أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار نورعلي - ديوان (ثلاث روايات)















المزيد.....



ديوان (ثلاث روايات)


عبد الستار نورعلي
شاعر وكاتب وناقد ومترجم

(Abdulsattar Noorali)


الحوار المتمدن-العدد: 7553 - 2023 / 3 / 17 - 00:05
المحور: الادب والفن
    


ثلاث روايات
صدر عن شبكة أغاريد الأدبية للنشر والتوثيق
الكتاب : ثلاث روايات
المؤلف : الناقد عبد الستار نورعلي
الصنف : شعر
الطبعة :الأولى الألكترونية
سنة 2022
..................................
النا شر: شبكة أغاريد
(للنشر الألكتروني)
تصميم الغلاف - أ. سامية خليفة - لبنان
اللوحة - الرسام نضال خويص - سوريا
...................................
جميع الحقوق محفوظة
لا يسمح بإصدار هذا الكتاب او جزء منه او تخزينه في نطاق
إستعادة معلومات او نقله بأي شكل من الأشكال دون إذن خطي
مسبق من الناشر أو المؤلف -إلا بحالة توثيق إسم الكاتب مع
المصدر .

الإهداء

الى أيقونة الأدب والعطاء
(فاطمة منصور)
التي كانت وراء هذا الإصدار والسابق
"يحيى السماويّ بين الامتداد والأسطورة"
بجهدها ومتابعتها معي وحرصها
والى كادر "شبكة أغاريد للنشر والتوثيق"
أتقدم بشكري اللامحدود معطراً
برحيق المحبة والامتنان.
شكراً لكم على ما غمرتموني من حبٍّ وعطاءٍ وتكريم.






المسرح

أكتبُ كي أحيا،
أشمُّ صفحةَ الهواءِ،
والغبارِ والمطرْ،
أناولُ البشرْ
يدي التي من جسدِ الشجرْ،
أفتحُ ما في الروحِ من بوابةِ البَصَرْ،

أكتبُ كي أهديَ للكبير صوتَهُ،
وللصغيرِ لعبةً
منْ كلِّ ما في اصبعي
منْ ثمرِ القمرْ،
نوراً، وحبّاً، صحبةً
لنبض كلِّ ذرةٍ في التربِ والنهَرْ،

أكتبُ ما في سيرتي،
تاريخَها،
سطورُها نبعٌ ووردٌ،
هجرةٌ،
بحثٌ،
ونحتٌ في الحَجرْ،

حملْتُ فوق الكتفِ الأحلامَ والآلامَ
والطريقَ والسهرْ،
حملْتُ ما في سيرةِ الكونِ
وفي ملحمةِ البشرْ،

الفرحُ الموعودُ ضوءٌ باهتٌ
في آخر النفقْ،
يهبطُ ليلاً ...
قطرةً .... فقطرةً ...
والحزنُ صوتٌ هادرٌ
لا ينحسِرْ،
زكائباً.... زكائباً.....
كالغيثِ ينهمِرْ،

أكتبُ كي أقدِّمَ الوجبةَ للجائعِ
والضائعِ
والضالعِ
في قَدْحِ الشّرّرْ،
أهزُّ هذا العالمَ الغائبَ
عنْ وعي الخطرْ،
لربما استقبلني الجمهورُ
في المسرحِ بالتصفيقِ ،
والتهليلِ، والزَهَرْ،
أو ربما..
أمطرَ فوق أحرفي الحَجَرْ،

إنَّ الحياةَ مسرحٌ،
والنصَّ ملهاةٌ
بإخراجِ البشرْ.


السقوط في أرض الموت

يمتدُّ الحزنُ على وجهي
أسلاكاً شائكةً
تغرزُ في قلبي الأمواتْ.
ياكلَّ الأحزانِ الكبرى،
قلبي ماتْ!

في رابيةِ الأشواقِ
زرعْتُ ابي
سيفاً، مثلوماً، موهونا
لايحملُ أحزانَ الماضينَ
ولا الآتينَ
ولا ابناءِ الأسوارِ،
وينامُ على
صوتِ الناي الحالمِ
بالأنهارِ
بالأزهارِ
بالفجرِ الناعسِ في
أرضِ الأمواتْ.

في وادي الأمواتْ
ألقيتُ رحالَ الأصواتْ
وزرعْتُ الحبَّ سنابلَ
روَّيتُ الجذرَ قلوباً
وجداولَ
مِنْ دمعِ القمرِ الغارقِ
في صمتِ الأشياءْ
مِنْ شوقِ الساقطِ
في عُري الأيدي
مِنْ حزنِ حفاةِ الأوطانْ
منْ أشواقي.

لم أحصدْ
غيرَ الجوعِ النابتِ
في عينِ الأحياءْ.

يا كلَّ الأحزانِ الكبرى!
صوتي يترى،
يتراقصُ في قاعِ الأسرى،
يتلوّى....
فتجفُّ الأصداءْ.

كلُّ الأشياءِ سواقٍ
تنبعُ منْ حزنِ البلدانْ
تجري في سُوحِ الأزمانْ
فتصبُّ
في قلبي

1971




الرحلـة...

في مهرجانِ البحثِ
في أزمنةِ الكرِّ
صدى السيولِ
والخيولُ مُلجَماتْ.

تتساقطُ الخطواتُ،
تُختصَرُ المسافاتُ،
وتبقى نجمةُ العشاقِ واحدةً،
وينبوعُ العطاشى
في صحارى الشوقِ واحدةً،
وشمسُ الكونِ واحدةً ،
وأنتَ على خيوطِ الشمسِ
سطرٌ
في كتابِ الزاحفينْ.

تتناثرُ الحباتُ
منْ شجر اللآلئ
في جنانكَ،
والعيونُ توثبٌ
في إثر خيلكَ،
دهشةٌ،
وصبابةٌ،
ترقى...
وترقى...
والخطى سحبٌ
ورعدٌ
وانتظارْ.

في انتظار القادمِ الآتي
على أصداء لحنكِ
نامتِ الأعينُ والألسنُ والأيدي،
وكانتْ يقظةُ الغافي
بعينٍ واحدةْ.

أتصوغُ هذا اليومَ ملحمةً،
وتُطفئها غداً،
فتروحُ تذبح خطوكَ،
وتنامُ فوق فراش حرفكَ،
تستبيحُ صدى الأناجيل التي مرّتْ
على موجِ المرايا
والسبايا
والشظايا
في زمانِ المذبحةْ؟!

إنَّها الرحلةُ بين القمةِ العليا
وبين السفحٍ،
بين الشجر الطالع في الأنهرِ
والطالعِ في الصحراءِ،
بين اللونِ واللونِ
وموتِ اللونِ.

إنها الهجرةُ من مزرعةِ الوردِ،
إلى مزرعةِ الشوكِ،
ومن ساقيةِ الفردوس
صوبَ الأمنياتِ الغائبةْ.

أيُّها الطيرُ المهاجرْ
فوق دفء المطر الهاطلِ
في العين
وبين الغيمِ ساهرْ،
إنَّنا في مهرجانِ الهجرِ
في أزمنة الفرِّ سقطنا
في انحباس الصوتِ،
أوققنا المراجلَ،
ثمَّ نمْنا
بينَ أصداء الحروفْ

1977


الرواية الأولى

وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني
وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا
نحو هاجرة الهوى، رُحتُ أصلّي
أرفعُ الراياتِ للعباس ، أستجلي
رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيةْ،
رميتُ شِباكَ شوقي، اصطدْتُ ريحاً،
صرتُ أحصدُها،
مررْتُ أناملي فيها،
تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً
في عِرقِ أمنيةٍ سرابيةْ،

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،
صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ ،

أتلك روايتي ؟
قالوا : نعم!
ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً،
وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها،

فهامَ الفارسُ الغافي
على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ،
ويحكي قصةَ الإنسانِ في حبِّ المرايا،
يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ،
فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ،
منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ،

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ، تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي، وتختفي في أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح،
أينَ دمُهُ ؟
الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً،
يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب،

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،
يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوةْ،
يذوبُ الصوتُ في وَهَجِ التراتيلِ
تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ
وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ
عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،
عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،
تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ
تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليةْ:
عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً
غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى
إلى أرض المواعيدِ،
فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى، وغنوا جوقةً،
عادوا هياكلَ ترتوي طينا،
وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى،

ايا آدمْ،
سليلَ الطينِ، يأكلُ نسلُكَ الطينا،
أيا آدمْ،
لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ،
وأشبعتْ السلالاتِ
بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ،
أيا سُحُباً، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ
في عينيكَ، ياحبّي، ويا سهري،
هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ،
وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ،

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

وتلكَ روايتي!
قالوا : صدقْتَ.

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور ، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً، ليضيع في متاهات المرئيِّ .

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي
أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ
فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي
وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ
وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً،
فيا حواءُ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ،
تعوّدْتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ،
ومنْ وترِ الأضاليلِ،
رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا،
رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا،
تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ ،
وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً، وتحتلمين بالبدرِ،
فلا كانتْ رياحُ العشقِ، لا كانتْ، ولا بقيتْ،
فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها
فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً ،
تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ،
وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ، صمتٌ
على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوةْ،
وهذا اسمُكَ، يا آدمُ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ
في جبلِ الطحالبِ، في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ،
وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ
لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ،
وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ،
وفي سِفرِ الرسالاتِ،

أيا صوتَ الرغائبِ،
تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ
تروي ظلَّنا صمتاً
يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ،

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ، ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ العرَقُ في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ؛
طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوةْ؛
رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ
منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصةْ
وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ،
تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ،
أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ،
رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ،
وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ ،
فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ،
وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،
أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي،
وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا،
ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي
وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ
لا لونٌ ولا أُطُرُ،
فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ،
وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ،
فقالوا، ثم زادوا :
آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ،
هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ،
جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ،
وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...
1971
الرواية الثانية

سقطَ الهوى
في قعر رغبتنا البليدةْ،
وتراجعتْ لغةُ الموداتِ العنيدةْ،

بقي الحنينُ على العيونِ تدفقاً
يروي حكاياتٍ شريدةْ.

يا مهجةَ الصبِّ المولّعِ
بالرواياتِ الطريدةْ،
قالوا وعادوا:
تلكَ ملحمةُ التواريخِ الشهيدةْ.

وقفتْ سماءُ الركبِ تنظرُ
صورةَ الوثنِ المُفدّى
والمتوّجِ بالأكاليلِ الزهيدةْ.

صوتُ المواسمِ في التهامِ الصمتِ ،
نشوةُ لمس آثار الأحاديث التي مرّتْ، ومرّتْ
بالسلاطينِ الأوائلِ والأواخرِ
تشربُ العسلَ المُصفّى
من أناملِ سائقي لغةِ القصائدِ
والرسائلِ والمقاماتِ الرشيدةْ!

نامَ الحنينُ على سفوحِ تولُّعِ الصيادِ
يصطادُ السواحلَ
في محيطاتِ النقائضِ
حيثُ ساريةُ البيارقِ تعتلي
سفنَ العيونِ
وينتضي القبطانُ سيفَ المذبحةْ.

1972



الرواية الثالثة

أقِمِ اليومَ على الجُـرْفِ،
ولا تقفزْ إلى الموجِ،
فتُسقَى منْ صديدِ الغورِ،
إيّـاكَ!
فإنَّ الخازنَ الموقوتَ
في البرجِ على البندولِ
قد أشرفَ أنْ يُشرعَ بابَ العرشِ
في وادي المنونْ.

قد حملْتَ الجرحَ أياماً، سنيناً،
ولقد أحسنتَ في البحرِ الظنونْ.

كانَ ريحاً صرصراً
مِـنْ رَجْـعِ ذاكَ القادمِ الموعودِ
مِـنْ خلفِ ضبابٍ في العيونْ.

وسفينُ الرحلةِ الحاملُ
منْ كلِّ فجاجِ الفمِ
ألواناً من الأحرفِ،
أسفاراً من الألواحِ
منْ غيرِ أسانيدِ رواةِ الدربِ،
أو رَجْـعِ السنينْ،

فثمودٌ نحرَتْ ناقتَها
عند رمالِ البيدِ،
والصالحُ في الوادي غريبٌ،
وأنا في يدهِ قنديلُهُ نارٌ ونورٌ،
والسرابُ اجتاحَ وادينا،
فأطفأتُ ثيابي عندَ رجليَّ،
ارتديْتُ الماءَ ؛
علَّ الحرفَ فوق الجسدِ المكدودِ
يهديني سواءَ البحرِ
أو عصفَ الحنينْ.

ولقد تهْـتُ،
أقاموا حفلةَ الإطفاءِ في بابي،
أنا المكدودُ يا ربِّي،
أنا المقدودُ، أنجدْني،
فصوتُ الحَـلْـقِ قد أوقفَ بثَّ الصوتِ
عند السدرةِ الكبرى،
فهلْ أيديكُـمُ طالتْ!
ونافذتي على الوادي انتظارٌ،
سُـحُـبٌ تسرعُ
صوبَ الغرفةِ المنزوعةِ الجدرانِ.
هذي عادُ قد عادتْ
إلى سالفِ عهدِ الكتبِ المحروقةِ الأهدابِ
في ألسنةِ الباغينَ طالتْ.
ها أنا طالَ غيابي،
قدماي اعتصما عندَ مُرادِ العنكبوتْ.

إنّهُ الثالوثُ :
هذا الثلجُ
والغابةُ
والحرفُ الصموتْ.

كلُّ نبضٍ منْ حواليكَ يموتْ.

آهِ يا سيرةَ هذا الدربِ،
أحجمْنا نفكُّ الخطَّ، نقفو
أثرَ الوادي، وماءِ النهرِ، والأشجارِ،
والنورِ الخفوتْ.

هل أنا الخافتُ
أم أسطرُ ذاكَ العنكبوتْ؟

أشتهي أنْ أضعَ الخدَّ على صدركَ؛
كي تحمرَّ عينايَ،
ورجلايَ تفكُّ الرمزَ
في سِـفْـرِ الصليبْ.

أنا منذورٌ لأشواكِ الصليبْ.

قد غرزْتُ القلبَ في أسنانها،
أدميْتُ شرياني، وريدي،
جسدي، عيني،
وروحي، ونذوري،
وارتعاشاتِ الحبيبْ.

وملأتُ الدِنَّ منْ خمرةِ أحداقي،
وأشواقي، وعشقي،
ثمَّ فتّحْتُ كنوزَ الصدرِ :
صوتي، سفني، ريحي،
ولكنَّ رفيقَ الدربِ صارَ الثلجَ
مغرازَ اللهيبْ.

مالكمُ كأكأتُمُ فوق وسادي، وضحكتمْ!
في صدى رأسي جدالٌ، وسجالٌ،
وصراعٌ، وقتالٌ
بين شرقِ البصرِ الماضي
وغربِ القدرِ الآتي،
شمالِ الكرةِ العطشى،
جنوبِ الكونِ،
والأوسطُ مجنونٌ، ومذبوحٌ
بسيفِ الأولينْ،
ولسانِ الآخِـرينْ.

سربلوا صدري دماءً،
وأداروني على ظهري،
أناخوا فوق قلبي، أثقلوهُ،
وترابُ الأرضِ بينَ الجلدِ إشراقٌ،
وسكينٌ من الظهرِ،
ومرآةُ الوجوهِ الشوكُ والنارُ،
وسيفُ العرشِ مشحوذاً
برأس السـيِّـدِ المُغتالِ
في الطفِّ
"أيا مَنْ وجههُ قمرٌ " *
ويامَنْ سحرُهُ أثـرٌ
سيبقى في ضميرِ النهرِ جَمْـعاً،
حشدُهمْ دمعٌ، وضربٌ،
وانحدارُ اللقمةِ المرغومةِ الوجهِ رماداً،
لا يباريهمْ، يساقيهمْ
حروفَ المعجمِ المطفيِّ في مكتبةِ التاريخِ،
ما انفكَّ عُبيدُ اللهِ نسلاً شاهراً رايتَهُ
يشحذُ سكينَ الأعـزّاءِ،
زليخا تنتشي في حضنهِ،
قارونُ في وَقْعِ الخديعةِ ساقطٌ عنْ عرشهِ،
والكنزُ عند القَـدَمِ الزلزالِ وَقْـفٌ
في بنوكِ الآخَرينْ.

آهِ يا سيرةَ هذا الحبِّ،
القلبُ انشطارٌ بينَ سُـودِ الخَـطِّ،
بينَ البيضِ تُخفي الوجهَ خلفَ الشاشةِ العمياءِ،
والأقدامُ في مزرعةِ الشوكِ ثباتٌ ومناجاةٌ :
تُرى هلْ مِـنْ سميعْ؟

وشفيعي في مُرادي أنَّ كفيَّ بياضٌ،
ولساني منْ صداحِ العندليبْ.

سمعوا الصوتَ،
فناموا فوق مهدي، وأحالوهُ صداعاً
منْ مقاماتِ اللهيبْ.

أنا أقفلتُ عيوني،
ومددْتُ الرأسَ في الكهفِ
على هذا الوصيدْ،
فافتحوها !
ألديكمْ شفرةُ المفتاحِ
أم ساعيْ البريدْ ؟

الخميس 8 ديسمبر 2011


هذا هوالدربُ

وحمامةٌ .....
تجتازُ وادي النخلِ
صوبَ مدينةٍ أخرى، نراها
في الخرائطِ تلبسُ القفازَ منْ غير الأصابعِ،
تلمسُ التاريخَ في جيبِ البيروسترويكا،
فقد نُقلتْ وجوه القوم خلفَ ستارهم، راحتْ
تداومُ أحرفاً رقصتْ على نبض السرابِ
فخابَ في آثارها حلمي ، استفقتُ
إذا الحقيقةُ مرّةٌ
مرّتْ بنافذةِ النيامِ على السرائرِ،
حصتي كانتْ فجيعتنا،
حصةَ العصفور كانَ الصمتُ،
حصة الزمنِ العتيق هجومُ آلافِ الجرادِ ،
تقاسموا حقلَ الغنيمةْ،

أمغفلاً كانَ الحمامُ
أم استعارَ جناحَ شوكِ لسانهم؟
أمغفلاً كانَ الصبيُّ ابنُ الأزقةِ والفقير
يستعيرُ كتابَ أيامٍ مضتْ في سالفِ التاريخِ
مشرقةً شروقَ الأبجديةْ؟

هذا هو الدربُ:
سباقُ الخيل يعبرُ هذه القاراتِ
بعد قطار ذاك الشرق ...

هذا هو الشرقُ
يطوفُ على قصائدَ لم تلدْ
غيرَ الفجيعةِ
غيرَ عشاق الكلامْ،
سقط الكلامُ مسربلاً بدمِ الكلامْ،
ها إنّ سكيناً تشقُّ هوى الحمامْ،
وأنا أصلّي كي أرتّقَ ثوبيَ المكدودَ،
ضُمَّ جناحَكَ المكسورَ في نزق الهيامْ!
لولا الهيامُ لكانَ قلبُكَ فارغاً
ظمآنَ منْ جدبِ النجومْ
في الكوكبِ اللاعبِ شطرنجَ رفاقي ، رفقتي
أيامَ كنّا في الغناء السربَ
لا ينظرُ في شيءٍ سوى خفق السرابْ ،
أهو السرابُ اجتاحنا
أم إنه نقدٌ مُزوّرُ
عند صرّافٍ حديثِ العهدِ
في بنك الكلامْ؟

قالَ الرفاقُ على فراش السجنِ:
ها نحن نصبُّ الزيتَ في نار الحقيقةِ،
والحقيقةُ في سجونِ القومِ تغرقُ في الظلامْ،
فهل الحقيقةُ لعبةُ الأممِ
بأيدي صاغةِ الاتقانِ
في حرق المراحلِ،
ثم حرقِ القافلةْ؟

كلُّ الحقيقةِ راحلةْ
يومَ اجتياح الصنم الأكبر
وديانَ الحشودِ الغافلةْ،

هذي فجيعتنا ،
ثيابُ الغيرِ نلبسها ، وننزعُ
عن حرارة هذه الاجسادِ ثوبَ مياهنا
فنعيدُ مكياج الوجوهِ الناحلةُ،

هذي فجيعتنا ،
الصوتُ غيرُ الصوتِ
نحن صدىً لأصواتٍ ترنُّ من البعيدِ،
نقولُ ها نحنُ الحداءُ
ونحنُ رأسُ القافلةْ،

هذي فجيعتنا اقتسمنا المائدةْ،
لم نعرفِ التاريخُ لا يرحمُ
أبناءَ الخيولِ النائمةْ،

هذي فجيعتنا،
فقِبلتنا استحالتْ حجرَ التاريخِ
أصواتَ الكهوفِ القاحلةْ،

هذي فجيعتنا،
فهل يستيقظُ العصفورُ
تحت شجيرةِ الرارنجِ
في البيتِ العتيقِ
فقد تسمّرتِ الشفاهُ
وعاثَ في الأرضِ الجرادْ ؟








كاترينا *

صهيلٌ يعتلي شفةَ السحاب،
يسوق البهجةَ عبر سماء الحريق
شجراً في حقول الصخور،
تزرع أيقونةً، رحلةً فوق شوك الطريق
ووخز الصرخة النازفةْ:
"الهي! إلهي! لماذا تركتني؟" **
يهبط القناعُ الحديد على وجهكَ ،
فاغتسلْ!
ثم احتسِ الماءَ من كأس هذا النديم
كرمةً
زيتونةً
صحبةً من وهج الدربِ قاسموا ضوعَ الأزقةِ
حلمَها، روحَها، واستحمّوا بدماء النحيبْ،
حملوا أصلابَهم بين بابٍ وباب...
هذه الشمسُ تغربُ حمراءَ بلون النجيع
فوق الصليب،
كاترينا في ثيابِ الزخارف تتضوّعُ مِسكاً،
مشطتْ شعرها الفاحمَ،
وارتدتْ شارة البرق، تنثر عطرها،
تغسل القدمين بالخصلاتِ،
كاترينا،
إنّ ليلَ العاشقين خصلةٌ خصبة،
رشفةٌ منْ ضياء الأنين،
انشري حضنك، ينام الهائمون الحفاة بين جمرات الشعابِ،
يبحثون عن ألقٍ ، وجعٍ يغسلُ القلبَ،
افتحي نوافذك للعابرين. فبالقلبِ تستحمُ الحروف.
ثمّةَ عينان في دعةٍ تحدّقان في خصلات شعركِ،
ترسمان الشارةَ،
ثمّة شفتان بالأريج تشرعان أبوابهما:
مَنْ يُردِ الرضى فليمدَّ يديهِ،
وليقطتفْ شوكةً من التاجِ يزرعها في فناء عينيهِ،
في رحاب روحه.
هي ذي البهجةُ الجوابُ.
هناك في الأعالي بريق يلفّ الرقبةَ العاجَ،
وجهكِ رفيفٌ من شعاع السنابلِ،
تسّاقطُ من ضروع الضياء.
هي التي بابُها مشرعٌ للعيون الجامحة،
نثرتْ صرةً على باب كهف الصخور،
أشعلتْ شمعةً،
قبّلتْ قدمَ الذي لم ينمْ عن كلام،
فطوبى للجياع لأنهم سيشبعون!
طوبى للعطاش لأنهم سيرتوون!
طوبى للتي أكلت منْ صدرها،
غمستْ روحَها في مياه الرمال،
نذرتْ قلبها للذي استحمّ في رياح الصليب،
أسفرتْ جيدَها للحصاد ثمناً للصدى،
للمحبة الخالصةْ،
كاترينا،
هذه القرية غرقتْ في الدجى،
أغلقتْ بابها ، لملمتْ وجهها في غياب الخجل،
ثمّ نادتْ دون أنْ تذرفَ دمعةً:
إنه ثمنُ المارقين الجناة،
أطيعوا أولي الأمر منكم.
ثمّ نامتْ على هدهدة الليل في سكون الكلام.
كاترينا ،
صرخةٌ في الظلام:
"مَنْ كانَ منكم بلا ....."
ذابَ رجعُ الصدى.
كاترينا،
رداءٌ يجوب الصحارى،
نزوعٌ فوق موج البحار،
مزاميرُ تزرع زهرةً عند كل دار :
إلثمْني بكلماتِ فمكَ؛
لأنّ عشقكَ أنعشُ من الهواءِ، ألذُّ من الخمرِ،
اجذبْني وراءكَ، نجري صوبَ ثوب النجوم،
اغسلْني بعطور السحاب.
شمسُك لوّنتْني بلهيب الغياب،
أمطرتْني بنور شعاعكَ،
غيَّبني وجهُك في ظلال الكروم،
اجذبْني وراءكَ أجري في سواقٍ من الخمرِ،
من العسل المصفّى،
اقتنصْني،
فأنا في رحابكَ طائرٌ بأجنحةٍ من ضياء،
مَرْكباتٌ تزدهي بالورودِ، تقتفي مدنَ الرياح،
ضوعُها من لجينِ النهرِ.
كاترينا،
ارتقي سُلّمَ الطيبِ ، ياقامةً من قطاف النخيل،
ضمِّخي جسدَ العشقِ بالعطور، فاح سيلُ الثمار.
" إلهي ! إلهي ! لماذا...؟"
نحتتْ في الألق صورةً فوق تاج الشمس،
رحلةً عبر أشواك الطرق الغافلة،
ألقتِ الرحلَ في مدنِ الرمل والحريق،
بين الموانئ تجري.
طوبى للجياع لأنهم يشبعون.
سلاماً، برداً ، عرشَ القلوب !
لهمُ الصبواتُ الحسانُ، طرقُ العشق في القمم الزاهرةْ،
سيوفٌ للمدن التي جاراتُـها غرثى،
سلاماً ! برداً !
وجهُه لوحةُ الصلب مُشرِقاً،
كاترينا،
وجهكِ وجهي في رحاب البساتين،
في وشاحك لون، بهجةٌ من عباب النزيف،
فاحتسي خمرةَ الجرح بين جمع الحبور!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاترينا: هي احدى شخصيات رواية الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس (المسيح يُصلَب من جديد)، وهي الأرملة العاهر التي ضحّت بنفسها من أجل انقاذ بطل الرواية (مانولي) الذي مثّل دور السيد المسيح في عيد الفصح، مثلما اعتادت القرية في الرواية أن تفعل كل عام، فتختار شاباً معروفاً بالصلاح. وقد صُلبَ مانولي كالمسيح؛ لأنه تقمّصَ دوره الى حدّ الذوبان في الشخصية، فأخذ يتصرف وكأنّه هو المسيح فعلاً.

** "إلهي ! إلهي! لماذا تركتني؟" هي آخر جملة نطق بها السيد المسيح قبل أنْ يُسلم الروح وهو على الصليب. كما ورد في انجيلي متى ومرقس.




قال الشاعر:

سأغنّي
كلَّما غنّيـْتُ قاومْتُ
صريرَ القيدِ
في معصمِ هذا العالمِ
المخطوفِ مِـنْ ذئبٍ
ومِـنْ حرفٍ وبيلْ

سأغنّي
فاحفظوا لحني
شعاعُ الشمسِ قيثاري
هواءُ الكونِ أوتاري
ومِـنْ قلبي الهديلْ

سأغنّي
أزرعُ الليلَ مصابيحَ
مواعيدَ غدٍ آتٍ
بنبعِ الشهدِ فيّاضِ المَسيلْ

رايتي بين ميادين ليالي القيضِ
والسارينَ صوتي في فمٍ شادٍ نبيلْ

وحروفي منْ يواقيتَ
وقد أهديتُـها عِقداً على جيدِ التي
أمطرتِ الدنيا حياةً
أزهرَتْ في جنّةِ القلبِ البليلْ

سأغنّي
زقزقاتٍ للعصافيرِ على الأغصانِ
للزورقِ في النهرِ
وللأطفالِ في مهدٍ جميلْ

سأغنّي
ضُمَّ صوتي
بينَ أصواتِ أناشيدِ المزاميرِ
فللحريةِ الحمراءِ ما غنّيْتُ
مِـنْ حبٍّ أصيلْ

أضلعي لحنُ جراحٍ
منْ نِصالِ الخنجرِ المسمومِ
في السجنِ الثقيلْ

أنملي شدوُ غناءٍ صادحٍ توقاً
إلى نافذةٍ تهزجُ بالوردِ وبالنورِ
على البيتِ الجليلْ

سأغنّي
أنشرُ العشقَ اخضراراً
في حقولِ القمرِ الطالعِ
مِنْ روحي على الكونِ
شذى حُلْمي الطويلْ


Sten

صدىً بجسمكَ أم وخزاتُ نازلةٍ
حلّتْ عليك وقد شدّتْ مراسيها

هذي الحياةُ ومرسىً في نهايتها
سفينةٌ يحملُ الأنواءَ حاديها

فتنثر الحلمَ دهراً ثم تأكله
ترمي العظامَ على أهدابِ ماضيها
* * *
Sten
ها أنتَ تحدثني
منْ غير كلامْ
تلقي في عينيَّ وعينيكَ سؤالاً:
هل تعرفني ؟

ـ أعرفكَ !
منذ أبونا آدمُ ألقى مرساه
في صحراءِ الربع الخالي
بعد الجنةِ

مرساكَ الآنَ العودةُ
حيثُ الرحلةُ
في آخرِ ايام إقامتها

أتراكَ تراها ؟
أتراكَ تحسُّ دبيبَ النملِ
وهي تقيمُ القداسَ
بين خلايا الجسدِ العاري ؟

أتراكَ ترى الأجداثَ
تحتَ الأرضِ ، وفوق الأرضِ
وهي تقيمُ الحفلةَ صارخةً
ونبيذاً منْ أشهى نهرٍ
نهر العودةِ ؟

أخبرْني !

الصخرةُ فوق الكتفين
من أيام الكهفِ وأيام سدوم وعمورةَ
وأيام الحربِ الكونيةِ بينكَ
وبينَ القادمِ من خلفِ الخارطةِ المذبوحةِ
بسيوفِ الغزواتِ
وسيوفِ ذوي القربى

Sten
هل تسمعني ؟

إني جوّابُ الآفاقِ أراكَ
تجوبُ الآفاقِ الأخرى
وتحطُّ الرحلَ هناكَ
حيثُ هواءُ العالم أنقى
من دنيا الخيباتْ !

هل تسمعني ؟

صخرٌ ماتَ
والخنساءُ تغنيهِ أبدَ الدهرِ
والقاتلُ خلفَ الخيمةِ ينتظرُ
ساعتهُ
في عاصفةِ الرملْ

Sten
أوتارُ الموتِ
تعزفُ أغنيةَ الرجلِ الغادي
من رحلتهِ
في آخر هذا الليلْ

هل تسمعُني؟

إني أسمعُ دقاتِ الساعةِ تقتربُ
لا ريبَ
لن تستأخرَ أبداً لحظتها
أو تستقدمَ

هل تسمعُني ؟

إني بجواركَ أحصي لحظاتِ النومِ
أستقدمها من غير جوابْ

إنّ الغارقَ بينَ صخورِ الغفوةِ
لا يسمعني

إني أدقُّ الصوتَ
فوق جدارِ الجسدِ الراقدِ
مثلَ حجارةِ جبلِ الجودي

هل تسمعني؟

وقعُ الخطواتِ على البابِ
تزحفُ ليلَ نهارَ
قربَ الجسدِ العاري

ارفعْ رأسكَ عن أوجاعكَ
كلّمْني !

ألمسُ وخزاتِ الإبرةِ تدخلُ في الجلدِ ،
والعظمُ هشاشةُ هذا العالم
حينَ تراوده عن بهجتهِ

هلْ تسمعها:
نبضاتُ قطار العمرِ
تقتربُ
من ميناءِ الخارطةِ الأخرى
حيثُ الشجرةُ منتصبة
مثل الجبلِ الراسي ؟

لا تقربـْها !
قد تحرقك الأغصانُ !
هل تسمعني ؟
لم تُخلقْ كي تقربها
فحدائقُ ذاك الشيطانِ الواقفِ
عند البوابةِ نارٌ .
هل تسمعني ؟

* Sten: رجل طاعن في السن كان يشاركني الغرفة في قسم طوارئ القلب في مستشفى مدينة اسكلستونا.كان مغطىً بالاجهزة والأنابيب لا يعي ما حوله، و الأطباءُ والممرضات والممرضون يمرون عليه؛ ليحقنوه ابراً ويعطوه أدوية، وهو غارق في نومه يئنُ.
* Sten بالسويدية معناها صخرة.

مستشفى ملار في اسكلستونا/ السويد
صباح الخميس 21 شباط 2008



وأخيراً ...

أكتبُ من نعومةِ الأظفارِ في حرفي
وفاتَ ما يقربُ منْ ستينَ في الصفِّ:
مررْتُ بالغنيّ والفقيرِ
والصغيرِ والكبيرِ
والجنديِّ والمُشيرِ
والطائرِ والأسيرِ
والسلامِ والنفيرِ
والشاعرِ الواقفِ والرائعِ
والشاعر المنبطحِ البائعِ
ومَنْ يُقالُ عنهُ بالعاقلِ
ومَنْ يُقالُ أنّهُ مجنونْ

مررْتُ بالمثقفِ المُنيرِ،
والمثقفِ الطيّبِ،
والمثقفِ المطفيِّ،
والمثقفِ الملعونْ.

رأيتُ في الذي رأيتُ..
ما يشيبُ منْ ضربتهِ..
الشايبُ والرضيعُ،
والدافئُ والصقيعُ،
والفؤادُ والعيونْ

لكنّني لم أنتبهْ..
بأنّني الطيِّبُ..
والمُغفّلُ المُكبّلُ العيونْ!








إلى شاعرٍ عاشق

لا يزالُ العشقُ
منْ منهلكَ العذبِ
يساقي فيضَ شِعركْ

وفيوضُ الروحِ في سُكْرٍ
وإشراقٍ
ومنْ نشوةِ خمركْ

وحبيبُ الروحِ غافٍ
فوق زندِ الحرفِ
قد أسلمَ عينيهِ
إلى زورقِ نهرِكْ

هامَ مسحوراً
بماءِ الوردِ والطيبِ
قنوتاً
مُستباحَ العشقِ
في بستانِ صدركَ

ولقد غابَ عن الدنيا
رهينَ الحُلْمِ والأشواقِ
معموداً بعطرِكْ

وأناشيدُ العصافيرِ زغاريدٌ
وأوتارُ نسيمٍ صادحٍ
منْ عزفِ بحرِكْ

"أنا مشتاقٌ وعنديْ" سكرةٌ
تقتاتُ منْ أخمارِ سحرِكْ

كيفَ معشوقتُكَ الحُسنى
هيَ الهائمةُ السائحةُ
الدائمةُ التشريقِ
في محرابِ فجرِكْ ؟

إنّها أيقونةُ العشقِ،
وعشقاً يتغذّى
منْ نميرِ النورِ والأحرفِ
في فردوسِ شعرِكْ

فلتنمْ مقرورةَ العينينِ
ما بينَ رفيفِ القلبِ
في أحداقِ زهرِكْ

غنِّها:
أهِ حبيبي،
شُمّني،
دعْني أتيهُ اليومَ
في أمواجِ شَعرِكْ!

واغرفِ الأٌقداحَ
منْ جمرةِ توقي
إنّني المجنونُ
والمحروقُ
في موقدِ صدرِكْ

أنا إنْ كنتُ هبوباً
منْ لهاثِكْ
أنا إنْ كنتُ كؤوساً
منْ رضابكْ
أنا إنْ كنتُ حروفاً
في كتابِكْ
فأنا المطعونُ بالشِعرِ
وبالعشقِ
وكلّي طوعُ أمرِكْ





ولقد قرأتُـكِ

ولقد قرأتُـكِ صفحةً
مرويَّةً بالبدرِ
بالشدوِ ، وبالسحرِ
وبالريحِ الرُخاءِ
فطرْتُ محفوفَ الجناحْ

بالخافقِ المطليِّ بالتِـبرِ
وبالحرفِ المزنَّرِ بالصباحِ
فقلْتُ:
هذا قد جناه عليَّ عشقى
طاعناً قلبي بنصلٍ منْ ضياءٍ
نبضُهُ بينَ القصائدِ مُستباحْ

وأنا الشهيدُ برعشةِ العطر الشذيِّ
وبالرحيقِ العذبِ منْ شفتيكِ
كالعسلِ المَسيلِ مِنَ الأقاحْ

أنا ما سلمْتُ منَ التي تأتي
وتأتي بالكواكبِ كي تفكَّ القيدَ
عنْ عُنُقِ القصيدةِ
في مزاميرِ المِـلاحْ

فأنا الحبيبُ منارُ هذ البوحِ في
ليلِ اللهيبِ أرشُّ همسَ الصدرِ
برداً بالسلامٍ
وفي أخاديدِ الجراحْ

وأعاشرُ الوجعَ القتيلَ
أصبُّ منْ قلبي هديراً
منْ حياةٍ
في صهيلٍ منْ رياحْ

لتهبَّ بالوترَ الجنيَّ
من الرويِّ
منَ الأغاني
للجياعِ إلى الصُداحْ

ولْتأخذي أنتِ بنارِ الشوقِ
قلبي ولساني وعيوني
وقصيدي والجناحْ

طيري ،
فضاءُ الكونِ عشُّكِ ،
بينَ شِـعري
والبريقِ الصاعدِ الأنفاسِ
مِنْ نجمي المُباحْ!

لكِ أنتِ ، أنتِ حبيبتي
وخليلتي
وقصيدتي
في يقظةٍ
أمْ في اصطباحْ

طيفاً أمرُّ بمعبدِ العينينِ
والخديِنِ والنهدينِ
صبّاً ساجدأً متعبّداً
متقرِّحَ الأجفانِ
مكسورَ الجناحْ

فأنا أسيرُكِ في دروبِ التيهِ
والأشواقُ شوكٌ
في مواعيدَ لعرقوبَ
فتذروها الرياحْ

فمَنِ الذي
يسقي الظميءَ المُستباحْ
بالشهدِ منْ ريقِ القواريرِ المِلاحْ ؟



العتاب بباب...

قال سلام كاظم فرج: "العتابُ ببابِ اليمينِ خيانة"
فقلتُ:
أفردْ شراعَكَ في الميناءِ الأيسرْ،
ففي اليمين العصبةُ أولو الغدر والخيانات.
كتبتْ يوماً بيساري، فدخلَ عمالُ الميناء
ينشدون نشيدي.
قضمْتُ الحجرَ فانكسرَ بين فكيّ..
أهكذا الكتابةُ باليسار!
اليمينُ نزيفُ الصورةِ:
ألقَوا يوسفَ في غيابةِ الجبِّ بيمينهم،
أقسموا بأنّ الذئبَ أكلَ البذرةَ قبلَ أنْ تتفتحَ.
أشرعْتُ قافيتي ببابِ يوسفَ، فانشرحَتْ.
القِرَدةُ أنسنةُ الرقصِ على الحبالِ.
حبالُ الغسيلِ تحملُ قمصانَ المتلونين،
أنا لا أحبُّ التلوُّنَ، لوني أسمرُ قانٍ، وأحبُّهُ.
قفْ في ظلالِ الشجرةِ الوارفةِ.
البكاءُ على الأطلال شيمةُ أهل الدارِ،
لذا أنا أغنّي، فرموني خارجَ خيمتِهم.
احتواني يمينُ قافلةِ الشمالِ الغربيّ،
فلم أقفْ عند اليمين.
ألقي نفسي في البئرِ،
عسى أنْ تلتقطَني السَيّارةُ
المتوجهةُ الى بلادٍ بعيدةٍ:
لا الذئبُ فيها يأكلُ الحَمَلَ
ولا الشيخُ يفقدُ اسنانَهُ
ولا الرأسُ يشتعلُ شيباً
ولا القصائدُ تُرتجَلُ في حضرةِ السلطان
ولا الحرفُ يرقصُ على الحبال.
لا تقفْ ببابِ اليمينِ
ستسقطُ في غيابةِ الجُبّ
لتلتقطَكَ سيّارةُ بائعي..
خُردةِ التاريخْ...


مونولوج

النهرُ يُسامرُ عشاقَهُ، ويناغيهم:
- هلْ غادرَني كلُّ الشعراءْ؟!
قد باعَ البعضُ قصائدَهُ،
والآخرُ أغلقَ أبوابَـهْ،
والثالثُ هاجرَ بحثاً عنْ ماءْ.

كمْ نامَ على صوتي الندمانُ، الشعراءُ، الأطفالْ،
وشِباكٌ تصطادُ اللؤلؤَ، والسمكَ، القمرَ، النارْ.
مرَّ بمائي الخيلُ، الليلُ، الشمسُ،
وأبو الشهداءْ.
غنّى بظلالِ نخيلي ونسيمي وخريرِ الماءْ
الرعيانُ، الفقراءُ، العشاقُ الشهداءْ.
هلْ غادرني كلُّ الشعراءْ؟!

في وجهِ الراقصِ فوق الأشلاءْ
أقفلْتُ خريري، فهديري
يطغاهُ أنينٌ وصراخٌ،
كلماتٌ منْ دونِ حروفْ.

النخلُ رمادٌ لا يغفو،
والبصرةُ ماعادتْ تألفُ وجهَ الشطِّ .
جيكورُ يُشيِّعُ عشاقَهْ:
الشعرَ، النخلَ، وشُبّاكَ وفيقة.
وسماوةُ زفّتْ سَـمرتَها.
وحبيبتُها مرّتْ منْ تحتِ نوافذِها:
- ودِّعْ أحلامَكَ يا هذا !
فهواكَ سليلُ الأحزانِ،
يروي قصصاً وحكاياتٍ،
زمنٌ! أمسى الغلمانُ ملائكةً !
والشيطانُ المنحوتُ قناعٌ يبتسمُ!
- هل غادرني كلُّ الشعراءْ ؟!
ماعُدْتُ أسامرُ قافيةً،
وقراعَ كؤوسِ الكلماتْ.
ناعٍ ينعى الشعرَ، يُجرّدُهُ.
ينزعُ عنه ثوبَ الحبِّ، يقاتلُهُ.
ما ماتَ الحلاجُ، القاتلُ نفسُ القاتلِ،
في ريحٍ صفراء.

صوتٌ:
آتي اليكَ كلَّ ليلةٍ،
مرتدياً عباءةَ الشرقِ وتاريخاً،
وانجيلَ النداءْ.
آتي اليكَ سابحاً
بين الفضاءاتِ الدخانِ، حاملاً
مسلةَ الصحراءِ، والضِلّيلَ، وابنَ الوردْ،
ممتطياً جناحَ قلبي، ورموشَ العينِ، والنجومْ.
آتي اليكَ راضياً، مسترضياً،
على بساطِ الشوقِ،
في فؤاديَ المصباحُ والخيراتُ،
والشهدُ المُصفّى، والموداتُ الكبيرةْ...


المسلة العارية

يستبطنُ الليلَ فيُلقي على
ظلامِهِ آثارَ ريحِ المكانْ،
فيحتويهِ الرهانْ.

ينقلُهُ مِنْ مسرحِ الرؤيةِ في حوزةٍ
مليئةٍ بالصَبَـواتِ الحِسانْ
إلى مسافاتِ الندى والحصى
والشجرِ الوارفِ والأُرجُوانْ.

ينامُ في ظلالِها لهفةً،
تبحثُ عنْ شمسٍ ،
وعنْ أُقحوانْ.

الشمسُ تغفو خلفَ حدِّ المدى،
غارقةً في لُـجِّ هذا الزمانْ.

الثمرُ المُرُّ حصادُ الهوى،
والبردُ، والحرُّ،
ولسعُ السِنانْ

يستبطنُ الليلَ، أيا نجمةً واقفةً
دون نجومِ المساءْ،
حائرةً تنبضُ طيَّ السماءْ
ساهرةً بينَ حروفِ النداءْ.

يستبطنُ الليلَ، فرُدّي على
ندائِهِ، خليلةَ الأنقياءْ،
صفيّةَ الأولياءْ.

رُدّي، ففي بعضِ الصدى نسمةٌ
تعانقُ المشهدَ والليلَ، وفصلَ الرداءْ،

يستبطنُ الليلَ، متى يلتقي
بنجمةِ الصبحِ وهمسِ الهواءْ؟

ياخفقةً تنهضُ منْ قلبهِ،
تذوبُ في العشقِ صدى العنفوانْ.

فيكِ مسراتٌ هوتْ، وانزوتْ
بينَ مصاريعِ كتابِ الأمانْ.

في ليلةٍ دارَتْ على فلكِها
وطاردَتْ نوازعَ الإلتقاءْ.

يستبطنُ الليلَ وفي ليلةٍ
بيضاءَ فيها الأرضُ لونُ الضياءْ

والشجرُ الوارفُ في صمتهِ
مسلةٌ عاريةٌ عنْ رداءْ



المصباح

قال ابنُ سينا:
"إنّما النفسُ زجاجةٌ، والعِلمُ سراجٌ، وحكمةُ اللهِ زيتٌ،
فإذا أشرقْتَ فإنَّكَ حيٌّ، وإذا أظلمْتَ فإنَّكَ ميِّتٌ."

صحوةُ الصباحِ تنثرُ أوراقَها فوق وجهي،
حلمٌ أنْ ترى زهرتي الصباحْ،
تغزلُ خيطَهُ بردةً، ترتدي وجهَهُ.
حلمٌ يملأُ كأسي نشوةَ الريحِ،
تشربُ القلبَ قهوةً، شهوةً تقتفي
جذوةَ النارِ والدخانْ،
تحتذي السنديانْ،
تطفئُ الظلمةَ والسكونَ بقلبِ الشواطئ،
والشجرِ الوارفِ في الجنانْ.

أيُّهذا المكانُ، قمرٌ يستفيقُ،
يطلُّ منْ ثُقُبِ الليلِ،
منْ صمتِ هذي السماءْ،
منْ رعشةٍ في المساءْ،
منْ أضلعي.

أيُّـهذا المكانُ،
سواءٌ عليَّ أأمطرتني أم أمطرتُكَ،
واحةٌ هما الصورتانِ. ظلُّها ظليل.
إنَّ هذا الزجاجَ يحملُ
ومضاتٍ من الوجدِ،
نبضاتٍ منْ فؤادِ السراجْ.

كلُّ بابٍ مُشرَعٌ في وجوهِ الصحابْ،
إنْ فتحوا الكتابْ،
وتعاطوا منْ دمِ الشرابْ.

يلتقي الندامى فوق خيلِ الصباحْ،
زهرتي والرياحْ،
يقرعونَ الكؤوسَ ملأى
بنبيذِ الكلامِ المباحِ، وغيرِ المباحْ.

خلفَ سيلِ المتاريسِ كانوا،
ثمَّ صاروا فوق خيلِ الصباحْ،

حلمٌ زهرتي، زهرتُكَ
أنْ تسوقَ الماءَ والترابْ،
وصهيلَ السحابْ.

أيُّهذا الغيابْ،
حاضرٌ مَوردي في رنينِ الزجاجْ،
ولذيذِ الزيتِ في السراجْ.

بينَ ظلِّ الصباحِ نشيجٌ،
ومزيجٌ،
زهرتي والرياحْ....


غنائيات النهر الراحل

يانديمَ الهجرِ، أقسمْتَ على النهرِ
تناغيهِ على البعدِ أصيلا.
عمرُكَ الزاهي ربيعاً كانَ، يلهو
بين واديهِ جبالاً ونخيلا.

وتراً تعزفُ في الظلِّ، تغنّي
للطيورِ الراحلةْ.
ساعةً تغفو، وأخرى تتلظّى
بينَ أحضانِ الأغاني القاحلةْ.

زهرةٌ أنتَ، أريجٌ، في جنانِ الغرباءْ،
دونَ لفحٍ منْ هواءِ النهرِ
أو كأسِ رواءْ.
زهرةٌ أنتَ، وفي أعينِ شمسٍ
لا يُساقيها الضياءْ.

كمْ سهرْتَ الليلَ نخبَ الكأسِ؛
كي تغفو، ولكنْ
كانَ عصفُ الريحِ فيها،
وحروفُ الروحِ سُمّارُكَ
والوحدةُ زحفُ النارِ فيها.

قد هجرْتَ الشاطئَ الدفْءَ،
اتخذْتَ الليلَ ظلّاً ونديما.
ورسمْتَ الغابةَ الجرداءَ والثلجَ
على عينيكَ لوحاً مستديما.

أنتَ في القلبِ سراجٌ دائمُ النبضِ
ونارٌ تتدفّقْ، -
حلمٌ يسبحُ في الليلِ، ويغرقْ،
غرفةٌ مُغلَقةُ الأبوابِ دونَ الندماءْ،
ورغيفٌ يابسٌ،
يتوارى بين أيدي الفقراءْ.

أصوات العربات

أصواتُ العرباتِ المارقةِ
عبرَ الشارعِ
ترسو في ميدانِ فؤادك

ما كنتَ قرينَ الصمتِ النائمِ
في الإسفلتِ تحتَ العجلاتْ

انظرْ في الأدراجِ العليا والسفلى،
هذي الكتبُ المصطفّةُ
في رأسك، ولسانكَ ، ويديك،
تبحثُ في إيقاعِ سكونِ الوقتْ

كيفَ تقصُّ شريطَ الأيامِ
عن عينيك
عنْ رأسك
أنتَ الواغلَ في أنفاقِ الزمنِ
حتى نخاعِ القلبِ الواقفِ
ببابِ سكونِ الليلْ!

مكتبةُ الكونِ الأكبرِ تتضاءلُ
قدّامَ الزحفِ القادمِ
منْ بركانِ الآلاتِ الكبرى
ووجعِ الرؤيةِ
المعتمةِ
في جيبِ التاريخْ

هذا الصخبُ المرتجُّ؛
داخلَ أيامِ العمرِ؛
يمدُّ الأذرعَ في خزَّانِ الكلماتْ

تنطفئُ الكلماتُ،
ومصابيحُ الغرفةِ،
وأصابعُكَ

سارق النار

برومثيوس،
أطلقْ جناحيك،
وارتفعْ عالياً ،
دعِ الشعلةَ ترتقي القمةَ
وصخبُ كبدك الراجفُ
يعتلي صمتهُ

النسرُ
يشربُ الدمَ قانياً
منْ إناءِ التوقّدِ
في صدركَ العاري

ليس ثمة شيءٌ أقوى
من السكونِ
ساعةَ صرخةِ الألمْ

في الحكاياتِ
أن زيوسَ الملكَ أغلقَ المنافذَ
عن الشعلةِ
كي لاترى الأزقةُ الضيقةُ
ضياءَ الصخبِ الشاسعِ
في رداءِ السكونْ

لاتخونْ
الأيادي البيضُ نواياها
يوم يشتدُّ الظلامْ
وتنطفئ العيونْ







هو الذي لم يرَ...

هو الذي
لم يرَ كلَّ شيء
لم يغنِّ باسـمِـهِ شيءٌ
فساحَ
في مسالكِ الليلِ
ليغتالَ حبالَ الوصلِ
في ناصية السقفِ
وفي الأوراقِ
والأقلامِ
والأصابعِ المُمَزَّقـةْ

وعادَ
مِـنْ بريَّـةِ السـاحةِ
منزوعَ الجوادِ
مِـنْ غير هبوبِ الشِـعرِ
من دون اهتزاز الغصنِ
في منزلهِ الطينيِّ
يروي كوزَهُ المكسورَ
بالصمتِ
منَ البئر الذي أوقعَـهُ فيـهِ
ارتماءُ القدم المقروحةِ الساقِ
ليستشريْ غبارُ النومِ
في الجدرانِ
حتى الساعةِ المعطلةْ.










انفلونزا البشر

الحديقةُ ملأى بسُكارى
يحتسونَ منْ فمِ القنينةِ
آلامَ العشبِ تحتَ مقاعدهمْ الملأى
ببقايا سرير النومِ المليءِ
بالبولْ،
يجلسونَ في فوضى عارمةٍ
غير خلّاقة،
صراخُهمْ يغيبُ
في خريرِ النهرِ المنسابِ
صوبَ السدِّ.

أمسِ مساءاً التقيتُ رجلاً يترنحُ،
بصقَ على رصيفِ الشارعِ
دمَ قلبهِ،
ونامَ على العشبِ النديِّ
برطوبةِ الخريفْ،

الحديقةُ إيوانُ القبيلةِ،
حينَ تفتحُ سجِّلَ العابرينَ
يرتفعُ دخانٌ أسودُ،
فتختنقُ النوارسُ
وهي تحلّقُ صارخةً في الجوِّ المليءِ
بأنفاسِ الخمورِ،
وفيروساتِ انفلونزا الخنازير،

حينَ أصيبتِ الخنازيرُ بالانفلونزا
ما كانتْ تعلمُ أنها ستصبحُ
أشهرَ من الشقيقاتِ برونتي،*

هلْ نفتحُ بابَ السرِّ المغلقِ
على انفلونزا البشرْ؟

السُكارى في الحديقةِ المتراميةِ
على ضفاف النهرِ الخالدِ المتدفقِ
صوبَ السدِّ في مدينتنا النائمةِ
في حضنِ التحالفِ الاشتراكي
لا يدرونَ أنَّ المصيبةَ أعظمُ
منْ فوهةِ علبةِ البيرةِ الفاسدةِ
منْ صنعِ معاملِ يلتسينَ وتشيفرناتزا
والخارجِ الصلاحيةِ غورباتشوف،

في الظلمةِ الحالكةِ
في الغابةِ المجاورةِ
ترتقي الشياطينُ رأسَ الشجرةِ الكبرى
فتتساقطُ أوراقُ الخريفِ
فوق الرؤوس المائلةِ
على مقاعدِ الزمنْ،

هلْ يُدركُ السُكارى أنَّ النورَ الخافتَ
في عيونهمْ
مثلُهُ مثلُ الظلام الدامسِ
في عيونِ النهارْ؟

صرخَ أحدُهمْ: أطفئوا الشمسَ!
لا أتحمّلُ حرارتها!
أعيدوني إلى فراشِ الحقيقةِ العاريةِ
في خلايا النومِ!

أما أنا فلم أجدْ مقعداً فارغاً،
فاقتعدتُ رأسي، وغبْتُ
في دخانِ السيجارْ.

* الشقيقات برونتي: هن الشقيقات الروائيات الانجليزيات اللواتي عشْنَ في القرن التاسع عشر، وفارقْنَ ثلاثتُهن الحياةَ في سن مبكرة بمرض السُلّ، وهن: شارلوت برونتي ( 1816ـ 1855)، وإيميلي (1818- 1848)، وآن (1820 ـ 1849).

صباح السبت 12 سبتمبر 2009
مكتبة مدينة اسكلستونا/ السويد



المساء

المساءُ المُسدَلِ الأهدابِ غافٍ
بينَ عينيَّ،
أنا في حومةِ الشوقِ أناجي
صاحبَ الدربِ:
ألا خُذْ بيدي
عبرَ سهامِ الحرفِ،
نادمْني
بكأسٍ مِنْ شرابِ الفجرِ،
صلِّ
في رحابِ الكهفِ،
أنجِدْ بصري
حتى قيامِ النائمِ الموجوعِ
في قاموسِهِ الشوكيِّ
بينَ الريحِ والبحرِ
وأمواجِ الرحيلْ

إنَّهُ الحوتُ،
استفِقْ
منْ نزوةِ الأعماقِ،
ما انفكّتْ نِصالُ الضلعِ
تدمي قدميكْ.

إنّهُ البحرُ،
استدِرْ
صوبَ شواطي خافقيكْ!

سفنُ السارينَ
في حرفكَ تاهتْ
بينَ إعصارِ بحارِ الأسطرِ العجماءِ،
هدّتْ ساعديكْ.





الطفل

سألتُ زقاقَنا:
ماذا أخذْتَ عليَّ؟
قالَ: اخفضْ جناحَ الخوفِ!
ما كنْتَ سوى طفلٍ
أضاءَ الليلَ بالضحكاتِ
والأهواءْ.

وفي عينيكَ عصفورانِ،
فرّا في سماءِ الليلِ، حطّا
في نهارِ العشقِ والأسماءْ.

ألمْ تقرأْ لكَ الأغصانُ
والأزهارُ والأنواءْ
بأنَّ الدربَ حينَ تمرُّ ملغومٌ
بها الأشواكُ والأصداءْ؟

وأسرابٌ منَ القسماتِ شاحبةً
منَ الكتبِ الغزيراتِ
بلا أجواءْ؟

لقد كنْتَ المواقدَ؛
كي تُدفّئَ أرجلَ الماضينَ
فوق جليدِ هذا الكونِ،
لا خوفٌ ولا إعياءْ.

فكيفَ تريدني أقوى عليكَ؛
وأنتَ لي سندٌ،
ولي عمَدٌ،
ولي إقواءْ!

الأربعاء 26.12.2018




أنا أحبُّ...

أنا أُحبُّ،
وما أحبُّ يغيبُ في غَبَشِ المدارِ،
ولا أتوبُ،
أدورُ في فلكِ الحبيبِ فراشةً،
فأنا أحبُّ.

بالأمسِ حين طرقْتُ بابَ الحبِّ،
لم يفتحْ،
وكانَ القفلُ أقوى منْ مفاتيحِ القلوبِ،
بحثْتُ في السرِّ الغريقِ،
فلم أجدْ غيرَ الضبابِ رفيقَهُ،
فكتمْتُ صدري.

"الحبُّ أولَ مايكونُ مجانةٌ"،
أنا قد جُنِنْتُ،
"فصارَ شُغلاٌ"،
ما استفقْتُ،
وحينَ قامَ القلبُ
كانَ الريحُ زادي وسميري.

أنا أُحبُّ...
بينَ الرمالِ الجَمرِ قافلةُ الفؤادِ تعثّرَتْ،
بالحبِّ، فاحترقَتْ،
وما قامتْ لها العنقاءُ، صاحَتْ:
ويْلَـكُمْ، يا أيُّها العشّاقُ!
إنّي صاحبُ الدربِ الذي أهْلكْتُهُ
بينَ الرياحِ، تجوبُ في الآفاقِ،
تُشعلُ نارَكمْ،
فغدوْتُمُ ذرّاتِ هذا الرملِ،
تذرُوكمْ عواصفُ عشقِكمْ بين القفارِ،
فلا تُجيبوا دعوةَ الذَوَبانِ
في حبٍّ يغيبُ،
ولا تحبُّوا!
إنَّ هذا الغيبَ شاغلُكمْ.
عشِقْتُ،
فطرْتُ...
حتى أحرقَـتْني شمسُها،
والرملُ شاهدْ!

أنا أحبُّ.
هذي هي العنقاءُ تشهدُ
أنَّ ذراتي ترامَتْ فوق أرصفةِ البلادِ،
بحارِها وحدودِها،
ونزيفِ دربٍ،
ما فتئْتُ أحبُّ،
لكنْ ما أحبُّ...؟!

أخرجْتُ منْ جسدي الرمالَ،
نثرْتُها فوق المحيطِ،
فما استحالَتْ قطرةً،
مرّتْ على حوريةٍ تغفو،
فقبّلتِ العيونَ، ولمْ تُفِقْ،
أشعلْتُ قُبْلاتي على الخدينِ،
فاشتعلَ الكلامُ على شفاهي،
فاستدرْتُ،
ردائيَ الموجُ الرمادُ،
وقِبلتي نَزَقُ الضبابِ.

في خيمةِ العشاقِ
ناولَني النديمُ سراجَهُ،
أخفقْتُ أنْ ألِجَ الكلامَ السرَّ
كي أحظى بوجهِ حبيبتي،
فغفوْتُ فوق الرملِ
مُحتسياً غيابي.

تموز 2016





المحتويات
المسرح
السقوط في أرض الموت
الرحلة
الرواية الأولى
الرواية الثانية
الرواية الثالثة
هذا هو الدرب
كاترينا
سأغني
Sten
وأخيراً
الى شاعرٍ عاشق
ولقد قرأتكِ
العتاب بباب...
مونولوج
المسلة العارية
المصباح
غنائيات النهر الراحل
أصوات العربات
سارق النار
هو الذي لم يرَ...
انفلونزا البشر
المساء
الطفل
أنا أحبّ


ـ انتهى ـ



#عبد_الستار_نورعلي (هاشتاغ)       Abdulsattar_Noorali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديوان (مزامير آل الملا نزار)
- (موتُ رفيقةٍ) للشاعر السويدي أبَهْ ليندَهْ
- الشاعر أ. د. عادل الحنظل بين الغربة والجراح
- شذرات من الأرشيف 1
- قلْ لِمَنْ يبكي...
- السيفُ أصدقُ أنباءً
- الوَردُ يسحرُ مثلَهُ الوَردا
- قصيدتان
- سلاماً...
- الأسطورة بين الاستلهام والواقع في ديوان -فراديس إينانا- ليحي ...
- نوفمبر للشاعر توماس ترانسترومر
- أوكراينا...
- قطار الشرق السريع...
- الستارُ الحديديُّ
- سنية عبد عون والقصة القصيرة، (براكيتة) مثالاً
- السِتارُ الحديديُّ...
- في حضرة الگيلاني...
- الجندول الحزين رقم 2 للشاعر السويدي توماس ترانسترومر
- وبالوالدينِ...
- مزاميرُ آلِ الملا نزار


المزيد.....




- نسيج الواقعية في -السيدة دالاوي-.. كيف ابتدعت فرجينيا وولف م ...
- تقديم المصحف الشريف كهدية لبيتكوفيتش بعد تعيينه على رأس الإد ...
- بالفيديو.. فنانة مصرية تعلن إصابتها بمرض خطير
- روسيا.. الموافقة على طلب الفنان ميخائيل يفريموف بالإفراج الم ...
- الاتحاد الأوروبي يفرض أول غرامة على -آبل- بقيمة 2 مليار دولا ...
- فنان سعودي شهير يكشف كيف استطاع أن يمتص غضب الفنان المصري ال ...
- هوكستين: هذا -المخرج الوحيد- لوقف التصعيد بين لبنان وإسرائيل ...
- فنان ايرلندي: التكلفة التي لحقت بحياة الأطفال في قطاع غزة لا ...
- جائزة الدوحة تحتفي بالكُتَّاب ونخبة من المثقفين العرب
- صدور كتاب -في محبة يعقوب الشاروني- إعداد أحمد عبد النعيم


المزيد.....

- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو
- الهجرة إلى الجحيم. رواية / محمود شاهين
- سعيد وزبيدة . رواية / محمود شاهين
- عد إلينا، لترى ما نحن عليه، يا عريس الشهداء... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار نورعلي - ديوان (ثلاث روايات)