة أن سلطة السوفييت ، أي هذا الشكل من ديكتاتورية البروليتارية ، هي أكثر ديمقراطية بمليون مرة من أوفر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية "1
وفي تأكيد لينين على سلطة طليعة البروليتارية – أي الحزب الطليعي – يعتبر أن مهمة البروليتارية ليس فقط اسقاط المستثمِرين ، " بل تشيد أيضاً علاقات إجتماعية جديدة ، أرقى ، وطاعة إجتماعية جديدة ، أرقى ، هي طاعة الشغيلة الواعين المتحدين ، الذين لا يعرفون فوقهم أي نير ولا أي سلطة غير سلطة اتحادهم ، غير سلطة طليعتهم التي هي أكثر وعياً وإقداماً وتجانساً وثورية وثباتاً "2
إن المشاكل والصعوبات العملية والواقعية التي واجهت ثورة أكتوبر قد انعكست بوضوح في المستوى النظري لكتابات لينين فبينما تتحدث كتابات ماركس وانجلز وكتابات لينين المبكرة عن سقوط الطبقات وغيابها بمجرد انتصار البروليتارية وتملكها لوسائل الانتاج ، يعود لينين بعد سنتين من انتصار ثورة أكتوبر ( أكتوبر 1919 ) إلى التأكيد " أن الطبقات لا تزال باقية وستبقى في عهد ديكتاتورية البروليتارية ... إن الطبقات ما تزال باقية ولكن مظهر كل منها قد تغير في عهد ديكتاتورية البروليتارية ، كذلك قد تغيرت العلاقة بين بين الطبقات ، إن النضال الطبقي لا يزول في عهد ديكتاتورية البروليتارية بل يرتدي أشكالاً أخرى "3
وسيكون لكلام لينين حول استمرار النضال الطبقي في عهد ديكتاتورية البروليتارية إنعكاسات نظرية وتداعيات عملية على مستقبل و شكل الحكم في الاتحاد السوفييتي .

1 ، 2 المبادرة الكبرى ، من لينين ماركس انجلز الماركسية ، دار التقدم ، ص 551
3 – الاقتصاد والسياسة في عهد ديكتاتورية البروليتارية ، التحالف بين العمال والفلاحين ، ص 408

وفي دفاعه عن دور الحزب الطليعي ومهاجمته لمن يحاولون التمييز بين دور الحزب ودور الطبقة ، يوسع لينين دور البروليتارية بحيث يضاف إلى إسقاط البرجوازية وتملك وسائل الانتاج ، يضاف إلى ذلك القضاء على منتجي البضائع الصغار " فهؤلاء يحيطون بالبروليتارية من جميع الجهات بروح البرجوازية الصغيرة ، هذه الروح تسبب على الدوام عند البروليتارية تكرار النواقص الملازمة للبرجوازية الصغيرة : الميوعة ، التشتت ، الفردية "1
كل ذلك لا يتحقق إلا من خلال حزب البروليتارية السياسي الذي يتمتع بالمركزية والطاعة الشديدتين ، فمن المستحيل خوض نضال البروليتارية بنجاح من دون حزب حديدي متمرس بالنضال ، " إن من يضعف ولو لحد ضئيل نضال الطاعة الحديدي في حزب البروليتارية ( خاصة في عهد ديكتاتوريتها ) يساعد البرجوازية ضد البروليتارية "2
هنا نلاحظ أن حزب البروليتارية السياسي هو حزب واحد لاغير ، أي فهم واحد للماركسية ولطريقة تطبيق الاشتراكية ، وضمن هذا الحزب لا مكان إلا للطاعة الحديدية
ورغم حديث لينين السابق عن سحق الجهاز البيروقراطي والذي لم يبق منه حجر على حجر ، يعود للكلام في عام 1921 عن ضرورة العمل ضد البيروقراطية بطريقة تشي بأنها من ثمار جهاز الحكم الجديد ، إذ يقول " ... هذا يعني أن اللجنة المركزية كلها والحزب كله والجمهورية العمالية والفلاحية كلها ، قد اعترفت بضرورة طرح مسألة البيروقراطية والنضال ضدها ... وإننا سنصلح بعناية خاصة جميع مظاهر الشطط الضارة وغير اللازمة من البيروقراطية "3
أما ستالين فقد اعتبر أنه أضاف اكتشافاً نظرياً إلى الماركسية وهو مصطلحه الشهير عن ( تعميق الصراع الطبقي في الدولة الاشتراكية ) وذلك ضد بقايا أعداء البروليتارية الطبقيين في الداخل ، ومن خلال اكتساب الصراع الطبقي شكلاً جديداً وهو الصراع ضد الامبريالية وتدخلاتها ، ولقد أعطى هذا المصطلح لستالين أرضية فكرية لتوسيع المدى الزمني لديكتاتورية البروليتارية وإعطائها مهمات جديدة ، من خلال جهاز بيروقراطي حزبي صار فوق الدولة واختصر مفهوم ديكتاتورية الطبقة بديكتاتورية الحزب ومن ثم ديكتاتورية الفرد بل وعبادته

1 - مرض اليسارية الطفولي ، كتاب ضد الانتهازية اليمينية واليسارية ، ص 554
2 – المصدر السابق ص 555
3- عن النقابات ، ضد الانتهازية اليمينية واليسارية ، ص 683




وبغض النظر عن الخلاف مع تروتسكي حول مفهومه عن الثورة العمالية العالمية ومفهوم بناء الاشتراكية في بلد واحد ، فقد كان لتروتسكي رأياً متقدماً حول ما آلت وما يمكن أن تؤول إليه الأمور مع تجذر بيروقراطية الدولة والحزب في الدولة السوفييتية الناشئة :

" البيروقراطية السوفياتية قد صادرت البروليتارية سياسيا لتدافع بأساليبها الخاصة عن المكاسب الاجتماعية للبروليتارية. لكن استيلائها على السلطة في بلد تتملك فيه الدولة أهم وسائل الإنتاج قد نسج بينها وبين ثروات الأمة علاقات جديدة كل الجدة. فوسائل الإنتاج تعود إلى الدولة. والدولة "تعود" بشكل ما إلى البيروقراطية. وإذا استقرت هذه العلاقات (التي هي علاقات حديثة) وإذا ما أضحت شرعية وطبيعية دون مقاومة أو ضد مقاومة الشغيلة فإنها ستنتهي، على المدى البعيد، بالقضاء نهائيا على مكاسب الثورة البروليتارية. لكن الحديث عن هذه الفرضية ما يزال سابقا لأوانه. فالبروليتارية لم تقل بعد كلمتها الأخيرة ولم تخلق البيروقراطية إلى حد الآن قاعدة اجتماعية لتسلطها بشكل شروط خاصة للتملك. إنها ملزمة بالدفاع عن ملكية الدولة التي هي منبع سلطتها ومداخيلها، و عبر هذا المظهر من مظاهر نشاطها، ما تزال أداة لديكتاتورية البروليتاريا.»1
وبعد أن يتحدث تروتسكي عن احتمال قيام حزب ثوري ماركسي بتحطيم البناء البيروقراطي أو احتمال قيام ثورة برجوازية مضادة ، ينتقل إلى الاحتمال الثالث وهي بقاء الأمور على ما هي عليه ، إذ يقول :
« ثم لنضع فرضية ثالثة فنفترض انه لا الحزب الثوري ولا الحزب المعادي للثورة تمكن من الاستيلاء على السلطة، واستمرت البيروقراطية على رأس الدولة. حتى في ظل هذه الشروط لن يتوقف تطور العلاقات الاجتماعية. لا يمكننا أن ننتظر من البيروقراطية أن تتنازل بشكل ودي وسلمي لصالح المساواة الاجتماعية. فهي منذ الآن قد أعادت الرتب والأوسمة بالرغم من مساوئها. و يتوجب عليها أن تفتش عن الدعم في علاقات الملكية فيما بعد بصورة لا يمكن تجنبها ، فلا يكفي أن يكون البيروقراطي مديرا للتروست بل ينبغي أن يكون مساهما أيضا. إن انتصار البيروقراطية في هذا القطاع الحاسم يجعلها طبقة مالكة جديدة. »2.
حقاً لقد تحولت البيروقراطية إلى طبقة حاكمة جديدة ، صحيح أنها لا تمتلك وسائل الانتاج بأوراق طابو رسمية لكنها تسيطر عليها وتديرها وتتصرف بإنتاجها دونما رقيب أو حسيب لأن من يحاسبها ستضعه في موقع المعادي للبروليتارية وللاشتراكية ، فهي في المحصلة تمتلك وسائل الانتاج والسلطة ، وحسب المفهوم الماركسي ذاته فإن من يملك وسائل الانتاج يملك السيطرة والسيادة ويفرض قوانينه وقيمه وأخلاقه على المجتمع ، لقد نشأت مع ( الطبقة

1 - من الأنترنيت ، عن تروتسكي ، الثورة المغدورة، الصفحة 249-
2 – المصدر السابق ص 252 ، 254

الجديدة ) علاقات إجتماعية وإنتاجية جديدة ، واستطاعت هذه الطبقة من ايجاد الأقلام والمثقفين الذين يبررون لها ما تفعل ويوفرون لها الغطاء النظري وفقاً للماركسية من وجهة نظرهم
فبعد أن كان قيام الجميع بوظائف المراقبة والاشراف وتحول الجميع إلى بيروقراطيين ، من أهم ضمانات عدم نشوء البيروقراطية في المجتمع الاشتراكي ، فها هو ( بوريس ستراشون ) يؤكد أن الهيئات التمثيلية هي التي تنفذ إرادة الشعب ، وتحقق مصلحته دون أن ينسى الفكرة الأهم في هذا الموضوع وهي أن الهيئات التمثيلية تلك هي الأقدر على معرفة مصلحة الشعب من الشعب نفسه ، يقول ستراشون في هذا السياق : " لكن لا يجوز أن ننسى أن الإرادة والمصلحة ليسا شيئاً واحداً ، وفي أغلب الأحيان تتخذ الهيئة التمثيلية قرارات في مسائل لا تمتلك أغلبية السكان أية فكرة عنها ، أو على الأقل لم تبدِ رأيها فيها ، وفي هذه الحال تكون الهيئة التمثيلية هي نفسها المعبرة عن إرادة الشعب ، إن الإرادة تشترطها المصلحة ، والمصلحة تكون حقيقية حين تكون الحاجة قد أدركت إدراكاً صحيحاً ، وقد تكون كاذبة حين تنعكس الحاجة في وعي الانسان انعكاساً خاطئاً ، ومن الطبيعي أن تستتبع المصلحة الكاذبة تعبيراً كاذباً عن الإرادة "1
بعيداً عن المناقشة النظرية والفلسفية للعلاقة بين المصلحة والحاجة وانعكاس الأخيرة في الوعي ، فإن ما يهمنا في هذا الكلام أن ستراشون يقرر أن الهيئات التمثيلية هي من يعرف مصلحة الشعب أكثر منه نفسه ، هذه الفكرة تضرب أهم مبدأ من مبادئ ديكتاتورية البروليتارية وفق كومونة باريس ، وهو مبدأ سحب الناخبين لممثليهم ، فكيف للناخبين أن يسحبوا الثقة ممن هو العارف بمصلحتهم أكثر منهم ؟؟
أما مبدأ أن يتسنى للعامل أن يشارك في إدارة الدولة بعد أن ينجز واجبه في ثمان ساعات عمل ، فيستغله ستراشون ويقرر أنه طالما أن العمال لا يستطيعون المثابرة على دورهم في الادارة وفي البرلمان بحكم أنهم غير متفرغين ، فإن هيئات أضيق هي من يتابع العمل في فترات الانقطاع ، " حيث أن البرلمانات الاشتراكية لا تتألف من برلمانيين متفرغين فإنها لا يمكنها أن تعمل بلا انقطاع على مدار العام ،...... ومن ثم تقطع بين دورات اجتماع البرلمان فترات انقطاع طويلة ، تمارس فيها الكثير من صلاحياتها هيئات أضيق "2
إن عدم تمكن البرلمانيين غير المتفرغين على الانتظام في أعمال البرلمان لم تكن سبباً لدراسة الطرق التي تؤدي لتمثيلٍ شعبي أكثر دقة يتجاوز عدم واقعية الأساس النظري لهذه الفكرة ، بل كانت ذريعة لإعطاء المهمة والصلاحيات لهيئات أضيق ، ودون أن يخبرنا ما هي هذه الهيئات الأضيق وكيف تتشكل ، فقد أصبح لدينا السلسلة التالية :

..............................................................................................

1 -رفعت سعيد ، ماركسية المستقبل ، ص 48 سترا شون ، التمثيل الشعبي الاشتراكي
2 – المصدر السابق ص 49

هيئة تمثيلية هي البرلمان تعرف مصلحة الناخبين أكثر منهم ، هذه الهيئة تعطي بل تتخلى عن صلاحياتها إلى هيئة أضيق وبالتالي هذه الهيئة الأضيق تعرف مصلحة البرلمان أكثر منه ومن ثم تعرف مصلحة الشعب أكثر منه أيضاً ، وإذا علمنا أن حزب البروليتارية السياسي هو طليعتها وقائدها وقائد كل الشغيلة وعموم الشعب ، فإن هذه الهيئة الأضيق لا بد أن تكون من هذا الحزب الطليعي ، وهي بدورها تدين بالطاعة الحديدية لقيادة الحزب ، فنكون قد عدنا إلى نقطة البداية ، وهي أن قيادة الحزب تعرف مصلحة الشعب أكثر منه نفسه ، وهنا يستنتج المرء بسهولة عدم الحاجة إلى مسرحية الانتخاب والتمثيل الشعبي المزعوم ، وهذا الاستنتاج ليس من صنع الخيال ولا من ضغط التشاؤم ، فها هو ستراشون يصيغه بعباراته الخاصة :
أولاً الحزب هو طليعة الشعب بأسره " بما أن الحزب الشيوعي هو طليعة الطبقة الأكثر تقدماً ، فإنه في الوقت نفسه طليعة جميع الشغيلة ، وهذا يعني أن المصالح الجذرية للطبقة العاملة تتطابق مع المصالح الاجتماعية الجذرية لسائر الشغيلة ، وأن الحزب الشيوعي يعبر ويدافع في المقام الأول عن هذه المصالح على وجه التحديد ، ولهذا السبب يصبح الحزب الشيوعي طليعة الشعب بأسره "1
ثانياً الإنتخابات يجب أن تؤدي إلى انتخاب ممثلي الشعب الكادح " إن انتخابات الهيئات التمثيلية تؤدي قبل كل شئ في ظل الدولة الاشتراكية مهمة ضمان تحقيق الأغلبية لممثلي الشعب الكادح " 2
وباعتبار أن الحزب هو طليعة الشعب الكادح ، فإن الانتخابات مهمتها تحقيق أغلبية لممثلي الحزب في الهيئات التمثيلية تلك تطورت الأمور بهذا الاتجاه ووصلت إلى مرحلة الديكتاتورية المطلقة ، بعيداً عن أي انجاز حقيقي على مستوى العدالة الاجتماعية ، إذ نشأت طبقة جديدة تتنعم بخيرات الدولة وتتسلح بشعارات الاشتراكية وبمصلحة البروليتارية والشغيلة من أجل قمع منتقديها ، فبعد أن كان مبدأ ديكتاتورية البروليتارية في كومونة باريس ، أن يتقاضى شاغلي الوظائف القيادية الإدارية أجرة عامل فقط ، وهو المبدأ الذي عاد وأكد عليه لينين في أكثر من مناسبة ، فقد أصبح كل مسؤول رسمي أو حزبي يتقاضى أضعافاً مضاعفة مما يتقاضاه العامل ، بل أصبح لهؤلاء مرافقهم الخاصة وأماكن ترفيه ومستشفيات خاصة بهم ، وأكثر من ذلك فقد ناءت كواهلهم بحمل النياشين والأوسمة التكريمية ، إن كل هذا يمكن أن يفسر لنا شيئاً من الاحباط المبكر عند الشاعر ماياكوفسكي الذي وُصف يوماً بشاعر الثورة ، فها هو يعبر عن بعض هذا الاحباط في وصفه للبيروقراطية وانفصال جهاز الدولة عن مصالح الناس في قصيدة "عشاق الاجتماعات" قائلاً :
حينَ يبدأُ الليلُ بالتلوُّنِ قليلاً مع الفجر
أرى الناسَ كلَّ يومٍ وهم يدخلونَ إلى المكاتب .

.................................................................................................
1 – المصدر السابق ص 56
2 – المصدر السابق ص 58
مِنَ الإدارة
ومن الوِزارَة
من إلى المجلس
ومن إلى الدائِرة
يسكبونَ مطرَ الأعمالِ الورقية

ألا يستطيعون اللقاءَ معي ؟
إنني أترددُ إلى هنا منذُ زمنٍ بعيد
الرفيق ايفان ايفانوفيتش ذهبَ ليجتمعَ
معَ وحدةِ قسمِ المسرح ..
معَ فرعِ خيلِ المعامل
وتعبرُ مائةَ درج
كارهاً الزمن
ومرةً :
قالوا أن تأتيَ خلالَ ساعةٍ فهم يجتمعونَ
لمناقشةِ زجاجاتِ الحبرِ ، والجمعيةَ
التعاونيةَ للقضاء
وخلالَ ساعة
لا يوجدُ حتى سكرتيرٌ أو سكرتيرة
كلُّ شيءٍ خالٍ هنا
إذ كلُّ من هم دونَ سنِّ الثانيةِ والعشرين
قد ذهبوا أيضاً إلى اجتماعِ الكومسومول

هل جاءَ الرفيق ايفان ايفانوفيتش ؟
إنَّه في اجتماعِ لجنةِ ، ب، ف، ك،يّ، ج، زّ،
وأدخلُ غاضباً إلى الاجتماعِ – بسرعةٍ وقوة –
هاتفاً من أعماقي عبرَ الدرب :
أيها الملاعين المتوحشون
وأرى أنصافَ الناسِ وهم جلوس
يا للشيطان
أينَ نصفُهم الآخر ؟

فاسمعُ صوتَ السكرتير الهادئ
إنهم الآنَ يحضرونَ اجتماعَين بآنٍ معا ..
في اليومِ الواحدِ علينا
أن نلحقَ عشرينَ اجتماعا
ولذا نَجِدُ أنفسَنا مجبَرين أن ننقسم
من الرأسِ حتى الخصرِ هنا
والباقي هناك
يضنيكَ القلقُ فلا تغفو
وقبيلَ الصبح
تستقبلُ الشروقَ المبكرَ بالحلم :
لو يُنظَّمُ اجتماعٌ يبحثُ
شلعَ جذورِ جميعِ الاجتماعات



خلاصة واستنتاجات شخصية


- طرحت فكرة ديكتاتورية البروليتارية في البيان الشيوعي باعتبارها الآلية التي تُأمِن انتصار ثورة الطبقة العاملة ، وتتيح لها بناء مجتمع العدالة الاجتماعية ، مجتمع الاشتراكية والشيوعية ، وديكتاتورية البروليتارية بهذا المعنى مبررة ومشروعة نظرياً وعملياً ، فكل الثورات اعتمدت اسلوب القوة لتنتصر وتثبت أقدامها وتحقق أهدافها
- لكن ديكتاتورية البروليتارية لم تبق وسيلة انتصار بقدر ما تحولت لتصبح طريقة حكم وشكل دولة ، وفي هذا الإطار يبرز عدم الوضوح في تفاصيل هذا المفهوم وطريقة تطبيقه في البيان الشيوعي
- جاءت كومونة باريس لتكون أول تجربة عملية ، ورغم انتقادات ماركس وانجلز لبعض سلوكيات الكومونة ، فقد تبنايا إجراءاتها باعتبارها التجسيد العملي لديكتاتورية البروليتارية ، لكن قصر عمر كومونة باريس لم يتح الفرصة لوضع هذه الاجراءات العملية أمام تحديات الواقع ، لمراجعتها من الناحية النظرية ، وهكذا بقي المفهوم عمومياً ودون وضوح حقيقي في طريقة التطبيق وفي طريقة بناء المجتمع الاشتراكي
- هنا لا بد من الاشارة إلى أن المأزق النظري لديكتاتورية البروليتارية خصوصاً والفكرة الاشتراكية عموماً ، تتلخص في أنها بعكس التشكيلات الاجتماعية السابقة ( الاقطاعية ، الرأسمالية ) والتي كانت فيها علاقات الانتاج تتكون أولاً ضمن المجتمع القائم ثم تعبر عن نفسها في سلطة سياسية طبقية ، فإن الاشتراكية تبدأ بسلطة سياسية طبقية تعمل على بناء علاقات انتاج جديدة ، وبتعابير فلسفية ماركسية : في التشكيلات الاجتماعية السابقة يأتي المستوى الفوقي ليعبر عن مستوى أو بناء تحتي موجود أصلاً ، بينما في الاشتراكية يقوم البناء الفوقي بخلق مستوى أو بناء تحتياً مطلوباً ، ومن هنا فإن أي إجراء تقوم به السلطة السياسية الاشتراكية – مع افتراض حسن النية – يتضمن احتمالي الصح أو الخطأ في مدى تأثيره على السير نحو هدف العدالة الاجتماعية
- لقد كان لثورتي 1905 – 1917 أثرٌ حاسمٌ فيما أضافه لينين على مفهوم ديكتاتورية البروليتارية ، فقد استند على ما كتبه ماركس وانجلز في هذا المجال بطريقتين ، فهو من جهة يتمسك بالنصوص ليصف خصومه ومعارضي أفكاره بالردة عن الماركسية ، ومن جهة ثانية يستند على النصوص ليبرر التجديد والتطوير في الفكر والنظرية ، فقد ابتدأ عام 1905 بمفهوم " الديكتاتورية الديمقراطية الثورية " والتي تمثل العمال والبرجوازية الديمقراطية ، وكذلك مفهوم " ديكتاتورية البروليتارية والفلحين الديمقراطية الثورية " لينتقل بعدها إلى تجاوز هذا المصطلح ، ويرسخ مفهوم ديكتاتورية البروليتارية الخالصة ، ويطرح بإصرار بالغ تغيير اسم الحزب من حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي إلى الحزب الشيوعي ، مشيراً إلى تغير الظروف التي دفعت ماركس وانجلز إلى الرضوخ لمصطلح الاشتراكية – الديمقراطية ، الانتهازي
- لقد بقي عدم الوضوح بيناً في دور البروليتارية بعد انتصار الثورة الاشتراكية ، وكذلك لم يكن واضحاً دور الدولة وطريقة اضمحلالها وزمن اضمحلالها ، فنرى لينين يعتمد على نصوص ماركس وانجلز ليبين بدء اضمحلال الدولة مع تملك الدولة لوسائل الانتاج باسم البروليتارية ، ومن جهة ثانية يعطي الدولة دوراً مهماً في البناء الاشتراكي ، ويتحدث عن مرحلة تاريخية كاملة تكون فيها ديكتاتورية البروليتارية ضرورية
- لم تخرج كتابات لينين من المأزق النظري الآخر وهو سيرورة وآليات اضمحلال الدولة ، فهو يعتمد في جزء من هذه الآليات على التقدم العلمي الذي تحققه الرأسمالية وزوال الحاجة لتقسيم العمل وبالتالي تصبح وظائف الدولة متاحة للجميع ، وهذا ما يعمل التطور العلمي عكسه تماماً ، ومن جهة ثانية يعتبر أن تعود الناس على احترام النظام هو الضمانة والمقياس لعدم الحاجة لوجود الدولة ، وهذا تصور فيه كل الغائية والغيبية ، دون أي أدلة نظرية أو عملية
- مع عدم إنكار المحتوى الاقتصادي والاجتماعي للدولة والذي يكرس سيادة ونفوذ طبقة من الطبقات ، ويؤمن لها تشريع وقانونية نشاطاتها الاقتصادية ، فإن اختصار دور الدولة وتعريفها في أنها أداة قمع طبقية ، فيه تبسيط شديد ، فللدولة أدوار عديدة غير هذا الدور ، كما أن تطور الحياة يعطيها أدواراً جديدة في كل مرحلة من المراحل
- مع انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية ، وجدت اتجاهات فكرية متعددة حول طريقة تطبيق ديكتاتورية البروليتارية ، وطريقة الحكم الاشتراكي ، وقد انتصر الاتجاه الذي قاده لينين ، والمتمثل في الهيئات التمثيلية للعمال ( السوفيتيات ) ، أضيف إليها دور الحزب الطليعي بنظام طاعة حديدي ، وفي سيرورة تراكمية وُجِد جهازٌ بيروقراطي يسيطر على الدولة ويتحكم بوسائل الانتاج ، مما حوله لطبقة جديدة خلقت علاقات اجتماعية وانتاجية جديدة تناسبها ، متسلحة بالسلطة لقمع معارضيها ومتسترة بالفكر لتبرير مشروعيتها ، ومما يدل على أنها طبقة حقيقة ذات مصالح اقتصادية واضحة ، أن شخصيات كبيرة من مسؤولي الدولة والحزب لم يحتاجوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلا إلى تغيير عباءتهم السياسية دون الحاجة لتغيير أي شئ آخر من علاقاتهم الاقتصادية ، فظهروا في مواقع المسؤولية في النظام الجديد أيضاً ، ذلك يعني أن النظام الاقتصادي الجديد كان موجوداً لكن بعنوان اشتراكي ن ولم يتطلب الأمر من هؤلاء سوى تغيير العنوان ، ما يهمنا هنا أن ديكتاتورية البروليتارية لم تثبت بأسسها النظرية التقليدية وبالشكل الذي طبقت به ، أنها ضمانة للطبقة العاملة في بناء العدالة الاجتماعية ، بل أثبتت فعاليتها في قمع الطبقة العاملة وباقي فئات الشعب لصالح طبقة جديدة متسلطة
وأخيراً أقول إن فكرة العدالة الاجتماعية ، فكرة نبيلة ، والنضال من أجلها يبقى نضالاً شريفاً يستحق التضحيات ، لكن نبل الهدف وسمو المبادئ لا يجوز أن يكبل المناضلين ضمن نصوص محددة وتجاهل الواقع والقفز فوق الاخفاقات وانكارها بحجج وتبريرات لا تعكس سوى الضعف والخواء ، في حالة أشبه ما تكون للسلفية السياسية والفكرية . وفي إشارة سريعة تزيل غرابة استعمالي لتعبير السلفية السياسية والفكرية ، أورد رأياً صادماً في كتاب ( بائعو الاشتراكية ) تأليف ( روجر كيراز – توماس كِنِّي ) والصادر عام 2014 ، فيقول في تفسيره لانهيار الاتحاد السوفييتي ، وعدم دفاع الطبقة العاملة عن مكاسبها إن كانت حقاً تتنعم بمكاسب الاشتراكية :
{ الموقف السلبي للمواطنين السوفييت والطبقة العاملة والشيوعيين ،كان بسبب التضليل وإخفاء الحقائق ، والحرب النفسية والإعلامية وانعدام الأخلاق لدى أنصار غورباتشوف تمهيداً لتدمير الاشتراكية وإعادة النظام الرأسمالي ، وبذلك كانت أضخم حركة احتيالية يشهدها التاريخ . } ( ص 260 ) وفي مكان آخر يقول الكتاب { عندما استلم غورباتشوف السلطة عام 1985 ، لم تكن البلاد تعاني من أية مشاكل جدية ، ولم يكن يوجد استياء شعبي ظاهر ..... والغالبية العظمى من الشعب السوفييتي لم تعبر عن استيائها من الوضع أو الحالة العامة في البلاد ،وإن التقييم الايجابي للمواطنين السوفييت كان مشابهاً لنظرائهم الأمريكيين عموماً تجاه بلدهم } ( ص 234 – 235 )
لا يوجد في الكلام الأخير من صدق سوى تعبيري : لم يكن يوجد استياء ظاهر ... لم تعبر عن استيائها ، ذلك أن إظهار الإستياء كان ممنوعاً ، والتعبير عنه كان جريمة لا تغتفر ، فها هو الكتاب نفسه يقول : { في الحقيقة هناك براهين لا يمكن دحضها على وجود علاقة بين قسم من أوائل الذين يكيلون النقد وبين جهات خارجية معادية للاشتراكية } فهل يوجد أوضح من هذا الكلام مثالاً على السلفية ، خاصة عندما نقرأ في الكتاب ذاته ما يشير إلى أن السياسة الصحيحة الحقيقية لم تكن إلا سياسة ستالين
من هنا تبرز أهمية تطوير الفكر وتطوير الذات والخروج من القيود الفكرية والتنظيمية الجامدة



#أسعد_منذر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295


المزيد.....




- ما هي أجمل الأماكن السياحية في البحرين؟
- بالأبيض والأسود..مصورة تكشف عن الجمال الخفي لتراث الإمارات
- أول تعليقين من أبو مازن و-حماس- على عزم أيرلندا والنرويج وإس ...
- فيديو: أحد الركاب يروي تفاصيل مرعبة لهبوط الطائرة السنغافوري ...
- فتاة غامضة وساحرة -تخطف- قلب مبابي في رمشة عين!
- تفاعل كبير مع مقتنيات مكتب ولي العهد السعودي ظهرت خلال اتصال ...
- -بوليتيكو-: جمهوريون يتهمون البيت الأبيض بإرسال الأسلحة إلى ...
- إنجاز رائد.. إنشاء أول دماغ صغير في العالم مزود بحاجز دموي د ...
- أموال محشوة في أحذية.. نشر صور لما عثر عليه بمنزل سيناتور أم ...
- ما هي دول الاتحاد الأوروبي التي اعترفت بدولة فلسطين ومتى قام ...


المزيد.....

- ورقات من دفاتر ناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- ورقات من دفترناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي
- جريدة طريق الثورة، العدد 72، سبتمبر-أكتوبر 2022 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 73، أفريل-ماي 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 74، جوان-جويلية 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 75، أوت-سبتمبر 2023 / حزب الكادحين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أسعد منذر - ديكتاتورية البروليتاريا بين الطموح النبيل والواقع المرير