أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن توبيخ السوريين العلويين المتجدد














المزيد.....

عن توبيخ السوريين العلويين المتجدد


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 7737 - 2023 / 9 / 17 - 13:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الشهور الأولى من الثورة السورية، فهم الكثيرون عدم مشاركة الكتلة الشعبية من العلويين في المظاهرات المطالبة برحيل الطغمة الأسدية، على أنه خوف من ضياع امتيازات يتمتعون بها في ظل "نظام علوي"، فليس في مصلحتهم انتصار ثورة تساويهم مع بقية السوريين. لم يقتصر التحليل المذكور على الإسلاميين أصحاب تعبير "النظام العلوي"، بل سارت على هذا الطريق أيضاً عقول غير إسلامية. وفق ذلك، فإن رفض العلويين "المدللين" للمساواة هو ما جعلهم يقفون ضد الثورة.
كان هذا الفهم أساساً ثابتاً لتوبيخ العلويين ككتلة شعبية دعمت نظاماً مجرماً لأنه يوفر ويصون لها موقعاً ممتازاً في المجتمع السوري. وقد عرض أصحاب هذا الفهم، وهم في الغالب من خارج البيئة العلوية، مفارقة طريفة وذات دلالة، حين راح ينوس توبيخهم بين اعتبار العلويين عبيداً، كناية عن خدمة السلطة وعبادة رموزها أو حتى عبادة القيد والإحجام عن كسره، وبين اعتبارهم سوريين ممتازين، كناية عن مكاسبهم قياساً على بقية السوريين. دلالة هذه المفارقة هي أن الفهم المذكور يقوم على أساس خاطئ هو افتراض تمتع العلويين بامتيازات فعلية في ظل نظام الأسد.
معظم المعارضين العلويين لم يشاركوا هذا الفهم، لأنهم على دراية بالوضع البائس لهذه الكتلة البشرية التي تنسب السلطة إليها، حتى يمكن أن تسمع من يقول مثلاً "إن العلويين يحكمون سوريا". والواقع أن صاحب السلطة الفعلية بين العلويين تحول إلى سيد يترفع على محيطه الاجتماعي ويستخدم سلطته ضد الأهالي حين يقصرون في إرضاء جشعه. هذه قاعدة مطردة في منطق السلطات المستبدة. من القصص المعروفة مثلاً أن أحد كبار ضباط المخابرات منع شق طريق إلى قريته لأن بعض الأهالي رفضوا بيعه الأراضي المجاورة لقصره الذي شقت له طريق خاصة. ومن القصص المعروفة أيضاً أن أحد المسؤولين "تواسط" لصالح عائلة من أجل نقل ابنهم المعلم الذي يدرّس في محافظة بعيدة، إلى التدريس في مدرسة القرية، مقابل أن تقيم اخت هذا المعلم في بيت المسؤول في دمشق لمساعدة الزوجة في أعمال المنزل. المبدأ الذي يتم إغفاله هو أن السلطة الفاسدة وغير المقيدة تستخدم وتستهلك الشرائح الفقيرة، وليس العكس بأي حال.
بعد سنوات من التعثر والفشل السوري العام، انتهت موجة التوبيخ الأولى تلك لتبدأ موجة توبيخ جديدة للعلويين لأنهم لا يخرجون ضد نظام الأسد، رغم الحضيض المتعدد الجوانب الذي يعيشونه. يتولى هذا التوبيخ الجديد معارضون علويون قدماء أو مستجدون، وينطلق من أنه ليس في حياة العلويين ما يميزهم، وما يمكن بالتالي أن يقعدهم عن الخروج على نظام الأسد أسوة ببقية السوريين. وهكذا فإن هذه الفئة من الموبخين لا تجد، على خلاف الفئة الأولى، سبباً يفسر عدم خروج العلويين ضد طغمة الأسد. على هذا يميل توبيخ هؤلاء إلى أن يكون قاسياً وأن ينطوي على شتائم بحق العلويين مثل "قلة الأخلاق" و"انعدام الكرامة"، ويصل الأمر أحياناً إلى حد البصاق. يسمح بهذا المستوى من الشدة، كون هذا التوبيخ "أهلياً"، أي يصدر عن أبناء من الطائفة نفسها، فلا يمكن لمن هو من غير هذا المنبت أن يصل توبيخه العلني إلى هذا المستوى، وإلا لاعتبر كلاماً طائفياً فظاً ومستفزاً.
كان حرياً بمن اعتقد في البداية أن انكفاء العلويين عن الثورة ناجم عن تمتعهم بامتيازات، أن يراجع قناعته حين رأى أن العلويين لا يخرجون ضد النظام رغم انعدام مكاسبهم وحضيض عيشهم. فقد نقد الواقع قناعتهم السابقة بصراحة. ولكن يبدو أن الموبخين في الموجتين، مع إدراكنا لطيب النوايا، لا يسعون كثيراً إلى فهم الدوافع المتشابكة (التصورات الخاصة ونمك استيعاب التاريخ الحديث والشروط المادية المحيطة ... الخ) التي تحدد سلوك هذه الكتلة البشرية أو تلك. بدلاً من محاولة فهم سلوك لا يروق لنا من جماعة ما، من الأسهل أن نعتبر سلوكها شاذاً وأن نكيل التقييمات السلبية بحقها. كما لو أن الجماعات البشرية جواهر متفارقة لا تحكمها الشروط، منها جماعات ثورية بطبيعتها، ومنها جماعات تستطيب الذل والجوع والعبودية. ومن الطبيعي أن سوق التوبيخات لا توجد في أرض الناس المستهدفين بالتوبيخ، بل تزدهر في أرض خصومهم أو من يروق لهم سماع هذه التوبيخات التي تصبح، والحال كذلك، إرضائية وعديمة الفائدة.
الكتلة البشرية التي تسمى العلويين تجد نفسها، منذ سنوات، في مأزق عميق لا يزيده الزمن إلا عمقاً، مع تزايد الإفلاس السياسي للطغمة الأسدية، وتزايد ارتهانها "للحلفاء"، وازدهار فساد الحرب وأربابه، وتزايد العبء الاقتصادي للناس بسبب النهب والفساد وتوقف عجلة الإنتاج في مجتمع انهكه اقتتال عبثي تديره مصالح غريبة عن عموم السوريين. وليس مأزق العلويين هذا سوى أحد أعقد جوانب المأزق العسير الذي أوصلت الطغمة الأسدية المجتمع السوري ككل إليه.
لدى العلويين في سوريا رهاب تأصل على مدى عقود من حكم عائلة الأسد، هو رهاب التغيير. وهكذا فإن مأزقهم هو أنهم عالقون في رفض تغيير ما ينبغي تغييره، مثل "بالع الموس على الحدين". كل ما يمكن أن يقود إلى التغيير السياسي، بات مصدر رهاب لدى العلويين. لاحظ مثلاً موقف عموم العلويين من المظاهرات "غير الإسلامية" في السويداء اليوم. في الحق، من العبث انتظار دور فاعل للكتلة العلوية في عملية تغيير سياسي في سورية. الأصوات الانتحارية التي تخرج من الساحل هذه الأيام هي صرخات ألم أكثر منها صرخات احتجاج سياسي، عدا عن كونها أصوات متفرقة. هذه واحدة من تجليات مأزق العلويين. ومن العبث البحث عن تطمين للعلويين. مبدأ التطمين بحد ذاته ينم عن مشكلة لا ينفع معها التطمين، أقصد انعدام الثقة، والحق إنه انعدام ثقة متبادل ومستقر بين الجماعات السورية المختلفة. أما مبدأ التوبيخ فينتهي غالباً، رغم النوايا الطيبة، إلى عكس ما يريد فاعلوه، إن كانوا يريدون حقاً تحريك الجماعة العلوية ضد نظام الأسد.
التغيير السياسي في سوريا سيكون غالباً ضد رضى العلويين، حتى إن كان، في النهاية، في مصلحتهم مع جميع السوريين.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقاش مع كتاب -سؤال المصير- لبرهان غليون
- عن مشكلة الرموز في سورية
- أهمية حركة 10 آب في سوريا
- ماذا ينتظر سورية في المستقبل
- ظاهرة الموالين الغاضبين
- البكالوريا السورية ضحية الغش العام
- السجن يتسلل إلى نفوسنا
- أجراس بعيدة وكتل سياسية في المنفى لقاء برليني مع راتب شعبو/ ...
- الغضب المعزول في فرنسا
- عن قلق المسلمين في الغرب
- هل المثقف السوري طائفي؟
- -حانة الأقدار-
- التحليل السياسي الماورائي
- العزلة هي الشرط الأنسب لنظام الأسد
- عالم الزنازين
- النجاح والفشل في الثورة
- القوات الموازية وتحطيم الدولة في السودان
- الحياكة الناعمة في -أطباق المشمش-
- هل يجرؤ النظام في دمشق على الانفتاح؟
- الحل الأمني على الطريقة الفرنسية


المزيد.....




- بوتين يزور كوريا الشمالية في رحلة نادرة وسط تعزز التحالف الم ...
- صدمته سيارة وحلق في الهواء.. شاهد ما حدث لطفل بعمر 4 سنوات ب ...
- سفن البحرية الروسية تغادر ميناء هافانا
- رغم ظروف النزوح الصعبة، لا تزال تعزف لإيصال المعاناة
- قوة الحقيقة ـ الإعلام في زمن التضليل والذكاء الاصطناعي التول ...
- إنشاء محتوى بالذكاء الاصطناعي يثير مخاوف في قطاعات الإعلام
- منتدى DW الإعلامي: محاربة الذكاء الاصطناعي والضغوط على الإعل ...
- الشركات الألمانية في الصين تشكو ارتفاع الفائض وتدني الأسعار ...
- خارجية سويسرا: بالخطأ تمت إضافة العراق والأردن إلى قائمة الم ...
- -الأشهر الخمسة القادمة حاسمة-.. خبراء مصريون يعلقون على مباد ...


المزيد.....

- الكتاب الأول / مقاربات ورؤى / في عرين البوتقة // في مسار الت ... / عيسى بن ضيف الله حداد
- هواجس ثقافية 188 / آرام كربيت
- قبو الثلاثين / السماح عبد الله
- والتر رودني: السلطة للشعب لا للديكتاتور / وليد الخشاب
- ورقات من دفاتر ناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- ورقات من دفترناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن توبيخ السوريين العلويين المتجدد