أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - هي مديح الكراهية / خالد خليفة















المزيد.....

هي مديح الكراهية / خالد خليفة


نصار يحيى

الحوار المتمدن-العدد: 7977 - 2024 / 5 / 14 - 16:24
المحور: الادب والفن
    


رأيته على شفا نبيذٍ
يعاقرُ هفيفَ ذاكرةٍ
ترتطمْ عناقيد كرمةٍ، تتبعثر..
الأخوات الثلاث (مريم، صفاء، مروة). الأعمى رضوان. كان الأب قد آواه من التشرد بين الازقة والجامع الأموي، حيث العميان يسكنون.
تأتي بنت إحدى الأخوات، تعيش هذا الوسط الحريمي، في المرحلة الثانوية من المدرسة. ستكون هي الساردة تتكلم عن كل الشخصيات، هنّ وهم أخوالها: سليم، بكر، عمر.
تظهر تلك الشخصيات على لسانها باعتبارها ضمير متكلم. تمثل السارد العليم بتفاصيل ضمائر الغائبين. مما سيشكل منصة حضور تفتقد للحوار، الذي يحتمل ممكنات تعدد حضور الشخصيات.
لماذا الساردة أنثى كضمير متكلم؟
خالد خليفة يحاول الإجابة عبر إطلالاته الإعلامية؛ لا يمكنك الغوص لما وراء الحجاب، بصفتك رجل حتى لو كنت الأخ الأكبر أو الأصغر، عداك عن الزوج.
هي وحدها تستطيع أن تسردَ لنا تلك العوالم: "عالم الحريم" المسكون بالممنوعات.
هنا وجه التحدي والمغامرة: الكاتب الرجل يستبطن عالم الأنوثة، تنوب عنه، تتكلم بصوته. ينطقها لغتها ومفرداتها. يحاكي جرأة غير معهودة في تناول الجسد المقموع؟
يعترض القارئ أن المرأة حتى في مثل هذه اللحظات من الحميمية الخاصة، تبقى مسكونة برقابة ضمير مثقل، ربما تتمرد تلك الرغبات الدفينة بين شطحات الحلم، حيث تنفلت بعض المكبوتات، حتى هنا قد ينقطع الحلم ويتحول إلى منغص لصاحبته (كابوس)، ببساطة هناك تجاوز للرقابة، للخطوط الحمر.
مريم الأخت الكبيرة -إحدى الخالات- تجعل من نفسها "حارسة الجسد":
تحاول -صفاء الاخت الوسطى- أن تتحرر قليلا من الثياب "الصارمة" داخل البيت..مريم تلوح بالعصا: سيأتي رضوان بعد قليل..رضوان ضرير ولا يرى..يا صفاء الله فوقنا يرانا..ألا يرانا الله عراة وفي كل الوضعيات والأشكال؟..تصمت مريم..
تعلق الساردة: أبقى وحيدة..أدخل إلى غرفة مريم..أقف أمام المرآة..أستعرض تفاصيل جسدي النحس، أتساءل كيف يموت الجسد؟
سيغدو "الجسد حزين" بتعبير ميشيل فوكو.
يأتي يوم الخميس تذهب الخالات وبنت الاخت (الساردة) إلى الحمام، يقودهم رضوان الاعمى. يتلصصنَ الطريق وأصحاب المتاجر من تحت الغطاء. (غطاء يرهن الجسد من أعلاه حتى أخمص القدمين).
رضوان الضرير، ينتظرهن على مدخل الحمام، نساء عاريات وشبه وراء هذا الباب. خرير المياه يدفع به كي يلتقط بعض الأنفاس الثكلى؟
لا يظهر عليه أية إشارة جنسية: لا أعرف أن الأعمى هو أيضا كما كبير الخصيان، عند الحريم السلطاني؟
-يظهر لاحقا أن هناك حب بينه وبين مريم، لكنه بقي طي الرسائل المقفل عليها-
قد تذهب بنا "السرنمات" إلى الملك أوديب وكيف فقأ عيناه، بعد أن ارتكب "زنا المحارم"؛ حيث اعتمد فرويد الاسطورة تلك، بما هي تعبير عن العقوبة القصوى (الخصاء)؟
لا يظهر رضوان أنه "أذنب" بحياته كي يكفّر عن ذلك بحالة من "العنانة" الجنسية.
وجود شخصية رضوان الأعمى أعطى السرد بعداً خاصاً. تأخذ الشخصية حضورها كما باقي المدعوين وأصحاب البيت.
أي نعم يتكلم عبر الساردة، لكن ذلك لايقتصر عليه. كمثل البقية، على علاقة تضايف مع الساردة.
"نحتاج الى الكراهية كي نجعل لحياتنا معنى"
تكرر الساردة أكثر من مرة: "أحتاج إلى الكراهية كي أصل إلى الحب" عمرها هنا 17 سنة.
هذا سيقودنا للوقوف أمام العنوان: مديح الكراهية.
يظهر للعيان السياق الدلالي لهذه المساكنة بين المديح والكراهية.
تبدو للوهلة الأولى أن الكراهية منوطة بالاسقاط السياسي من خارج السرد: ستظهر ملامح الصراع الدموي بين السلطة ممثلة بسرايا الموت (سرايا الدفاع) وبين الطليعة المقاتلة التي حملت السلاح، وجرجرت معها الجماعة الاصلية (الإخوان المسلمين).
سرايا الموت تعيث فسادا وعنجهية، تسعى لاستباحة المدينة (حلب). يظهر ذلك من خلال رموزها، الضباط الذين هم على رأس الهرم.
الطليعة المقاتلة تعلن ساعة الصفر، عبر تلك المجزرة المروعة لطلاب الضباط (مجزرة المدفعية). ينتمون الى لون طائفي محدد (طائفة النظام).
يدخل السرد هنا في زمانية خاصة به؛ لكنها ليست ببعيدة عن الزمن الواقعي.
لا تسلسل مرتبط بالحدث الواقعي؛ وهذا من طبيعة العمل الروائي.
أقصد هنا، عندما يذكر حماه ومأساتها، يظن القارئ أننا بعدنا بين عامين 79 و80. واقع الحال كما هو بات معروفا. تدخل حماة نفق الموت والقتل المتبادل بين الطرفين المتصارعين في شباط 82. تنتصر السلطة، وكانت سرايا الموت رأس الحربة التي فتكت بالمدينة.
الكراهية هل تحتاج للمديح؟
لطالما تحاول الدراسات التحليلية النفسية، الغور خلف الدلالة: ثنائية الحب والكره..والرواية لم تبتعد عن ذلك الغور. مثل الاقتباس الذي ظهر فوق "أحتاج للكراهية كي أصل إلى الحب..".
لطالما يذهب الغوص نحو النرجسية، خاصة عند شعور الأنا الفردية بالخطر.
الخطر هنا يأخذ أبعادا جمعية "الطائفة"، لذا من الطبيعي أنّ الأنا تنغرس بالهوية الجماعية، حالة حماية وشعور بالتفوق.
من ناحية وجودية، تؤسس لنفسها الثنائية (الحب والكره): دعوة لإحياء هوية أصلية "الأكثرية" أمام أقلية تغتصب الوجود الشرعي التاريخي "للطائفة الأمة".
والانتصار قاب قوسين:
بَكر الخال، أهم أمراء الطليعة في المدينة، كانت تنتابه تلك الآمال بقرب الانتصار. زوجته زهرة تقول للساردة، كنت أصدق صوته الهامس، حين يتحدث بثقة عن دولة الإسلام المقبلة، حيث كل شيء سينضحُ طهراً ويشعشع كبلور..
اما هي الساردة، يتملكها الشعور بالانتصار -بعد مجزرة المدفعية واشتداد الصراع- "كل يوم نحس أننا اقتربنا من حجنا الأخير، حيث روح رسول الله، سيخرج لاستقبالنا مباركاً قوتنا، و بذراعيه النقيتين سيسلمنا مفاتيح الجنة..". ملحوظة صغيرة هنا: الروح عائدة للرسول، ظهرت بصيغة المذكر، للربط بين شخص الرسول وروحه.
تأخذ الكراهية أبعادها في الرواية، بما هي حالة وجود تتناسل مع المزيد من الشعور بالاضطهاد، تمارسها طائفة النظام.
الدكتور الجامعي عبد الكريم الدالي -يتبين أنه من الطائفة الاخرى- يتم اغتياله، يضيع دمه بين المتصارعين. كان يعارض كلا الجهتين (النظام والإخوان)، يرفض دخول الطلاب المظليين بلباسهم العسكري.
ماذا تعلق الساردة على اغتياله؟
يجب منع التعاطف معه، الكراهية هي سلاحنا الكبير التي تجعل الاغلبية تدافع عن طائفتها ضد الأقلية الحاكمة.
رغم هذا الجدار الطائفي الشديد. ستظهر ثغرة ما في هذا الجدار:
مروة الاخت الصغرى عاشقة الفراشات المحنطة، تلتقي بها الصدفة بالضابط نذير المصري، أثناء تجواله التفتيشي للبيت، تُنسجُ خيوط "الهوى"، بينه ومروة.
ظهرت وكأنها حالة من "كسر الروتين"، ثم سلطة الضابط المتاح له كل شيء، إنما يتبين أن التعلق بات حميمياً. يحاول بكر عبر جماعته فرض الحصار ووضع مروة داخل "القفص" الحديدي. لكن للحب سيرته التي تتمرد على أقفاص بكر والطائفة الاخرى.
سيكون لهذه تداعيات من ناحية الساردة، بعد أن تخرج من السجن وتعيش "الردة"، تنتبه لهؤلاء حيث تزورهم في "قريتهم". تتعرف في البداية على أبيه الشيخ عباس، تقترب كثيرا منه، يتباريان بأشعار أبي العلاء المعري.. تتعرف على صديقات خالتها مروة: " يرحبن بقدومي يصطحبنني الى الشلالات القريبة..تخلصت من مشاعر الذنب التي انتابتني بأول زيارة..كيف كنا سنقتل كل هؤلاء البشر الذين تنضح العذوبة من أيديهم..".
نذير الزوج الذي سيتمرد على قرار سيد سرايا الموت؛ هما من الدفعة نفسها ومعارف الطفولة.
يطلب منه مع آخرين بعد محاولة اغتيال "الأخ الأكبر"، الذهاب إلى السجن الصحراوي والانتقام من الأحياء هناك.
يرفض وبإصرار، يقول لنفسه: "لم أقفز المظلات لكي أحاصر المدن وقتل المدنيين.."
تلك الزمالة الاولى والمنشأ المشترك بينه والقائد، شفعتْ له:
تم الاكتفاء بتسريحه وحرمانه من "نياشينه العسكرية".
يعود للقرية فلاحا يحرث "الفراشات"، خلف أشجار الحمضيات المتناثرة بين "الحاكورات".
هناك شخصيتان نسائيتان، كلاهما تحمل لقب الحجة:
الحجة رضية تهوى رابعة العدوية تسكن في ظلالها وماتعني من تداعيات..
الحجة سعاد، ممن تقود إحدى الأسر التنظيمية المقاتلة من الاخوان المسلمين (الطليعة المقاتلة)، مسكونه بزرع الكراهية للطائفة الاخرى.
رابعة العدوية رمزا للتفاني بالعاشق الغائب، تناجي الله المحبوب كلما اقترب الغسق محلقاً جناحيه: "أنارت النجوم .و أغلقت الملوك أبوابها..ها أنذا بين يديك"..تجعل من الحجة رضية حالة خاصة من الإيمان وحب الآخر، لا يجد الكره "ضالته".
ستغدو حلما جميلا للساردة، تسعى للاستنجاد به، كلما ضاقت بها "الشدائد" وزاد حرمانها الجسدي، كلما أمطرتْ مريم وسعاد عليها بالتكفير عن خطايا الجسد.."ألتقيها، أراها تخرج للتو من الملكوت..أمد يدي إليها أسألها أن تأخذني معها..عمديني بالماء المقدس واتركيني على ضفة الله وحيدة..ثم أعيد السؤال: هل رأيت وجه الله؟
..أين وجه الله يا رابعة؟..وحيدة في حقول الفستق والنخيل.."
تستدعيها أيضأً، حينما تتعرض للتعذيب في بواكير اعتقالها: "تمددتُ على الأرض وانهالت السياط على جسدي..رابعة العدوية ترفرف كطير أبيض..ألحق بها فتحيطني الخفافيش التي لها شكل سكاكين".
/يخرج السرد عن قساوة المكان (التعذيب)، يضفي مجازا شاعرياً، لكي تتمرد اللغة على جلاوزة الواقع/
الحجة سعاد على العكس تماما من الحجة رضية. تحلم بالقريب العاجل من الخلافة الاسلامية، حتى لو "استشهدت" فالرسول ينتظر محبيه؟
المتخيل الديني للجنة، هل يسمح للنساء بمساواتهن مع الرجال بلقاء الحبيب الرسول؟
رب قائل أن النساء في الجنة هن حوريات، لخدمة الضجيج الجنسي للرجل الذي يزداد شبقاً، ولا يرتوي!!.
ستكون هي "أميرتها" للساردة، تلتقي بها يوميا في البداية.
/يستعمل الكاتب أحيانا مفردات مثل الخلية أو الرفاق؟
الإخوان المسلمون ينطلقون من مبدأ الأسرة والاعضاء هم أخوة وأخوات كما العائلة الحقيقية/.
تعدد الامكنة جعل من الساردة صدى مستبطن:
المكان الأول بيت الجد (يقتصر على الخالات ورضوان الأعمى).
الساردة في مرحلتها قبل الثامنة عشر من العمر.
تدخل مرحلة التابوهات، تتأسس على فكرة احتقار جسدها، بلغة أخرى يطرق الاغتراب رغباتها الجنسية:
مريم الخالة حارسة "الحلال"، بوابة الزواج الشرعي؛ هي لم تحصل عليه، لذلك بقيت لاتعرف ماهو الجنس. ربما تسترق السمع لبعض أحاديث المتزوجات وهن في حمام السوق: عن صرخات النشوة وآهات الذروة.
الرغبة الجنسية تبحث عن متنفس لها: تجد الساردة نفسها في عالم الشهوة المحرّم، حالة من الاستيهام ما يشبه العادة السرية، مع صديقتها في المدرسة غادة، تستحضر إلى سريرها صورتها: "مددتُ أصابعي إلى فستانها الأزرق..أسدلت الستائر، تعريتُ تماماً..أداعب ثدييها.."
تنتفض الساردة على حين غرة: ماهذا "الكفر" علي أن أبدأ طريق الخال بكر، أنها الخلافة الاسلامية الموعودة، يجب أن نبدأ بسحق الطائفة الاخرى، كي نرصف طريق العبور إلى هناك حيث الرسول ينتظرنا.
تتكرر مع الساردة الشهوة المحرمة، إنما الان بمكان آخر مهيأ أكثر للنكوص، إنه السجن:
في السجن إحدى الماركسيات المعتقلات ، تصبح صديقتها المقربة، سلافة القادمة من مدينة السويداء، لديها حبيب يعيش خارج القضبان (مضر)، يتركها لمصيرها، يتزوج إحدى بنات الضباط؛ يريد الحماية من السلطة.
مضر يغدو موضوعا جنسيا متخيلا للساردة، مع وجود سلافة، يتهيأ للقارئ أنه أمام جنس ثلاثي الاطراف كما "فيلم بورنو".
أعتقد هنا أن الجرأة لدى خالد خليفة وصلت إلى مكان غير متعارف عليه في السردية الروائية العربية، خاصة تلك التي تزعم أنها داخل "المحصنات"..
المكان الثاني السجن
مرحلة المراجعة ونفض اليد من مفردات الكراهية (مراجعة شاملة لكل معتقداتها السابقة).
لطالما بات التعلق بالأنا هنا، هو عودة الاسترخاء، ينتصر حب الأنا، قد يجد له الكره مكان في نبذ الماضي. تنسج علاقات طبيعية مع الماركسيات (سلافة) ورفيقاتها، قبل السجن كانت تعتبرهم مثل طائفة النظام اعدائها، وهم كفرة ويجب وضع الحد عليهم.
في العشرة الأيام الأخيرة قبل الإفراج، تعود بها الحياة "للمرحلة الايمانية"؛ كانت قد انقطعت ثلاث سنوات.
ترصدُ الساردة تفاصيل مهمة، وقع ذلك على "الأخوات"، من خلال بثينة إحدى المعتقلات الاسلاميات:
"إن الله لا يتقبل صلاة الكافرات..". بقيت في السجن سبع سنوات ونصف.
-وكانت قد خلعت الحجاب-
المكان الثالث لندن، الهجرة والدراسة.
بكر خالها هناك يقوم بمراجعته للمرحلة العنفية من حياته السياسية، لكنه لم يغادر كما هي "القاعدة العامة الايمانية".
هي تعيش حالة اللايقين ؛ خلعت "اسلاميتها" العنفية وأخواتها من طقوس وعبادات؟
لطالما تلك المرحلة الايمانية تذّكرها بثقافة الكراهية. تلك الثنائية الضدية إما نحن "الصفوة" وإما هم "أهل الكفر والبدع".
سوف تسأل نفسها عن تلك الاستعارات؛ تقصد تأتيها من علٍ، أوامر النهي والواجب حسب معيار محدد لصاحب "الإمارة" الموعودة. " حياتي مجموعة استعارات من آخرين..اختاروا لك الهاً كي تعبده، وتقتل من يخالفك الرأي..".
النهاية المتزامنة مع السكن في الهجرة، تعكس الحالة الوجودية لاختمار الرحلة، بين فتاة في صباها تعيش ظلال المحرمات الجسدية. الطريق إلى الكراهية، عندما تزحف المرحلة الدموية بين طرفين إقصائيين: من تسكنه المظلومية التاريخية على اعتبار أنه الأكثرية الدينية، وسلطة تمثل الأقلية، وتعتبرها الاكثرية، مارقة على الدين والله والوطن.
أما السجن فهو محطة العبور، إلى السؤال: يجب علي أن أعرف؟
ثم انفض كل استعاراتهم.
لكن المنفى الاختياري (لندن) له أنينه ومتعه الخاصة. يخرج الجسد على مصراعيه نابذا الألقاب القديمة، خاصة الحجاب؛ بدأتْ بذلك في السجن.
هي تقترب من منتصف الثلاثين من العمر، والجسد تسكنه الاستيهامات لكل الرجال الذين تعرفت عليهم، من حراس السجن إلى دكاترة الجامعة وما بينهم من الطلاب زملاؤها، تختلط الاستيهامات مع الثنائية الجنسية نحو غادة صديقة المدرسة، سلافة "حميميتها" في السجن.
يسأل الجسد صاحبته: إلامَ أبقى أسيراً ثنايا الرغبة المتخيلة؟
لن يجد الجواب.
سوف تنهي سردها وهي في تلك المدينة (لندن): "..وعدتُ وحيدة إلى وسط لندن، هبط الظلام ومازلت أحسُ بالخدر في أقدامي وجسدي، وحيدة أبحثُ عن صور الموتى واستعارات كي أتبادلها مع الآخرين كسحلية دميمة وعذراء".
لريثما ينتظرنا البوح السردي لخالد خليفة، والأسلوب الذي يعتمد؟
في كثير من الاستحضارات، تجد نفسكَ كقارئ أمام حالة من حالات تيار الوعي، بما هي استدعاء للماضي عبر لحظة حاضر ما:
الكلام عن الجد، حيث تلك الرحلة الشتوية برفقة خليل سائق العربات..كانت الساردة تتمدد قرب خالتيها مروة وصفاء بالسرير..تتذكر صورة رحيل الجد..تنتبه للتاريخ فتذكر عام 1945..ينتبه القارئ لتلك الحكاية التي سترويها بين خليل وزوجة الخال (وصال) ستكون أما لزهرة زوجة بكر خالها الذي انتفض قليلاً على الجماعة.
هذا الاستحضار للماضي جعل القارئ يسترخي خارج "عتمة" البيت، من ثم "ومضة شمعدان". تضفي حالة من الروي مسكونا بتخييل سردي، يجيده دائما خالد خليفة.
أيضا في سياق الكلام عن سجن النساء..ينزاح الزمن المعاش إلى زمن آخر: كيف بنى أحد الولاة العثمانيين، هذا القصر، بعيداً عن المدينة، كي ينفرد بزوجته الشركسية، لديها رغبة متأججة، يخشى عدم إشباعها؛ القصر "المنفى"، يجعلها بعيدةً عن شهواتها، بالبحث عن معجبين جدد.
قبل الختام ببضع كلمات:
أجاد خالد خليفة السرد على التوثيق (الصراع الدامي بين عامي 79-82) لمرحلة مهمة من تاريخ المدينة السورية، إنما لحلب مدينته المكانة القصوى.
وثيقة سردية وليست تاريخية، جعلتنا كقراء نصغي ونشارك "همهمات" الكراهية، ذبذبات الحنين لمكان هادئ خارج هذا "الدم" المتراكم بين الطوائف.
هناك خيط روائي عن صهر العائلة عبدالله اليمني، زوج الخالة صفاء، اليساري السابق، والمجاهد الراهن ضمن ما يسمى: المجاهدون العرب الأفغان.
تستفيض التفاصيل عن المواجهة الدامية بين حكومة أفغانية، نصبتها الدبابة السوفيتية عام 79. وبين مجاهدين من كل حدب وصوب رفعوا راية الله أكبر. توجَ الانتصار بالانسحاب النهائي للسوفييت عام 89. تأسيسيا لاحقا بحكومة طالبان عام 96، ثم إعدام الرئيس محمد نجيب الله.
هل تقول الرواية هاهنا: انهزمت "الصحوة الاسلامية" في سوريا، كي تعاود انتصاراتها "المذهلة" في أفغانستان؟
أم يقصد تلك الانزياحات بين ماض يساري وحاضر مجاهد (الصهر)؟
هي أسئلة تنهل من سياق خارج النص، قد يجد قارئ آخر "سلواه" بالتركيز على هذا الخيط.
الساردة بقيت دون اسم، نتعرف عليها باعتبارها تروي وتتكلم.
"بحبشت" طيلة سردها، كي أجدَ من يناديها باسمها، من خالاتها وأخوالها والحجتين رضية وسعاد،عداك عن غادة "خليلتها" المتخيلة، إلى سلافة صديقة السجن..إلى..؟
سأذهب معه وافترض أنها حالة من الفجوة الدرامية، التي تدعونا كقراء على مائدتها، نحتسي بعض الكلام المعتق ثنايا "السيرة الدامية".
الرواية عبارة عن اربعة فصول: نساء يقودهم أعمى. فراشات محنطة. رائحة البهار. السماء تمطر عسلاً.
خاتمة الرواية:
دمشق 2005



#نصار_يحيى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شذرات.. مع جورج طرابيشي
- منمنمات تاريخية للكاتب السوري سعد الله ونوس


المزيد.....




- هيئة محلفين تدين ترامب بجميع التهم الموجهة إليه في قضية المم ...
- -كتاب المغرب-يلوح بالقضاء ضد مشاركة عضوين باسمه في مؤتمر - ا ...
- شاهد حالاً.. مسلسل صلاح الدين الأيوبي الحلقة 26 مترجمة على ق ...
- “الحَلقة الجَديدة” مسلسل قيامة عثمان الحلقة 162 عبر قناة الف ...
- -بلومبرغ- تتحدث عن صفقة كبرى ستقلب الموازين في عالم الفن
- الان ثبت تردد قناة الفجر الجزائرية الناقلة لمسلسل قيامة عثما ...
- أحداث الحلقة الجديدة ..مسلسل قيامة عثمان الجديدة مترجمة على ...
- متحف السليمانية في أمسية ثقافية
- تتويج الكاتب عبد القادر الشاوي ومعهد ثيرفانتيس بالمغرب بجائز ...
- -الإقناع العاطفي في خطاب الحملات الانتخابية- كتاب للباحثة ال ...


المزيد.....

- حكايات أحفادي- قصص قصيرة جدا / السيد حافظ
- غرائبية العتبات النصية في مسرواية "حتى يطمئن قلبي": السيد حا ... / مروة محمد أبواليزيد
- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - هي مديح الكراهية / خالد خليفة