أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء التاسع والأخير) أ















المزيد.....


تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء التاسع والأخير) أ


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 7884 - 2024 / 2 / 11 - 00:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


.باعتباري من أصدقاء الفلسفة، بشهادة أحد أساتذتها الباحثين الجامعيين بالمغرب على الأقل، خطر على بالي الإقدام على مغامرة ترجمة هذه الدراسة الأكاديمية التي جاد بها جاك بوفريس (Jacques Bouveresse)‏؛ الفيلسوف الفرنسي المولود في 20 غشت 1940 بإبينوي، والذي تتعلق فلسفته بلودفيغ فتغنشتاين والفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم والمنطق. منذ عام 1995، شغل كرسي فلسفة اللغة والمعرفة بالكوليج دو فرانس.

7. برينتانو ونحن: أين نحن من الفلسفة وإلى أين تسير؟
تحدث هايدجر عن «حرب خناجر مسلولة» أعلنها ضد العقلانية، العدو بامتياز في نظره. ويمكننا القول إنها، بفضله إلى حد كبير، خسرها خسارة فادحة أولئك الذين حاولوا الدفاع عنها. من الواضح أن معاداة العقلانية التي أصبح مبشرا بها كان من المرجح أن تزوده، في بلد مثل فرنسا، بأتباع أكثر حماسا بما لا يضاهى ممن يمكن أن تجتذبهم عقلانية فلاسفة مثل فويلمان وجرانجر. لم يبالغ فرانسوا راستييه عندما كتب ما يلي: "في فرنسا، يبدو أن هايدجر حقق الإجماع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما لو أنه شارك في هوية الفلسفة والثقافة الفرنسية المعاصرة، وهو ما لم يستنكف العديد من المدافعين عن التذكير به.» إن عبادة "الفكر" شبه الدينية (وهو مصطلح يعمل حرفيا في أفواه عدد كبير من الفلاسفة كنوع من الكلمة السحرية) والشعور بالتفوق، إن لم نقل الازدراء، الذي نشعر بأننا ملزمون بشكل مترابط بإظهاره حيال العقل (الذي يتم تحديده بشكل أو بآخر بالحساب والتقنية) والحجاج، اللذين من المفترض أن يكون هايدجر قد أظهرهما كأنهما جزء ليس مما هو فقط الأكثر غرابة، ولكن أيضا من الأكثر معارضة للفكر الحقيقي، يدركان بامتظام كأنهما السمة المميزة للفلسفة (الحقيقية)، التي من المفترض أن تكون فرنسا واحدة من آخر الدول التي احتفظت باتصال حقيقي معها. الآن ما استنكره فويلمان وجرانجر، كما يقول الغلاف الخلفي لكتاب "عصر العلوم"، هو على وجه التحديد واقعة أن "تفكيرنا ليس قديما مثل معرفتنا" وأن ما يطمحان إليه هو المساهمة "في تطوير التفكير الذي يتطلبه عصر العلم».
هناك شيء واحد، عندما ننظر إلى تطور الفلسفة الفرنسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يستحق بالتأكيد اهتماما أكبر من ذلك الذي أولي لها في معظم الأوقات، وهو الجانب الذي تناوله مانفريد فرانك بالتفصيل؛ ألا وهو تبادل الأدوار الذي حدث في كلا الاتجاهين، في ما يتعلق بمسألة ما أسماه لوكاتش "تدمير العقل"، بين الفلسفة الفرنسية ونظيرتها الألمانية. في بداية محاضرة ألقاها عام 1989 في توبنغن، وصف بالطريقة التالية التصور الذي قد يكون لدى الشخص الذي ينظر إلى الأمور من وجهة نظر ألمانية عما حدث:
"أطروحتي مختصرة (سأشرحها على الفور): في الفكر الفرنسي الجديد (ذاك الذي اتبع في كرونولوجيا الأساليب البنيوية الكلاسيكية من ناحية، والوجودية من ناحية أخرى) نحن نتعامل مع "شخصية الروح"، حيث يمكننا أن نفهم التذكر المحين والمنظف بعدة طرق، والذي ما زال دائما معترفا به، لنقد العقلانية الألماني بين الحربين العالميتين. كانت فلسفة بوملر، كلاجس، شبلنغر وهيدجر (أسمح لنفسي بأن أتجاهل هنا مرة واحدة ما نسميه اختلافات المستوى وأن أنظر فقط إلى الشيء الذي يهمنا)، بعد تدمير الاشتراكية القومية في ألمانيا الغربية (وكما هو واضح الآن: في جمهورية ألمانيا الديمقراطية كذلك)، معرضة للكبت بشكل جذري لدرجة أنه - كما هو الحال مع كل ما تم كبته - ليست هناك حاجة للتنبؤ بـ "العودة". حدث ذلك بطريقة دقيقة، ليس عن طريق الارتباط المباشر بتقليد (أليف) متوافق عليه من الفاشية، بل عن طريق تملك محجوز اولا، ثم فضولي بتردد، وحماسي أخيرا للفكر ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي في فرنسا. يبدو أن المهمة ما قبل الفاشية لهذه الأخيرة (أستخدم البادئة "pre" في هذا التعبير بالمعنى الكرونولوجي الذي لا يتضمن حكما قيميا) قد فقدت ميزتها نظرا لواقعة أن النصوص المعنية قد تم تمريرها على أيدي الفرنسيين، وبالتالي ظهرت، من أجل إعادة التملك الألماني، متحررة من الرقابة (الذاتية) السياسية الأخلاقية. ولتوضيح ذلك، من المناسب أن نلقي نظرة سريعة على وضع فلسفة ألمانيا الاتحادية – دعنا نقول، حتى لا نذهب بعيداً في الحيز التاريخي: منذ عام 1969."
حتى مع كل الفروق الدقيقة التي كانت مصحوبة بها بالفعل، كان من الواضح أن الأطروحة غير مقبولة تماما بالنسبة للمشاركين، سواء الألمان أو الفرنسيين؛ وكما قد نتوقع، لم يتم قبولها أو حتى أخذها على محمل الجد من قبل تلاميذ وورثة الممثلين الأكثر رمزية لما بعد البنيوية الفرنسية وما بعد الحداثة الذين كان يفكر فيهم المؤلف. لذلك، لم تكن مناهضة العقلانية الفرنسية قادرة على الازدهار في هدوء تام فحسب، بل ساهمت أيضا، على الجانب الألماني، في جعل إعادة التملك، بشكل متعمد أو غير واعي، مقبولة من التراث الذي بدا لبعض الوقت أنه من الأفضل نسيانه، والذي لم يتوقف رغم ذلك عن البقاء حاضرا ونشطا.
بالعودة إلى الحالة التي تهمنا حقا هنا - وهي حالة الفلاسفة الذين، على عكس أولئك الذين ذكرناهم للتو، سعوا إلى تحقيق تقارب معين بين التمشي المعرفي للفلسفة وتمشي المنطق والعلم - يمكننا أن نقول إن نقد أحادية برادلي وإعادة تأهيل التحليل الذي ينبثق عنه،
في ذهن راسل، وهذا أيضا هو الانطباع الذي يبدو أن فويلمان كان لديه عند قراءته، لا يمكن لهما إلا أن يشكلا، على وجه التحديد، خطوة حاسمة في هذا الاتجاه.
"إن المنطق الذي سأدافع عنه – كما كتب راسل – هو منطق ذري، على عكس المنطق الأحادي للأشخاص الذين يتبعون هيجل بشكل أو بآخر. عندما أقول إن منطقي ذري، أعني أنني أشارك الاعتقاد المنطقي بأن هناك عددا كبيرا من الأشياء المنفصلة؛ أنا لا أعتبر التعدد الظاهري للعالم متمثلا ببساطة في مراحل وأقسام غير حقيقية لواقع واحد غير قابل للتجزئة. ويترتب على ذلك أن جزء كبيرا مما يتعين علينا القيام به لتبرير نوع الفلسفة التي أرغب في الدفاع عنها يتمثل في تبرير عملية التحليل. كثيرا ما نسمع أن عملية التحليل هي عملية تزييف، وأنه عندما تقوم بتحليل كل ملموس معطى فإنك تقوم بتزييفه وأن نتائج التحليل غير صحيحة. ولا أعتقد أن هذا تصور صحيح."
إن تبرير عملية التحليل من شأنه أن يجعل من الممكن على وجه التحديد التأكيد على إمكانية وجود حقائق واقعية مصاغة حول شيء أقل من الكل نفسه، وهو ما يقدمه عنه العلم على الأرجح المثال الأكثر إقناعا الذي يمكننا الرجوع إليه.
صحيح أنه في ما يتعلق بهذا المسألة كما هو الحال مع عدد كبير من المسائل الأخرى، فإن الطريقة التي يصوغ بها راسل موقف برادلي ويناقشه ليست نموذجا للدقة أو حتى الصدق. كما يلاحظ ستيف كاندليش:
"من الواضح تماما، منذ الصفحات الأولى من كتاب مبادئ المنطق (1883، الكتاب الأول، الفصل الثاني،)، أن برادلي كان لديه، من وجهة نظر، صحيح أنها للامنتم، عظيم الاحترام العلم، مع التأكيد على أن القوانين العلمية، بسبب عالميتها، تقع على مستوى عالٍ في سلم درجات الحقيقة. […] يجب أن نكون حذرين […] من التفكير في برادلي كممثل للمثاليين البريطانيين. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن العلم، بالنسبة لبرادلي، لم يقدم نموذجا ولا مصدر إلهام للميتافيزيقا. في عصر التقدم العلمي المذهل، تم بناء الميتافيزيقا، مثل عصر راسل، بهدف واضح هو استيعاب الرياضيات والعلوم، ونشر المنهج العلمي في حد ذاته - الفلسفة، في هذه الأيام، في طور التحول إلى علمية ، كم يلاحظ – لا يمكن إلا أن تبدو أكثر ملاءمة للحياة الفكرية من الفلسفة التي ترتدي زي رؤية صوفية للوجود".
من الضروري حقا عدم الخلط بين مسألة الأهمية التي يجب الاعتراف بها للعلم (بشكل عام وبالفلسفة بشكل خاص) ومسألة معرفة ما إذا كان تمشيه يمكن أولا يمكن أن يكون بمثابة نموذج في معالجة الأسئلة التي تتعامل معها الفلسفة، بما فيها تلك التي تتعلق بالميتافيزيقا وبالتالي تعطي بسهولة الانطباع بأنها تضع نفسها مرة واحدة وإلى الأبد فوق العلم أو خارجه. إن فكرة راسل حول ما يجب أن يكون عليه منهج الفلسفة هي، في هذه النقطة، أقرب بكثير بلا منازع إلى فكرة برنتانو منها إلى فكرة فويلمان، باستثناء أنها أقل وسائل ومنهجية من العلوم الطبيعية أيضا مثل المنطق (الجديد) الذي من المفترض أن تستخدمه الفلسفة من الآن فصاعدا. ومع ذلك، فإن هذا لا ينتقص من واقعة أنه، بالطريقة التي عبر بها راسل عن نفسه في هذا النوع من المسلئل، يمكن أن يوافق فويلمان على أشياء كثيرة، بل ويمكن العثور لها في تجربته هو نفسه مع العالم الفلسفي والطريقة التي يتصرف بها ممثلوه في معظم الأحيان على صدى خاص.
في كتابه "الواقعية التحليلية" (1911)، يقدم راسل ملاحظة لم تفقد الكثير من أهميتها، حتى بعد مرور أكثر من قرن من الزمن، والتي من المؤكد أن الفلاسفة التحليليين ليسوا الوحيدين القادرين على استلهامها:
"أسيء استخدام الحلول البطولية في الفلسفة؛ لقد أهملنا العمل التفصيلي لفترة طويلة؛ كان لدينا القليل من الصبر. كما في الماضي في الفيزياء، نحن نستحضر فرضية، وعلى هذه الفرضية نبني عالما غريبا، لا نتحمل عناء مقارنته بالعالم الحقيقي. إن الطريقة الحقيقية، في الفلسفة كما في العلم، ستكون استقرائية، دقيقة، تحترم التفاصيل، ولا تؤمن بأن من واجب كل فيلسوف أن يحل جميع المشاكل بمفرده. هذا هو الأسلوب الذي يلهم الواقعية التحليلية، والذي من خلاله وحده، إذا لم أكن مخطئا، ستنجح الفلسفة في الحصول على نتائج قوية مثل نتائج العلم."
المثال الذي يفكر فيه راسل هنا هو كيف ساعدت نظرية الأنماط في حل "التناقضات" المفترضة للمنطق الرياضي. كتب: "لا أعتقد أن هناك تناقضات: التناقضات ليست سوى أخطاء، ولحلها لا نحتاج إلا إلى الصبر وعبقرية التحليل. لذلك ليس من الضروري الشروع في إنشاءات مفرطة وخطرة وهشة لمحاولة حل الصعوبات التي يستطيع التحليل المنطقي البسيط التغلب عليها، إذا خصصنا لها الوقت. مثل راسل، كان فيولمان محاضرة أكسفورد حذرا بشكل خاص من الإيماءات البطولية ونفاد الصبر، ومن الواضح أنه كان يفضل العمل الدقيق والمنهجي والبطيء. إنه لا يقبل الادعاء بأن الفلسفة في كثير من الأحيان يجب عليها قبول التأكيدات التي تظهر خارجيا كفرضيات، ولكنها تعتبر نفسها معفاة من المقارنة بالواقع. بل إنه يبدو مستعدا لاعتبار أنه من الممكن دحض "الفرضيات" الفلسفية من خلال واقعة أنها تتناقض مع ما يستطيع العلم، في أكثر حالاته تقدما، أن يعلمنا إياه في لحظة معينة عن الواقع. لكن جعل الفلسفة قادرة من الآن فصاعدا على إنتاج نتائج مؤكدة مثل تلك التي توصل إليها العلم يشكل، بوضوح، هدفا أكثر طموحا وأكثر إشكالية من نوع التحسين الذي يفكر فيه والذي يعتبره ممكنا وضروريا عندما صاغ تشخيصه للوضع الراهن للفلسفة الفرنسية. يجب علينا بلا شك أن نضيف إلى ذلك واقعة أن اليقين الأكبر أو الأقل للنتائج التي يمكننا أن نأمل في الحصول عليها يواجه حدا لا يمكن تخطيه في أي لحظة معينة، لأنه يرتبط جوهريا بالتبني السابق لنسق نعرفه أو على الأقل ينبغي أن نعرف أنه لا يشكل الخيار الوحيد الممكن. والآن يبدو أن الفلاسفة الذين حلموا، مثل كانط، بوضع الفلسفة أخيرا على "طريق العلم الأكيد" كانوا يعتقدون أن هذا الوضع لم يكن نهائيا وأن الانقسام والصراع ربما ينتهي يوما ما من خلال ترك مجال لشكل ما من الاتحاد والوفاق. وبعبارة أخرى، فإن الدرجة التي تكون بها الفلسفة قادرة على التشابه مع العلم هي بالتأكيد أقل بكثير مما يمكن أن نأمل إذا كان عدم اليقين الأساسي للنتائج المتوقعة يتكون على وجه التحديد من وجود تعددية غير قابلة للاختزال من المذاهب والأنظمة.
اعتبر برينتانو، كما رأينا، أن السمة المميزة لدخول الفلسفة إلى المرحلة الأولى من الانحطاط هي فقدان الاهتمام بوجهة النظر والتساؤل النظريين بشكل خالص، وما يصاحب ذلك من تراخ في متطلبات الصرامة الذي ينتج بشكل عام عن الأولوية للأسئلة العملية. في مرحلة الصعود، وهي مرحلة أفلاطون وأرسطو في العصور القديمة، من البديهي أن الفلسفة لم تكن فقط جزء من مشروع المعرفة بشكل عام، ولكنها شاركت أيضا بشكل مباشر في الجهود الرامية إلى اكتساب المعرفة العلمية بلواقع. ومع الدخول في المرحلة الثانية، تأخذ الأمور منحى آخر:
"المرحلة الثانية هي التي تشكل الشوط الأول من الانحطاط. يتم تقديم هذا الأخير في كل مرة عبر إضعاف الاهتمام العلمي أو تزييفه. أصبحت الآن الأسباب العملية من نوع ما حاسمة في المقام الأول للبحث. ونتيجة لذلك، لم تعد تمارس بنفس القدر من الصرامة والضمير. تفتقر الأفكار إلى القوة والعمق، وإذا حصلنا بدلاً من العمق على اتساع أكبر معين، وأصبحت الدوائر الأوسع جزءً من المذاهب الشائعة لطائفة فلسفية، فهذا ليس كل شيء، ولا حتى تعويض عن فقدان الطاقة العلمية بشكل صحيح.
من الواضح أنه ليس هناك شك، في ما يقوله برينتانو، في التقليل من فائدة وأهمية الأسئلة العملية والمعرفة العملية، ولكن فقط في رفض إخضاع المعرفة النظرية نفسها للدوافع والضرورات التي هي في الأساس ذات طبيعة عملية. علاوة على ذلك، لا ينبغي لنا أن نتصور فترات الانحطاط باعتبارها فترات تتخلى ببساطة عن "التنظير". على العكس من ذلك، قد تميل تماما إلى القيام بذلك، وحتى إلى القيام بذلك على نطاق واسع، مع إضافة، في بعض الحالات، الشعور والقناعة بالتنظير بطريقة “علمية” بشكل خاص. إن الفترات التي تشكل (موضوعيا) ، بمعنى برينتانو، مراحل انحطاط لا يُنظر إليها بالضرورة على هذا النحو، وتعاني بشكل خاص من نقص الاهتمام بالمعرفة والخصوبة في إنتاجها. إنها قادرة على وجه التحديد، من خلال استخدام موسع ومضعف بما فيه الكفاية لمصطلحات مثل "العلم" و"العلمي"، على اعتبار نفسها حقا فترات تقدم للعلم والمعرفة بشكل عام. في المرحلة الثانية من مراحل الاحطاط، مرحلة الشك، "يصبح العلم غير علمي" يفقد مع ذلك، بحق، الثقة التي لم يعد يستحقها. ولكن، كرد فعل ضد التشاؤم والانهزامية التي تميزها، فإن المرحلة التالية، كما وصفها برينتانو، تتميز بالأحرى بزيادة الثقة بالنفس والاقتناع بامتلاك وسائل المعرفة غير المسبوقة وقوة غير محدودة وتقريباً.
يمكن على أية حال أن تكون كل مرحلة من مراحل الانحطاط مصحوبة بادعاء معالجة المشاكل الحقيقية للفلسفة، أو في جميع الأحوال تلك التي من المحتمل أن تثير اهتمام أكبر عدد من الناس. وبنفس الطريقة، يمكن أيضا اعتبار ضعف الاهتمام بالدقة العلمية واختفاءه شبه الكامل في نهاية المطاف بمثابة تعويض مفيد عن طريق المكسب الكبير الذي يبدو أن الوعد بمزيد من الحرية والإبداع يمثله. وهذا أمر ليس من الصعب العثور على أمثلة ملموسة ومميزة عنه تماما في فترة تطور الفلسفة الفرنسية الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحاضر. يمكننا أن نقول، بطريقة معينة، عن فلاسفة مثل فويلمان وجرانجر إنهم أيضا وجدوا أنفسهم في البداية، مثل برينتانو نفسه، في مواجهة الحاجة إلى إعادة تأهيل العلوم والمعرفة والمعرفة العلمية الحقيقية في نظر الفلسفة، إلى النضال ضد هذا النوع من المعرفة (والأهم من ذلك، المعرفة "العلمية" الوهمية) التي تكون الفلسفة قادرة، في مراحل من الانحدار، على التفاخر، ومحاولة إيقاظ الأمل والرغبة في رؤيتها تنجح يوما ما في العودة إلى مرحلة كان من الممكن أن يصفها برينتانو بأنها صاعدة.
إذا حدثت الأمور كما تنبأ بها النموذج الدوري الذي يقترحه، فإن مرحلة من هذا النوع يجب أن تبدأ من حيث المبدأ يوما ما، مرة أخرى، بالنسبة إلى لفلسفة. ولكن يبدو أننا لا نستطيع أيضا أن نستبعد تماما احتمال أن يكون لفقدان هيبة العلم وتقليل الاهتمام بمشروع المعرفة عموما أن يضمنا في مرحلة ما جانبا لا رجعة فيه، من شأنه أن يُدخل حقا عنصرا جديدا في المعرفة، وأن يجبر الفلسفة على إيجاد أسباب للوجود لن يكون لها الكثير من القواسم المشتركة مع تلك التي كان من الممكن أن تتواجد فيها في مرحلة من النوع الأول. (لا يمكن للنموذج الدوري للتطور، بطبيعة الحال، أن يكون له أيضا مبرر استقرائي فقط، استنادا إلى ما كان عليه تاريخ الفلسفة حتى الآن، ولا يسمح لنا بالتنبؤ على وجه اليقين بالشكل الذي من المحتمل أن يتخذه التطور المستقبل.) قصد برينتانو، في "المراحل الأربعة للفلسفة"، معالجة مهمتين في وقت واحد: من ناحية، عرض النموذج الدوري، كما تم تمثيله على التوالي في العصور القديمة، والعصور الوسطى، والأزمنة الحديثة، ومن ناحية أخرى، توصيف الحالة الراهنة للفلسفة، تلك التي أعقبت انهيار الهيمنة التي مارستها الهيغلية على أشياء الروح ، كما لو أنها ربما تتوافق مع مرحلة انتقالية بين دورتين. أي شخص يتعهد بالقيام بشيء من هذا القبيل في الفترة الحالية، أي إعطاء وصف بسيط وعام بما فيه الكفاية للوضع الذي تجد الفلسفة نفسها فيه الآن، والذي يمكننا من خلاله المغامرة بصياغة تخمين معقول حول ما سيحدث على الأرجحلاحقا، سيواجه بوضوح صعوبات ذات نظام مختلف تماما، صعوبات تجعل المهمة للوهلة الأولى ليست غير واقعية فحسب، بل تكاد تكون مستحيلة. الشيء الوحيد الذي لا يمكن الشك فيه على أية حال هو أن الأولوية التي يعطيها برينتانو في الفلسفة، كشيء ينبغي أن يبدو أكثر أو أقل وضوحا، للاهتمام النظري والمنهج بشكل عام من شأنها أن تؤدي الآن إلى مطلب تبرير أكثر إلحاحا وأكثر صعوبة في إرضائه من الذي كان عليه مواجهته.
كما يشير كيفن موليجان، من الواضح أن تصنيف برينتانو لم يكن مصممًا ليجعل من الممكن صياغة تنبؤات دقيقة حول المستقبل القريب أو البعيد للفلسفة. وقد ذكرت أعلاه التفاؤل النسبي الذي أبداه بشأن الوضع الحالي والآفاق القريبة. لسوء الحظ، أتيحت له ولورثته المباشرين الفرصة ليعيشوا خلال حياتهم أعراض العودة، بسرعة أكبر مما كانوا يأملون، إلى مرحلة الانحطاط:
إن تصنيف برينتان للدقة والثرثرة والانتقالات بين الاثنين، وهو التصنيف الذي حاول جعله معقولًا من خلال "الاعتبارات المتعلقة بعلم النفس الثقافي"، لم يكن بالطبع يحتوي على تنبؤات. إن المحاضرات التي ألقاها برينتانو في فيينا حول هذا الموضوع والتي أشارت بوضوح إلى الوضع الفلسفي في ذلك الوقت أظهرت جميعها أملاً متفائلاً في بداية فترة جديدة من التطور. ومع ذلك، مات برينتانو وجميع طلابه تقريبا مقتنعين بأن فترة الوضوح كانت قصيرة جدا وأن الانحطاط بدأ يظهر نفسه مرة أخرى."
اختتم مؤلفو كتاب "ما العيب في الفلسفة المعاصرة وصفهم للوضع الحالي بذكر ما يجب أن يتغير حتى تتاح للأمور فرصة للتحسن. وهم يفعلون ذلك من خلال التذكير بأن الحالة الذهنية والاستعدادات التي تم التعبير عنها في المقطع المذكور أعلاه لراسل والتي يرغبون في رؤيتها تظهر مرة أخرى، كانت مشتركة إلى حد كبير مع الظواهر في بداياتها:
"إن الروح الرائدة الصادقة للمرحلة المبكرة والبناءة من الفلسفة التحليلية كانت لها أوجه تشابه وثيقة أيضا بين علماء الفينومينولوجيا الأوائل، لدرجة أنه قبل قرن من الزمان لم تكن هناك فجوة بين الاثنين. وهذه الروح بالتحديد هي التي يجب إحياؤها. يجب على الفلاسفة اكتساب وممارسة مهاراتهم التحليلية. وينبغي لهم أن يقدروا الفضائل النظرية المتمثلة في الاتساق، والوضوح التحليلي، والكفاية التفسيرية، والبساطة المقيدة، وأن يكونوا على دراية بالعمق والمزالق التاريخية للأفكار التي يتلاعبون بها، وأن يكونوا حذرين من الافتراض بأن كل ما هو جديد هو الأفضل. وعليهم أن يثقوا بالفطرة السليمة ويتجنبوا الهراء ويحذروا الشهرة. ولكن قبل كل شيء ينبغي عليهم أن يرفعوا رؤوسهم فوق الفلسفة: دراسة واحترام العلوم الجيدة والممارسات الجيدة، ومحاولة فهم مضامينها. ويجب عليهم، مثل العلماء، أن يتعاونوا مع بعضهم البعض ومع التخصصات الأخرى، وأن يسعوا للحصول على تمويل للبحث التعاوني، الذي يهدف إلى التنظير الذي يغطي نطاقا واسعا، باستخدام المهارات والمعرفة التي لا تتعلق بموضوع معين للانتقال من قسم إلى آخر في المعرفة. يجب أن يتعلموا كيفية تقديم الأفكار بوضوح لجميع أنواع الجماهير، وليس فقط لزملائهم المتحمسين للإسطبل المزيف. قبل كل شيء، يجب على الفلاسفة أن يكونوا متواضعين، في مواجهة التعقيد الواضح للعالم، ودقة أسلافهم الفلاسفة ومعاصريهم من غير الفلاسفة، وقابليتهم للخطأ. ولكن مع هذا التواضع، ينبغي عليهم أن يعقدوا العزم على اكتشاف الحقيقة، مهما كانت معقدة ومحبطة وغير سارة."
إن ما من شأنه أن يثير مشكلة في قائمة التوصيات هذه ليس هو أن بعضها، مثل تلك التي تدعو الفلاسفة إلى التعاون مع بعضهم البعض، ودراسة العلم واحترامه، أو الاحتياط من الحس المشترك، أو الاهتمام بالتخصصات الأخرى، يخاطر بإثارة مقاومة غريزية إلى حد ما لدى عدد كبير منهم. بل الحقيقة هي أن معظمهم مقتنعون بأنهم يقومون بالفعل تقريبا بكل ما يطلبه منهم المؤلفون في الفقرة المذكورة، حتى عندما يفعلون ذلك بالفعل، بضمير حي وببراءة عكس ذلك تماما. وهذا شيء أدركه برينتانو بالفعل. إن ما نفتقده بشدة في فترات الانحطاط ليس بالضرورة أشياء مثل الحب المعلن بشدة واحترام الحقيقة والعلم، بل هو القدرة على التحديد الصحيح لنوع الشيء الذي يمكن أن يدعي بشكل مشروع أنه يثيرهم ويستحقهم. ولهذا السبب ربما يمكن لنا أن نضيف تعليمات أخرى، أكثر جوهرية من عدة جوانب، إلى القائمة: يجب على ممارسي الفلسفة أن يحاولوا النظر أولاً وقبل كل شيء إلى ما يفعلونه بالفعل وأن يكونوا حذرين قدر الإمكان مما مالوا واعتادوا قوله عما يفعلونه.
المصدر: https://books.openedition.org/cdf/4936?lang=fr



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خريجو ومتدربو مركز التفتيش المتخصصون في المصالح المادية والم ...
- نبيلة منيب وعبد اللطيف اليوسفي يدليان بشهادتهما التأبينية في ...
- شهادة عبد اللطيف اليوسفي في الراحل بنسعيد آيت إيدر بمناسبة م ...
- تكريم المجاهد بنسعيد آيت يدر في مهرجان الاشتراكي الموحد بسيد ...
- بوزنيقة: دورة فبراير أبانت عن افتقاد المجلس الجماعي لتصور وا ...
- محمد بنسعيد آيت يدر : قصة معارض ثوري عاصر ثلاثة ملوك
- منظمة العفو الدولية تدين تمادي إسرائيل في استخدام القوة المم ...
- تفاصيل ملف اتهام البرلمان الأوربي المغرب بالتجسس
- اتحاد كتاب المغرب: تأجيل المؤتمر الوطني الاستثنائي وخوض معرك ...
- التجسس في زمن الثورة الصناعية الرابعة، بيغاسوس نموذجا
- تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء الثا ...
- طالبة مسلمة تتعرض للتنمر والاعتداء في مدرسة أمريكية
- تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء السا ...
- مترجم/ جودار باشا.. العبد المحررة رقبته والفاتح لطرق الذهب ع ...
- الممثل مايكل لونسدال.. طفولة مغربية بين الدار البيضاء وسجن ع ...
- الأنوروا غاضبة من تعليق عدة دول لتمويلاتها
- الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء – سطات تدا ...
- تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء السا ...
- رسالة مفتوحة من الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان إلى السي ...
- كلود لوروا: الفوز بكأس إفريقيا للأمم مرشح لأن يتأرجح بين الس ...


المزيد.....




- -لازم ناخد هبرة-.. السيسي يثير تفاعلا بتصريح خلال حفل لذوي ا ...
- منظومات Tunguska-M1 الروسية تثبت جداراتها في التعامل مع الدر ...
- لقطات جوية توثق كارثة بيئية في سوريا وأصابع الاتهام تشير إلى ...
- شاهد.. زعيم الحزب البرتغالي يتعرض لهجوم بالطلاء
- فوائد الليمون للجسم
- -أحدها الالتهاب الرئوي-.. مخاطر مهددة للحياة ترتبط بعدم تنظي ...
- العيون على رمضان
- كوبيانسك سوف تتحرر: القوات الروسية تتقدم
- ظنت أنها حوثية.. فرقاطة ألمانية تستهدف مسيرة أمريكية في البح ...
- ضابط أوكراني أسير يروي كيف هاجمت قواته مسيّرات صديقة لمنع اس ...


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء التاسع والأخير) أ