أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبدالرحمن مصطفى - هل الديالكتيك الماركسي مفيد في التقدم العلمي؟















المزيد.....

هل الديالكتيك الماركسي مفيد في التقدم العلمي؟


عبدالرحمن مصطفى

الحوار المتمدن-العدد: 7998 - 2024 / 6 / 4 - 02:54
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الماركسية بحسب أصحابها ليست مجرد فلسفة نظرية تتعالى على الواقع والتاريخ ،بل هي نظرية علمية تعكس قوانين العالم الطبيعي والاجتماعي فهي ليست مجرد فلسفة سلبية تختص بالنفي وتحديد نطاق ادراكاتنا (كحال فلسفة كانط والفلاسفة التجريبيين) بل هي تقدم رؤية عيانية للواقع والتاريخ .المادية الجدلية تقوم على أقانيم ثلاثة هي درة الفلسفة الجدلية الهيجلية والتي تعود بجذورها الى فلاسفة الإغريق القدماء كهرقليطس وحتى أفلاطون بفكرة الجدل الصاعد والجدل الهابط ،وهذه الأقانيم هي وحدة الأضداد ونفي النفي وتحول الكم الى كيف ،هذه المبادئ تغطي جل الجوانب المعرفية من علوم طبيعي وعلوم اجتماعية وإنسانية وفقاً للرؤية الماركسية ،والماركسية بذلك تحاول أن تربط بين المراحل التاريخية الكونية المختلفة فهي لا تنظر للمستوى الفيزيائي بمعزل عن المستوى البيولوجي أو حتى الاجتماعي البشري ،لهذا تصنف الماركسية بأنها من الفلسفات التي تسعى الى توحيد المعرفة بمختلف صنوفها كما كان يسعى الى ذلك فلاسفة ليبراليين مشهورين كبرتراند راسل وبعض الفلاسفة الانجلوساكسون ،وبهذا يمكن فهم شمول مبحث التاريخ لمختلف صنوف المعرفة في الفلسفة الماركسية ،فكل علم مرتبط عضويا بالتاريخ سواء كان تاريخا كونيا أو بيولوجيا أو تاريخا انسانيا .
رغبة الماركسيين بتوحيد المعرفة البشرية ببعض المبادئ الفلسفية العامة عرضها لنقد من تيارات فلسفية وأيديولوجية مختلفة كالفلاسفة الوضعيين والوجوديين بل حتى من بعض المفكرين الماركسيين كسمير أمين كما وضح ذلك وبصورة تفصيلية في كتابه نقد التمركز الأوروبي ،فقد اعتبر سمير أمين أن انجلز انفصل عن ماركس في مسعاه لتوحيد العلم الطبيعي مع المعارف الإنسانية والاجتماعية ،بينما كان جل تركيز ماركس على حقل المادية التاريخية ،فماركس لم يكن من الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين يرومون الى تفسير كل شيء في الكون والحياة كما كان عليه الحال في العصور القديمة والوسيطة ،ففلاسفة الإغريق القدماء كأرسطو وأفلاطون وفلاسفة العصور الوسيطة كتوما الأكويني وابن سينا لم يحصروا أنفسهم في مجال معرفي معين بل كانت فلسفاتهم كلانية تشمل مختلف جوانب المعرفة الإنسانية ،ففي تفسيرهم للكون والحياة ؛ نعثر على نفس المبادئ كما في تفسيرهم للمجتمع الإنساني وهذا ما نكتشفه في فكرة المدينة الفاضلة لأفلاطون وللفارابي ،فالبشر وفقا لهذه الفكرة مقسمون (طبيعيا وفطريا) دون أي إمكانية لتجاوز هذه المراتب ،فالتجار يولدون بالفطرة كما الجنود والملوك الخ..وهذه المهن والمراتب مقسمة بحيث تعكس الترتيب الانطولوجي والكوني ،فمرتبة الآلهة تساوق الملوك في المدينة الفاضلة الأفلاطونية أو الفارابية ، وبذلك لا نجد فصلا بين المعرفة الطبيعية والاجتماعية ،وبذلك اعتبر سمير أمين أن فلسفة المادية الجدلية بمسعاها الى تأطير العلوم الطبيعية والاجتماعية ببضعة مبادئ عامة لا تختلف عن الفلسفات الميتافيزيقية القديمة وتتعارض مع روح العصر الحديث وفلسفة العلم المعاصرة التي تقتضي أن تكون المعرفة مجزئة فكل مجال معرفي له قوانينه الخاصة والتي لايمكن أن تتشابه مع قوانين الحقول المعرفية الأخرى ،وهذا ما نجده في العلوم الطبيعية بصورة أكثر وضوحا ،فلا يمكن أن نفهم المجتمع البشري وتعقيداته بقوانين الفيزياء الميكانيكية كما كان الأمر في زمن نيوتن عندما سعى العديد من الفلاسفة الى فهم المجتمع البشري وما يترتب عليه من نظرة معيارية تستهدف تغيير المجتمع وليس فقط وصفه الى تطبيق ميكانيكيا نيوتن على مجال علم الاجتماع كما هو الحال بالنسبة الى الفيلسوف الانجليزي هوبز ، الذي شبه الكائنات البشرية بالذرات وبذلك يمكن أن نتوقع المستقبل بالاعتماد على فيزياء نيوتن .
خلاصة هذا النقد ، أن خلط المجال الطبيعي بالاجتماعي والذي تستخدمه الماركسية في أحيان لنقد الفلسفات الأخرى خصوصا الفلسفة الوضعية يرتد عليها ،لأنها تحاول أن تجمع العلوم الاجتماعية والطبيعية في بوتقة واحدة وهو ما لا يستقيم مع تطورات العلوم الحديثة وتفرعها بالاستناد طبعا الى التطورات الدراماتيكية التي طرأت على تاريخ الكون والحياة والاجتماع البشري ،فالمبادئ الفلسفية الحاكمة في كل مجال علمي تختلف عن المجال الآخر ،لذلك لا تعدو محاولات توحيد العلوم والتي تبناها العديد من الفلاسفة من مختلف الاتجاهات على أن تكون مساع عصرية في ثوب قديم ،فهذه المحاولات هي استمرار لنسق الفلسفات الميتافيزيقية القديمة والتي سعى روادها الى تفسير كل شيء اعتمادا على عدد قليل من المبادئ وذلك دون الشروع في أي محاولة لسبر أغوار كل مبحث علمي واكتشاف قوانينه بالاعتماد على الدراسة الموضوعية لخصائصه وليس انطلاقا من أفكار مسبقة وهذا نقد آخر دونه مفكرون لفلسفة المادية الجدلية وبالاعتماد على مبادئ الفلسفة المادية ذاتها ،فالفلسفة المادية تقتضي أن تكون الفكرة لاحقة على الواقع وليس العكس ،لهذا لا تستقيم محاولات تأطير العلوم بمختلف فروعها ببضعة مبادئ فلسفية وهذا ما يتعارض مع الفلسفة المادية كما يقول الراحل فؤاد زكريا في كتابه أراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة وتحت عنوان هل يوجد ديالكتيك للطبيعة ؟ وفي هذا الفصل الذي وضح فيه نقاط الخلاف بين الوجوديين والماركسيين يقول ((وفي اعتقادي أن أية مناقشة جدية لموضوع ديالكتيك الطبيعة ينبغي أن تبدأ بالسؤال الآتي: أيهما أسبق، الواقع أم الفكر؟ من الواضح أن الإجابة الماركسية عن هذا السؤال تؤكِّد أسبقية الواقع على التفكير، وهذا بدوره رأي قد لا يختلف عليه الوجوديون من أمثال سارتر، ولكني أعتقد أن الالتزام الدقيق لمبدأ أسبقية الواقع على الفكر كفيل بالتشكيك في فكرة ديالكتيك الطبيعة، أو على الأقل يجعلها فكرةً عقيمة أو إطارًا فارغًا غير مثمر، وسوف أحاول في هذا الجزء النقدي من المقال أن أثبت هذا الرأي.
إن القول بأن الديالكتيك قانون للطبيعة، يعني أن فهمنا للطبيعة يصبح متوقفًا على قانون فلسفي، أي إن العلاقة بين الفكر والواقع قد انعكست، بحيث أصبح المبدأ الفكري أساسًا وشرطًا لفهم الواقع، وهذا يستتبع تغييرًا مناظرًا في فهمنا للعلاقة بين العلم والفلسفة؛ إذ إن المعرفة العلمية تصبح عندئذٍ متوقفة على المعرفة الفلسفية ومعتمدة عليها، بحيث لا يتمكن العلم الطبيعي من السير في طريقه إلا بعد استيعابه لمبدأ رئيسي في الفلسفة، ومعنى ذلك أن الفلسفة لا تعود لاحقة أو تالية للعلم، وإنما تصبح متغلغلة في صميم العلم، تكون شرطًا سابقًا للعمل العلمي ذاته، وهكذا يبدو أن هناك تعارضًا أساسيًّا بين مبدأ أسبقية الواقع على العقل، وبين مبدأ «ديالكتيك الطبيعة»، الذي يفترض مقدمًا وجود صيغة فلسفية تُعَدُّ شرطًا ضروريًّا لكل كشف علمي لأوجه الواقع، وكلا المبدأين السابقين ماركسي كما هو معلوم، فهلا يحتم الاتساق الفكري إذن التضحية بأحدهما في سبيل الآخر؟))
وهذا النقد يعتبر في صميم الفلسفة المادية الجدلية لأنها تعتمد مبدأ أسبقية الواقع على الفكر وليس العكس أي أن هذا النقد داخلي وليس خارجي من فلسفات واتجاهات أخرى ،فإذا كانت الماركسية تلتزم بمبدأ أسبقية الواقع على الفكر لا يصح مع ذلك أن تُشرح العلوم الطبيعية بالمبادئ الديالكتيكية الفلسفية .
وينبغي أن يُترك العلم للعلم لكي يقرر أي المبادئ مطابق فعلا للواقع ويصح أن يطلق عليه مبدأ علمي ،وبغير ذلك تصبح قاعدة أسبقية الواقع على الفكر بلا أي معنى ،لكن مشكلة هذا الطرح أنه يصور كما لو أن هذه المبادئ الديالكتيكية جاءت من العدم أو من التفكير العقلي المحض ،وليس من الممارسة والتجربة التاريخية الطويلة للجنس البشري ،وتأريخ الماركسيين للفلسفة الجدلية من ديمقريطس الى هيجل وماركس وانجلز يعكس طبيعة هذه الفلسفة وأنها ليست نتاج لتفكير عقلي مجرد ومبادئ في الهواء دون أي أرضية تسندها وتدعمها ،فهذه المبادئ ليست معزول عن سياق التجربة والممارسة العملية
وهي أشبه بالبديهيات التي يتم تعقلها تدرجاً وبفعل تطور المعرفة العلمية ،فقانون القصور الذاتي الذي اكتشفه غاليليو يعبر عن العلاقة الجدلية بين الأجسام ،وأن الأجسام ليست معزولة عن بعضها البعض كما كان يتصور فلاسفة الإغريق ذلك في القديم بوجود ميل طبيعي في الحجر مثلا تجبره على الالتصاق بالأرض وليس بفعل تأثير الجاذبية ،قانون القصور الذاتي هذا يعبر عن قاعدة التأثير المتبادل بين الأشياء وأن هذه الأشياء في حالة ترابط (ووحدة) وليست مستقلة في ذاتها ،كذلك الأمر بالنسبة لمدأ نفي النفي فهو يعبر عن مسار تطوري للكون والمادة والحياة والمجتمعات الخ...
وهكذا ،يمكن اعتبار هذه المبادئ الديالكتيكية بمثابة قاعدة عامة لآلية التفكير العلمي الحديث الذي يربط بين الأشياء والأحداث ولا يقدم تفسيرا لاهوتيا وميتافيزيقيا معزولا عن قاعدة التأثير المتبادل بين الأشياء والأحداث ،وهذه المبادئ من العمومية لدرجة أنها لا تفيد عالم الطبيعة في بحثه فهي بالنسبة اليه أشبه بالبديهيات وبالقواعد الأساسية التي لا يمكن أن يباشر العالم بحثه بدونها ، فهل يمكن دراسة الفيزياء أو البيولوجيا بدون أخذ في الاعتبار بأن التغير والتطور يشمل كل شيء ، أو أن هناك علاقة تأثير متبادل بين البيئة والكائن الحي أو المجرات والمجال الكهرومغناطيسي وحركة الجسم مع مفعول الجاذبية؟! لذلك هذه المبادئ لايمكن أن تقدم أي جديد لعالم الطبيعة في بحثه فهي بالنسبة اليه ك 2 +2 =4 بالنسبة لعالم الرياضيات ،لهذا تكون هذه المبادئ مركونة في لاوعي العالم الطبيعي عند شروعه في اكتشاف قوانين الطبيعة ، فهذه المبادئ الديالكتيكية هي قواعد التفكير العلمي والحديث لا أكثر من ذلك .
ومبادئ الديالكتيك تشبه قواعد المنطق الأرسطي (عدم التناقض والسببية الخ..) باستثناء أنها أقل عمومية من المبادئ الأرسطية وكما أشرت يمكن اعتبارها كمبادئ العلم الحديث وآلية اشتغاله وعمله ، وبدونها لا يمكن أن يصح أي قانون علمي حديث ، فهذه المبادئ الديالكتيكية هي النقيض للمبادئ الميتافيزيقية القديمة التي كانت المنهج المتبع في الفلسفة الإغريقية القديمة وفلسفة العصر الوسيط في العالم الغربي والإسلامي كما في كل بقاع العالم والتي كانت تصور نظاما طبيعيا ثابتا لا يتغير يعكس نظاما طبقيا صارما يرتكز على فطرة الإنسان واستقلاله عن أي تأثير من محيطه وبيئته ومجتمعه الخ ..
ثالثاً،المبادئ الديالكتيكية يمكن أن تكون أكثر انطباقا على المعارف الاجتماعية مما يمكن أن تكون عليه بالنسبة للعلوم الطبيعية ،فمبدأ كصراع الأضداد ووحدتها لا يمكن أن يترجم الى اللغة التي يصطلح عليها في الفيزياء والكيمياء مثلا ،ليس هناك أضداد في الطبيعة الى بالنسبة لنا وما يخدم حاجتنا العملية كمثال التناقض بين الماء والنار ،لكن هذا التناقض لا يعبر عن الحقيقة الجوهرية لهذين المركبين ،لأن هناك عناصر كيميائية أكثر دقة موجودة فيهما ،فعنصر الأكسجين موجود في النار والماء ،أي أن العناصر الكيميائية يمكن أن يعاد صياغتها وتأليفها بدون قيود ،ونحصل بذلك على مركبات مختلفة ..
الأهم من ذلك أن عالم الطبيعة لا يدرس موضوعه بالاعتماد على الجانب الكيفي (العياني بالنسبة لنا) فهو يعتمد على الصياغة الكمية للظواهر الطبيعية ، ولعل التطور العلوم في منهاج العلوم الطبيعية الحديث والذي يفصل بين عصرين في هذا هو المضمار يكمن في الصياغة والتعبير الكمي للظواهر الطبيعية ،والدراسة الدقيقة التي تتناول موضوعا أكثر دقة مما نتعامل معه في حياتنا اليومية ، وكما أسلفت ليس هناك تناقضات في المستوى الذري وما دون الذري فجميع العناصر و الذرات يمكن أن تتحد مع بعضها البعض ، والعلوم الطبيعية الحديثة تعتمد الصياغة الكمية على عكس العلم الإغريقي القديم فمن المعلوم أن أرسطو وفلاسفة الإغريق قسموا الطبيعة الى 4 عناصر يتركب منها كل شيء وهذه العناصر هي الماء والنار والهواء والتراب ومن هذه العناصر يتركب كل شيء ،وهذه العناصر الأرسطية متنافرة لا تتحد مع بعضها البعض باستثناء الماء والتراب ، أي أن فكرة التناقضات في الطبيعة كانت موجودة في العلم الإغريقي القديم لأنهم كانوا يدرسون الطبيعة بالاعتماد على الظواهر التي يحتك بها البشر ، ولم يكن لديهم الآلات الحديثة لتحليل هذه الظواهر ، لذلك قسموا الظواهر الطبيعية الى عناصر متناقضة ومتنافرة لا تتوفر عليه العلوم الطبيعية الحديثة بمنهاجها الكمي والذي يقطع مع المنهاج الكيفي القديم ..
أما المعارف الاجتماعية والتاريخ ، فيمكن أن نستخلص منها قانون التناقض وصراع الأضداد ووحدتها ، فالصراع بين الطبقات الاجتماعية مثلا هو ظاهرة موجودة ولا يمكن إنكارها ،فهناك صراع حدي تقصي فيه طبقة الطبقة الأخرى المهيمنة على المجتمع وهناك صراع يومي على توزيع الدخل والثروة بين الطبقات وعلى الامتيازات الممنوحة لكل طبقة ، فهناك تناقض حقيقي في المجتمع ، وبالاعتماد على هذا التناقض يمكن تفسير التقلبات والثورات الاجتماعية ، وهناك التناقض القائم بين وسائل الانتاج وتطورها مع علاقات الانتاج القائمة ،ومن هذا التناقض يمكن أن تتفجر الثورات في المجتمع ، وكذلك التناقض بين السلطات الاستبدادية والطبقات التي تمثلها مع عموم الشعب ،ومن هذه يمكن أن تولد الثورات والتغيرات الاجتماعية ، لهذا فكرة التناقض حاضرة وبقوة في المعارف الاجتماعية ، لأن هناك صراع بين الطبقات وبين الأمم والمؤسسات والشركات الاحتكارية ،بينما لا يمكن أن يعكس ذلك النظام الطبيعي فليس هناك صراع بين عناصر الطبيعة ،قد يقول قائل أن الصراع موجود في المملك الحيوانية وهو أساس ارتقاء الكائنات وتطورها ،الفارق بين صراع المملكة الحيوانية في الغابات والصحاري والبحار والمحيطات ومختلف البيئات والصراع الاجتماعي الإنساني هو أن الأنواع قليلا ما تفنى في الصراع فيما بينها ومعظم حالات الانقراض إن لم يكن جميعها تعود الى عدم قدرة الكائنات الحية على التكيف مع التغيرات والتقلبات البيئية ،والبيئة الطبيعية مؤثر وفاعل في الكائنات وليس العكس صحيح ،فالمجتمعات البشرية قامت على الصراع وخروج الإنسان من مرحلة الافتراس وانضوائه في مجتمعات صغيرة كان شرطا لتغلبه على المجموعات الأخرى من بني جنسه ،فنتج عن ذلك صراع القبائل ثم توحدت هذه القبائل في مجموعات وأنشئت التجمعات النهرية والولايات والإمبراطوريات وفي كل هذه المراحل لم يفارق الصراع التطور الإنساني بل كان على العكس محركا ضروريا لتطور المجتمعات مع ما يحمله من سفك للدماء واستعباد وشرور ، ومن هنا فكرة الجدل الهيجلي الماركسي فالشر يولد الخير والعكس صحيح ،وهكذا لا يمكننا أن نعكس فكرة الصراع الاجتماعي الذي نعايشه على الطبيعة فهذه المحاولة أشبه بالمحاولات الميتافيزيقية القديمة التي كانت تعكس صورة الإنسان وانفعالاته على الطبيعة فألغت بذلك تفاعل الأشياء وتطور المادة وقدما تصوراً استاتيكياً للكون والطبيعة لا ينسجم مع تطور الكون ونشأته المتراكمة ومع تطور الحياة وتعقدها ،وبذلك لا يمكن أن نؤطر التعقيد ببضعة تصورات أو مبادئ عامة ،ففي الوقت الذي يتخصص فيه العلم الطبيعي في فروع وفروع للفروع ؛ سيكون من الصعب بل من المستحيل أن تؤطر الاكتشافات العلمية بما تزخر به من اتساع معرفي وتفاصيل بالقليل من المبادئ الفلسفية .
ختاماً
عادة ما يقدم المنطق كآلة أو منهج محايد للعلوم ،فهو الأداة التي تعصمنا عن الوقوع في الخطأ وتيسر لنا الاكتشافات العلمية وهذا التفسير الذي قدمه أرسطو للمنطق وتبعه الفلاسفة المحدثين والمعاصرين لا ينسجم مع واقع الأمر من أن المنطق هو نتاج للعلوم وليس العكس ،فكل عصر له منطقه الخاص والذي يعكس حالة العلوم وتطورها ،والمنطق الديالكتيكي يعكس البديهيات ومسلمات العلوم الحديثة ،لكنه لا يقدم أي جديد للعلماء والباحثين ولا يساعدهم في تطوير معارفهم ،فمبادئ الديالكتيك عامة والعلوم تتعمق في التفاصيل ، فضلا عن أن المنطق الديالكتيكي هو انعكاس للصراع الاجتماعي البشري ولا يمكن أن نؤنسن الطبيعة ، باستثناء معرفتنا أن هناك قوى متفاعلة في الطبيعة وهي في حالة توازن لا صراع وأن الطبيعة متغيرة وليست ساكنة كما كان يتصور الفلاسفة القدماء ، بغير ذلك لا يقدم الديالكتيك أي جديد للعلم الطبيعي . وهذا لا يعني أن الفلسفات الأخرى كالوضعية والتحليلية والبنيوية الخ .هي الأقرب لمنهج العلوم الطبيعية ،لأن هذه عانت من مشكلات جمة وانقسامات فضلا عن أن العديد من العلماء رفضوا تيار فلاسفة العلم (وهم في معظمهم من الفلاسفة التحليليين) لعدم تقديمها أي جديد للعلماء .




#عبدالرحمن_مصطفى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنبؤات ماركس في ميزان التاريخ
- هل الشيوعية وهم ويوتوبيا ؟
- لماذا كان سقوط الأنظمة الملكية أمرا حتميا في العالم العربي
- كيف ستنتهي حرب غزة ؟
- هل فشلت الإشتراكية ؟ دروس التجربة السوفيتية
- هل كان برتراند راسل معادٍ للشيوعية ؟ نموذج الليبرالي القديم ...
- فكرة الاشتراكية الديمقراطية كبديل عن الشيوعية ..
- -الماركسية بلا قناع-نقد فون ميزس ممثل الليبرالية الجديدة للم ...
- المشروع السوفيتي وأسباب سقوطه
- أزمة الرأسمالية النيوليبرلية
- فالح عبدالجبار ومابعد ماركس
- التنوير الليبرالي بين الوهم والواقع
- الاشتراكية والسوق ،هل يمكن التوفيق بينهما ؟
- مساهمة روزا لوكسمبورج في الاقتصاد السياسي الماركسي (كتاب ترا ...
- حول أزمة التضخم الحالية وتناقضات الرأسمالية
- ما هي طبيعة النظام الاقتصادي في الصين ؟
- خرافة جائزة نوبل في الاقتصاد
- بين كينز وماركس نقاط الإتفاق والإختلاف بينهما
- الاشتراكية ورأسمالية الدولة
- تشويه توماس بيكتي لأفكار كارل ماركس


المزيد.....




- هل إسرائيل وحزب الله على شفا حرب شاملة؟
- فرنسا: استطلاعات رأي تتوقع تقدم حزب التجمع الوطني في الانتخا ...
- فرنسا- اليمين المتطرف يتصدر استطلاعات الرأي
- م.م.ن.ص// 20 يونيو ذكرى الانتفاض، و-ذكرى اللاجئين-
- أوسلو.. اعتقال 8 متظاهرين مؤيدين لفلسطين أغلقوا مدخل البرلما ...
- فرنسا: مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي يدعون الناخبين لقطع ال ...
- تشومسكي وسلالته
- دداو مصطفى// رسالة مفتوحة ما بين المعاناة وتعنت الإدارة
- بيان الجمعية المغربية لحقوق الانسان رقم 9 حول الإبادة الجماع ...
- فيديو يرصد لحظة تخريب متظاهرين بيئيين معلمًا أثريًا يعود لما ...


المزيد.....

- ليون تروتسكى فى المسألة اليهودية والوطن القومى / سعيد العليمى
- كيف درس لينين هيغل / حميد علي زاده
- كراسات شيوغية:(الدولة الحديثة) من العصور الإقطاعية إلى يومنا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية:(البنوك ) مركز الرأسمالية في الأزمة.. دائرة لي ... / عبدالرؤوف بطيخ
- رؤية يسارية للأقتصاد المخطط . / حازم كويي
- تحديث: كراسات شيوعية(الصين منذ ماو) مواجهة الضغوط الإمبريالي ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية (الفوضى الاقتصادية العالمية توسع الحروب لإنعاش ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية (حوصلة كتاب صا ... / جيلاني الهمامي
- كراسات شيوعية:الفاشية منذ النشأة إلى تأسيس النظام (الذراع ال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- lمواجهة الشيوعيّين الحقيقيّين عالميّا الإنقلاب التحريفي و إع ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبدالرحمن مصطفى - هل الديالكتيك الماركسي مفيد في التقدم العلمي؟