أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بَارَنْد بِيْرَاني - السياق الكردي الحديث














المزيد.....

السياق الكردي الحديث


بَارَنْد بِيْرَاني

الحوار المتمدن-العدد: 8420 - 2025 / 7 / 31 - 18:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السياق الكردي الحديث، يبرز ما يمكن تسميته بـ"التوقع على الذات" كأحد الأوجه الأعمق لمأزق المشروع القومي الكردي، حيث يُحمَّل الداخل الكردي أكثر مما يحتمل، بينما يُغفل المحيط الإقليمي والدولي وما يطرأ عليه من تبدلات جذرية. هذا التوقع، الذي قد يُفهم بوصفه شعورًا مضاعفًا بالمسؤولية الوطنية، يتجاوز حدوده الصحية ليتحول إلى ما يشبه العبء التاريخي الذي يُفقد الفعل السياسي الكردي مرونته وواقعيته، ويجعله يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات حينًا، ومن تحميلها وزر الإخفاقات كلها حينًا آخر. المفارقة أن هذا التصور لم يسهم في الارتقاء بالمشروع التحرري الكردي، بل زاد من عزلته واغترابه، وعمّق شعورًا دفينًا بالخذلان الذاتي، ما جعل الكرد يتعاملون مع ماضيهم وحاضرهم السياسيين بقدر من القسوة غير المنتجة.
الكرد، في جل حركاتهم السياسية، لم ينجحوا في الإحاطة الجادة والعميقة بمحيطهم، بل ظلوا أسرى نظرة تجريدية تختزل القوى الإقليمية والدولية إلى مفاهيم جامدة ومطلقة، كـ"الاستعمار" أو "الدول الغاصبة"، دون قراءة للمصالح المتغيرة، أو سبر لأدوات التفاوض والضغط والتكتيك. وهذا العجز المعرفي عن قراءة العالم بمنظور العصر الحديث، بل وحتى عن فهم منظومة الدولة الحديثة وتحولاتها، جعل من التحرك الكردي فريسة سهلة للآخرين، تُستخدم أدواته بيسر في مشاريع غير كردية، تُغلف أحيانًا بشعارات قومية، وتُجهز على جوهر الفعل الوطني الكردي من داخله.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن الكرد غالبًا ما يحكمون على واقعهم ومعاركهم السياسية والاجتماعية بمعايير تنتمي إلى زمن تجاوزه العالم؛ فبدلًا من اعتماد موازين القوة المتغيرة وممكنات السياسة في لحظتها التاريخية، تُستعاد مقولات البطولة والتضحية على نحو ميثولوجي، وكأن صيرورة التحرر تقاس بمقدار الدم المسفوك لا بالنتائج المتحققة على الأرض. في هذا الإطار، تصبح العاطفة معيار التحليل السياسي، وتُستبعد العقلانية والحياد العلمي، إذ تُصاغ القرارات والقراءات بدافع الأمل، لا استنادًا إلى معطيات دقيقة، وتُرفض القراءة النسبية لمجريات الواقع، إذ يسود حكم مطلق على الوقائع، يقدّس بعض الأسماء، ويشيطن أخرى، دون فسحة للمراجعة النقدية أو حتى لاحتمال الخطأ.
وفي ظل هذا النهج، استمر الكرد، على مدى أكثر من قرنين، فريسة لأجندات الآخرين. كل محاولة للتحرر الكردي وُلدت ضمن أفق ضيق من التقدير للمصالح، أو أُجهضت بتحالفات متسرعة، أو خُنقت بسبب اعتمادها على قوى خارجية دون إدراك لتقلبات هذه القوى. من عبيد الله النهري إلى الشيخ سعيد بيران، ومن البدرخانيين إلى الحركة الحديثة، ظل المسار يدور في دائرة خيبة شبه دورية، يتغير الفاعلون وتتجدد الخطابات، لكن الحصيلة تتشابه.
أوضح نموذج معاصر لذلك ما شهده حزب العمال الكردستاني، الذي بعد أربعة عقود من المواجهة الدموية، انتهى إلى خطاب مسالم يقدّم نفسه كأنما لم يحمل سلاحًا يومًا، وكأن آلاف الضحايا لم يكونوا إلا صدى لمظاهرة غير مرخصة. ليست الإشكالية هنا في التحول ذاته – فالسياسة تقتضي إعادة التموقع – بل في إنكار الماضي أو الالتفاف عليه، دون مكاشفة نقدية أو مساءلة حقيقية، وكأن الكرد مدعوون دومًا لنسيان الخسارات وابتلاع التحولات دون فهم دوافعها.
وفي هذه اللحظة الراهنة، لا يبدو أن الإدارة الذاتية في شمال سوريا تسلك مسارًا مختلفًا عن سابقاتها، إذ تتكرر ذات الأنماط: الرهان على دعم خارجي هش، وغياب قراءة دقيقة للبيئة الدولية، وإفراط في تحميل الذات الكردية أعباء مضاعفة، بينما تُتجاهل ديناميكيات الداخل السوري والإقليمي. التاريخ لا يعيد نفسه، لكن الحلقات التي لم يُحسم فهمها تعيد إنتاج خيباتها في أشكال جديدة.
المطلوب اليوم ليس جلد الذات، بل الخروج من ثنائية اليأس والتفاؤل العاطفي، والانخراط في فهم صارم للواقع ومتغيراته، بمنهج علمي غير متحيز، يستعيد التجربة الكردية بكل خيباتها وإشراقاتها، ويضعها على طاولة نقدية صلبة. وحده مثل هذا الجهد يمكن أن يؤسس لتحرر حقيقي لا يعيد إنتاج مآسيه باسم أحلامه.
-------------------------------



#بَارَنْد_بِيْرَاني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكرد ومعضلة الاعتماد
- الاعتماد على الغير أساس الفشل
- الكرد بين وهم الطمأنينة وحقيقة الأزمة الذاتية


المزيد.....




- في الإمارات.. استعدادات أمريكية أوكرانية روسية لعقد أول محاد ...
- مطاردة على نمط لعبة GTA.. لص مسلّح يسرق السيارات واحدًة تلو ...
- الحكومة السورية تُعلن تسلّمها سجن الأقطان في الرقة من -قسد- ...
- ترامب يقول إن سفنًا حربية أمريكية تتجه نحو إيران
- الاتحاد الأوروبي يشكك بمجلس السلام الذي أطلقه ترامب بشأن غزة ...
- الحرب في أوكرانيا: مفاوضات ثلاثية في الإمارات بعد محادثات -ب ...
- رسالة موحدة لترامب: الاتحاد الأوروبي سيدافع عن مصالحه وعن ود ...
- قصف إسرائيلي عشوائي على مناطق متفرقة بقطاع غزة
- السلطات السورية تتسلّم سجن الأقطان بالرقة من قسد
- مفترق سياسي ودستوري.. هل تصمد الحكومة الفرنسية أمام حجب الثق ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بَارَنْد بِيْرَاني - السياق الكردي الحديث