أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبد الله خطوري - اَلتَّحْرِيرَا















المزيد.....

اَلتَّحْرِيرَا


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 7553 - 2023 / 3 / 17 - 23:21
المحور: كتابات ساخرة
    


يجلس الفقيه في الجانب المقابل للباب القبْلي، يعتلى هيدورة فوق ما يشبه مصطبة من خشب يُرَبـِّعُ رجليْه مُلوحا بقضيب زيتوني في الهواء متمتما كلمات من الذكر الحكيم يَقطعها بما تبقى من"فُتْيَة"الصباح يلقن بها أسماع المُريدين كُلٌّ وسُورته والآيات التي بلغ إليها حفظه، وكان في كل ذلك لَبيبا فطنا يقظا لا تختلط عليه المواقع والأثمان والأرباع والأنصاص والأحزاب،ولا يتشابه عليه المتشابه من الفواصل والجمل الطويلة والقصيرة..الطلبة المحاضريا يجلسون على حصائر من حلفاء يتلون يقرؤون يُلوحون برؤوسهم يقهقهون يضحكون يُدبرون المقالب لبعضهم البعض، كل ذلك في آن واحد دون آستثارة حفيظة سيد الفقيه الذي يستحسن أنْ لا يُمتحن في صبره ورصانته وقدرة تحمله ذلك اللغط المتفاقم الصادر من الأفواه التي تتقن مزج الجد بالهزل والعبث بالمعقول.كان حليما فقيهُنا الجَبْلِي، وكانوا هم يبجلون ويقدرون فيه خصيصته تلك التي تترك لهم مساحة يتنفسون فيها دون المساس بالخطوط الحمراء المتعارف عليها، ويمكن القول إن الأمور كانت تدور على أحسن ما يرام، كل واحد يقوم بدوره، كل واحد يحترم دور غيره ولا يتجاوزه.. الصغار مع الصغار يغالبون نوم ما بعد زوال نهارات آب غشت القائظة وأناملُهم الصغيرة تعبث بأنوفهم تحك قُنَنِ رؤوس غارقة في ألواح ترنو من خلل عيونها العلوية جهة المعلم ترقب لحظة غفلة ما أو آستغراق في سِنَة من نوم خفيف كي تمارس هامشا من الحرية المستباحة؛ ومتوسطو الأعمار هناك جهة الحائط الشمالي مع أقرانهم يقنصون الذباب المتطاير في سخاء على الوجوه الساهمة الناعسة يضربونها بجَباد"لاسْتيكْ" أبيض أو يصطادونها بأيديهم في خفة ورشاقة وآختلاس للحركة لا تترك فرصة للطرائد المُزَنْزِنَة كي تنجو بجلدها، إذ يتمكنون من أبدانها السوداء والزرقاء الضئيلة بسرعة خاطفة، و بمَكر لافت يُنكلون بها يعبثون بأجنحتها الصغيرة أو يقلبون ما وراءها باحثين عن جنسها الضامر المفترض يعقدونه بخيوط رقيقة رفيعة ويدعونها تطير مثقلة بحُمولة تجرجرها خلفها بشكل يثير الكثير من الضحك ويحد من حرية الحشرة الشقية في الطيران إذْ سرعان ما تهوي الذُّكْرانُ على الأرضية كيفما آتفق لتبدأ عمليات التصفية الجسدية دون رحمة أو شفقة؛ولمزيد من التنكيل المشوب بالتشويق يعمد المتفننون ذوُو الأفكار الطريفة إلى الجَز ببعض هذه المخلوقات الطيارة في فجوات الجدران الكثيرة الضيقة والواسعة في آنتظار صَبور لقُدوم رُتيلاء ما أو سحلية زرمومية أو ما شابه فيُقْتَنَصُ المقتنِصُ يوضع في جراب خاص ليُلْقَمَ لطريدةً أخرى في موضع آخر في عمليات للمطاردة لا تنتهي سلسلتُها الدوّارة المتحركة المتشابكة الحلقات في دواوير الأحياء الخلفية في المدينة..والكبار معزولون هنالك لوحدهم حذاء النافذة المُطِلة على سكة الحديد التي تربط أحشاء المدينة بأحشاء مدن أخرى مجاورة أو غير مجاورة بموازاة طريق عربات غير مستو غير مزفت بعدُ.. يرنو إليهم الفقيه نظرة تقدير وآحترام، يخاطبهم مخاطبة الراشدين، يناديهم بسيـ...و سيــ.."كأنهم فقهاء فعلا، حتى الآيات التي كُنا نسمعها تُوجَّه إلى مسامعهم أو تتلوها ألسنتُهم كانت تبدو لنا من النوع الغريب الفريد الذي لا نفقهه والذي يتجاوز بكثير محفوظاتنا المتداولة من الآيات القصيرة ولازمة "..ألف ما ينقط والباء وحدة من تحت والتاء جوج مَلْفوق.."بعبارات شاهقة غامضة نقف إزاءها مفتوحي الأفواه متعجبين من تلك القدرة على ضبط مثل ذاك الكلام العجيب الملغز العَصي على الأفهام، وكنا نتساءل في أنفسنا مرارا هل يأتي علينا حين من الدهر نبلغ فيه مبلغهم وحكمتهم وقدرتهم ومرتبتهم التي تمكننا من وسام الشرف الذي يغدقه مُعلمنا عليهم في معاملاته الخاصة لهم أم سنظل عالقين في بداية الأعمار لا نكبر أبدا..؟؟..
بُعَيْدَ الزوال.لم يصل العصر بعد.الجو خانق جدا في الخارج في الداخل في عشية مُصَمِّمَة على صَمائمها إلى الحدود القصوى القاسية، والشمس تقاوم الظلال تهاجم أشعتُها أحجارَ جدران الجامع وسقفه القصديري تقتحم أتربةَ الجدران تُحول قاعة المراجعة إلى صهريج جحيم لا يُطاق لتغدوَ رغم رحابتها المفترضة قبوا كاتما للأنفاس بشكل جعل البعض يصدر نحنحات تَذَمّر لم يلتفت إليها الفقيه في البداية حتى أعْقِبَتْ بتأفف هنا شرود هناك إلى أن وصل الأمر إلى نخنخات تصدرها الأفواه والمناخر تباعا إثر رائحة زنخة ليس يدري أحدٌ مصدرَها لكن وقعها على الجماعة المكدَّسة المزدحمة الأطراف كان شديدا رغم القهقهات الصامتة والضحكات المسروقة والتواطؤات المختلَسة تصدرها الأعين الغامزة آتجاه مَنْ يُخال أو يعتقد_ظلما أو يقينا_أنه مصدرها، ويبدو أن الفقيه لم يحتمل المزيد من الضغوط المقصودة _ربما_ فرَاحَ ينتفض من قيلولته المحببة مُكرَها مُجْبَرا صارخا في الوجوه مهددا...

_الله ينزل عليكم لَمْسَخْ كثار ما نْتُومْ ممسوخين ...

وشرع يتربص بالسحن تمسحها مقلتاه الصقريتان الغائرتان واحدا واحدا في بحث غير ذي جدوى عن الفاعل المحتمل..لا فائدة..أعوذ بالله منكم وللي يعاشركم..حتى واحد ماغدي يقول لك انا..حرام في الدين آمساخيط الوالدين.. وبما أن الأمور بدأت تخرج قليلا أو كثيرا عن السيطرة، ولأن في المَجْمَع المتكدس صغار يُخشى عليهم تبعات آختلاط آحتباس الحرارة بالتعرق بضيق الأنفاس بخناقية الروائح الغريبة العطنة، فإن الوقت_قدّرَ الفقيه_ليس للبحث عن مرتكب هذه الجريرة الصغيرة المحاطة بجو من طفيليات اللّمَمِ الذي إذا تُركَ لعواهنه سيعظم ينمو ويمسي إحدى الكبائر إنْ لم يسارع ويبادر بحل عاجل يُخرج به الحضور من هذه الورطة..شمّـر عن ساعديه واقفا ثم صرخ فيهم...

_يالله جمعوا طرافكم خرجوا عليّ كاملين بَـرَّا...

_هـيييـه...

صاح الجميع غانمين الفرصة يهرعون إلى الباب مخافة أن يتراجع الفقيه في كلامه ...

☆إضاءات:
١_التحريرة:عادة ألفها طلبة القرآن في الكتاتيب البدوية العتيقة تكمن في آلتماس الفقيه تمتيعهم بفسحة آستثنائية قد تنهي دروس حصص الصباح أو ما بعد الزوال المنهمكين فيها مقابل هدية يقدمها أحد العابرين المارين قرب الجامع تعطى للفقيه إكراما له مقابل تحرير الطلبة بشرط أن يكملوا حفظهم لما كانوا منهمكين فيه ولا عذر لأي طالب في الحصة اللاحقة فهو مطالب بآستظهار ما بذمته من متون وإلا ....
٢_هيدورة:فراش مصنوع يدويا من جلد الخروف
٣_فُتْيَة:بضم الفاء الآيات التي يمليها الفقيه على مسامع المريدين يكتبونها بالأقلام والصمغ على ألواح من خشب مهيأة بطريقة خاصة خصيصا لهذا الغرض
٤_الجَبْلِي:نسبة إلى منطقة جبالة شمال المغرب المشهورة بحفظة القرآن بالطريقة القديمة



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رُبَّمَا سَأولدُ بُعَيْدَ قليل
- أحمد العياشي سْكِيرج
- مُنِيف مُعَلِّمُ آلْحَيَاة
- متلازمة بْرُوتيه Proteus Syndrome قراءة في عوالم هرفيه بازان
- مُحَال
- سَخافَةُ آلامْتِلَاك
- اُونْسُولْ دِي مَزْيَانَنْ
- جِييُومِيتْري
- VERTIGO
- مكنسة آلساحرة
- لَا شَيْءَ لَهُمْ لا شيءَ لنا لا شيءَ لي
- اَلتَّقاعُدُ آلأَخيرُ لمالك بن حريم الهمداني
- اَلشَّارَفْ
- تَاءُ آلتأنيثِ غيرُ آلساكنةِ التي لها مَحَلٌّ مِنَ آلإعراب
- لَعْكَاسْ
- إِنْصَافُ آلنَّاقَة
- مجرد واقع لا غير
- اَلْعَيْنُ آلْمَلْعُونَة
- عِيسَاوَى طنجة
- اَلْعَيْنُ آلْعَرْجَاء


المزيد.....




- الحبس 18 شهرا للمشرفة على الأسلحة في فيلم أليك بالدوين -راست ...
- من هي إيتيل عدنان التي يحتفل بها محرك البحث غوغل؟
- شاهد: فنانون أميركيون يرسمون لوحة في بوتشا الأوكرانية تخليدً ...
- حضور فلسطيني وسوداني في مهرجان أسوان لسينما المرأة
- مهرجان كان: اختيار الفيلم المصري -رفعت عيني للسماء- ضمن مساب ...
- -الوعد الصادق:-بين -المسرحية- والفيلم الأميركي الرديء
- لماذا يحب كثير من الألمان ثقافة الجسد الحر؟
- بينهم فنانة وابنة مليونير شهير.. تعرف على ضحايا هجوم سيدني ا ...
- تركيز أقل على أوروبا وانفتاح على أفريقيا.. رهان متحف -متروبو ...
- أمية جحا تكتب: يوميات فنانة تشكيلية من غزة نزحت قسرا إلى عنب ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبد الله خطوري - اَلتَّحْرِيرَا