أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيت الزجاج














المزيد.....

بيت الزجاج


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8515 - 2025 / 11 / 3 - 20:57
المحور: الادب والفن
    


بعض القلوب تُصنع من زجاجٍ صافٍ؛ يلمع تحت الضوء، لكنه لا يحتمل الطرق طويلاً. وإذا انكسر… فلا شيء يعيده كما كان.

كانت خولة معلّمة في مدرسة ابتدائية في مدينة العمارة. مدرسة قديمة، تتقاسم الغبار مع الفصول، ويتسلّل الهواء من نوافذها الرخوة. لكن رغم ضيق الإمكانات، كانت المدرسة تضجّ بالحياة. بنات صغيرات يحملن دفاترهن كأنها كنوز، يجرين في الساحة، يضحكن بسرعة ويبكين بسرعة.
كانت خولة بينهم مثل ظلّ أمّ حنونة. ترفع رأس طالبة، وتربط ضفيرة أخرى، وتسمع أسرارًا صغيرة عن لعبٍ وواجبٍ ودمى ممزقة.
غير أن البيت كان شيئًا آخر. زوجها سالم، رجل صلب في الظاهر، هشّ في داخله، لا يعرف من الرجولة إلا الأمر والصوت المرتفع. كان يرفض أن تفرد خولة جناحيها خارج البيت، يعتبر عملها خروجًا عن طاعته، وراتبها حقًا من حقوقه. والمجتمع، بلا جهد، يقف معه:
"الرجّال ما يُناقش… والمرأة تصبر."
في تلك الأيام، كانت تعمل معها معلّمة أخرى اسمها مها. كانت مها تعيش حياة تبدو بسيطة، لكنها دافئة. زوجها يأتي كل يوم آخر الدوام، ينتظرها عند الباب، يحمل عنها حقيبتها، ويسألها:
"تعبتي؟ شنسوي اليوم عشاء حبيبتي؟"
كانت خولة ترى ذلك المشهد وتشعر أنه قادم من عالمٍ لا تنتمي إليه.
لم تكن تغار… لكن كان في قلبها سؤال كبير وصامت:
هل السعادة قدرٌ أم اختيار؟
ذات مساء، عاد سالم غاضبًا بلا سبب واضح. صرخ، رمى الطبق، واتهمها بأنها لا تفهم واجباتها كزوجة.
قالت بهدوء متعب:
"أنا أتعب بالمدرسة، وبالبيت… شتريد أكثر؟"
اقترب منها، وضرب بيده على الطاولة حتى ارتجفت الصحون وقال:
"أريدج تنكسرين. تدرين ليش؟ لأنج ناسيه منو السيد بالبيت."
كانت تلك الكلمة — تنكسرين — هي الطعنة.
شعرت أن شيئًا في داخلها تحطم، مثل زجاج نافذةٍ ينهار بلا صوت.
في اليوم التالي، في الصف، كسرت طالبة صغيرة نافذة زجاجية أثناء اللعب. ارتبكت، وبكت خوفًا.
جلست خولة على ركبتيها، مسحت وجهها وقالت ببطء، كأنها تعترف أمام نفسها:
"الزجاج ينكسر… بس الإنسان إذا انكسر، ما يرجع مثل قبل."
والصف صمت.
والكلمة جلست في صدرها مثل حجر.
في تلك الليلة، بعد جولة أخرى من الصراخ والتوبيخ، لم تصرخ خولة ولم تبكِ.
حملت حقيبتها الصغيرة، وخرجت.
لم تلتفت.
كانت العمارة هادئة. الأزقة رطبة برائحة النهر. الهواء خفيف، بارد، لكنه يشبه صدرًا يتنفس بعمق لأول مرة.
لم يكن لديها مكان.
فذهبت إلى المدرسة. فتحت الباب، دخلت الصف ذاته. جلست على المقعد الأخير.
أغمضت عينيها، وبكت… بكاء لا صوت له، كأن الروح تصفي حساباتها أخيرًا.
في الصباح، وجدتها المديرة. لم تسأل كثيرًا.
قالت فقط:
"تبقين هنا… لحد ما توقفين على رجليج."
ومن هنا بدأت حياة جديدة.
مرت سنوات. أصبحت خولة مديرة للمدرسة.
وفي مدخل مكتبها علّقت لوحة صغيرة:
"احمِ نفسك… قبل أن ينكسر زجاج قلبك."

ليس كل انكسار نهاية. أحيانًا يكون بداية الطريق إلى نفسٍ جديدة… تعرف قيمتها.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم يعد… لكنه عاد
- قاربٌ من الطين
- تنّور أم زينب
- ذكرى لا تُباع
- ألمُ الفقد
- نبضٌ لا يموت
- ضجيجُ العيش وصمتُ الحكمة
- حديقة البيت رقم ١٧
- ظل الصباح
- الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر
- مقهى على دجلة
- كرسيٌّ فارغ… ووردةٌ على الطاولة
- مرثيّة الظلّ البعيد
- عزاء في الأزقة
- وصيّة في باص مزدحم
- رائحة الخبز في بغداد
- ساعة لا تدقّ
- مقعد في قاعة الانتظار
- حُلْمٌ يُحاكَمُ في اليقظة
- كلية واحدة للحب


المزيد.....




- تقرير يكشف مفاجأة حول وفاة الممثلة الأمريكية الشهيرة هايدن ب ...
- -بسطات الكتب في دمشق-.. مشهد ثقافي ينبض بالحياة في قلب العاص ...
- تحت شعار -بأفكارنا نبني-.. الدوحة تجمع نخب العقول في ملتقى - ...
- نقيب الفنانين مازن الناطور يرحّب بأصالة قبل حفل دمشق: -أهلا ...
- ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم ...
- -نحن جيش أخلاقي-.. الجيش الإسرائيلي يرد على فيلم -نازا-
- المغني البرازيلي ري فاكيرو ينجو من الموت بأعجوبة بعد اشتعال ...
- لماذا كان ستالين يخفي يده داخل سترته؟
- أيام اختفت وسنوات تغيّرت.. كيف حسبت الحضارات الزمن؟
- -أنا أدعم إسرائيل-.. جملة تدفع الجمهور إلى مغادرة عرض كوميدي ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيت الزجاج