|
|
-الكونت دو مونت كريستو- لألكسندر دوما (الأب) الخلود إبداعا! في الذكرى الخامسة والخمسون بعد المائة لرحيل الكاتب (ديسمبر 2025)
شيماء الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 20:38
المحور:
الادب والفن
ألكسندر دوما (الأب) (1802-1870) كاتب فرنسي، يُضاف إلى اسمه دائما لقب (الأب)، لأن ابنه غير الشرعي الذي يحمل اسما مماثلا لاسمه كان أيضا مثله كاتبا شهيرا ومرموقا (1824-1895)، وبالتالي يُضاف بجوار اسمه لقب (الابن)، وهذا الأخير هو مؤلف إحدى أشهر الروايات في تاريخ الأدب العالمي، تلك التي نعرفها باسم: "غادة الكاميليا"، التي أُخذت عنها أوبرا "لاترافييتا" الشهيرة للموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي.
نعود لألكسندر دوما (الأب)، الذي تحل في ديسمبر 2025 الذكرى الخامسة والخمسون بعد المائة لرحيله، ونقول إنه من أشهر الكُتاب في تاريخ الإنسانية الحديث، وهذه ليست مبالغة، فليس أدل على قولي هذا من أن أعماله الأدبية قد تُرجمت إلى أكثر من مائة لغة! كما ألهمت رواياته التاريخية الخالدة أعمالا فنية أخرى تنوعت بين المسرح والسينما والتليفزيون والفن التشكيلي.
فهو مؤلف "الكونت دو مونت كريستو" و"الفرسان الثلاثة" و"الملكة مارجو" و"سيدة مونسورو" وغيرها من الجواهر الأدبية التاريخية الخالدة.
وسوف نركز في مقالنا هذا على روايته البديعة الملهِمة "الكونت دو مونت كريستو"، ليس فقط لشهرتها التي بلغت أقصى الدنيا وأدناها، وعرفت بها الأركان الأربعة للكرة الأرضية، وكانت مصدر إلهام للعديد من الأعمال الإبداعية، ولكن لأنها هي ذاتها نموذج روائي رفيع من حيث الفكرة والبناء والمضمون والشخصيات والحكمة التي يستقيها القارئ بسلاسة ودون أن يرهقه الكاتب بالخطب والتلقين، إنها تجسيد لمهارة السرد الروائي في أبهى صوره.
ورغم أن القارئ الكريم قد يعرف فحوى القصة بعد أن تستدعي ذاكرته أفلامنا المصرية الكلاسيكية "أمير الانتقام" و"أمير الدهاء"، إلا أن المحتوى الذي كتبه دوما "الأب" يحمل أبعادا بها من العمق والجمال ما يميز دائما النسخة الأصلية لأي عمل وتفتقر إليه بعد ذلك أية نسخة مقلدة أو مقتبسة.
نُشرت رواية "الكونت دو مونت كريستو" للمرة الأولى عام 1844 على حلقات أولا، قبل أن تنشر مجمعة بعد عام 1846، وهي رواية ضخمة تقع في أكثر قليلا من ألف وسبعمائة صفحة مقسمة على ستة أجزاء بمتوسط عشرين فصلا لكل جزء.
تبدأ الرواية مع مطلع سنة 1815 تحت حكم لويس الثامن عشر وبعد مغادرة نابليون بونابرت لمنفاه الأول في جزيرة إلبا سعيا للعودة الثانية والأخيرة إلى الحكم. نعيش مع "إدمون دانتيس" البحار البالغ من العمر تسعة عشر عاما، الذي أتى إلى مارسيليا على متن السفينة "الفرعون" كمساعد للقبطان بهدف الاحتفال بخطبته على "مرسيديس"، ويبدو من واقع الأمر أن سعادته قد اكتملت، لكن هناك من كان يخطط في الظلام للتخلص نهائيا منه: "دانجلار" مسئول الحسابات على السفينة الذي يطمع في قيادتها كقبطان ويغار من "دانتيس"، "مونديجو" قريب "مرسيديس" الذي يحبها وهي تصده، و"كادروس" صديق "دانتيس" الذي كان شاهدا وهو مخمور على حياكة مؤامرة التخلص من "دانتيس" ولم يحرك ساكنا لتنبيهه أو لمساعدته، ثم وكيل النائب العام "جيرار دو فيلفور".
ويتم دس رسالة موجَّهة إلى "نوارتييه" -البونابرتي الهوى- مع "دانتيس"، وتتم الوشاية به عند "دو فيلفور" الذي يرسله على وجه السرعة كسجين خطر على الدولة إلى سجن "شاتو ديف" الواقع في قلب البحر، وكان هذا لأن "نوارتييه" هو والد "دو فيلفور"، فهذا الأخير أنقذ والده من ناحية، وحصل على ترقية من ناحية أخرى.
يمضي الشاب البرئ "دانتيس" أياما سوداء في زنزانته القاسية، حتى إنه يكفر بالله ويحاول الانتحار، إلا أن العناية الإلهية ترسل له "الأب فاريا" الذي كان يحاول الهروب حفرا نحو البحر فخرج في قلب زنزانة "دانتيس"، وعبر سنوات تالية ترسخت الصداقة والأبوة بينهما؛ حيث قام "فاريا" بتعليم "دانتيس" كل ما يعرفه، فأكسبه الثقافة والمعرفة، وساعده بالاستدلال المنطقي على التعرف على من تآمروا عليه، هذا بالإضافة إلى أنه صارح "دانتيس" بأنه يملك كنز "سبادا" الأسطوري المخبوء في جزيرة "مونت كريستو"، ويدله عليه ثم يموت، فيضع "دانتيس" نفسه مكان الجثمان ويستطيع الهروب بأعجوبة بعد 14 عاما من السجن، ثم يحصل على الكنز، ويعود إلى مارسيليا ليعرف بموت أبيه وزواج حبيبته من عدوه، فيرحل مجددا إلى الشرق، ويقضي تسع سنوات إضافية يضاعف فيها ثروته الهائلة، ويبدأ في حَبْك خيوط مغامرة الانتقام، وليقدم نفسه رسميا باسم "الكونت دو مونت كريستو".
وبعد صولات وجولات وعلاقات غاية في التعقيد ومصائر متشابكة، ينتهي الأمر بالمتآمرين على "دانتيس" إلى مصائر متنوعة بين الموت والجنون والإفلاس، ويبدو واضحا أن مصائرهم البائسة هذه إنما جاءت كنتيجة طبيعية لرذائلهم ولجرائمهم وليس فقط لانتقام "دانتيس" منهم. وتنتهي الرواية وقد استعاد "دانتيس" إيمانه القوي بالله وبحكمته وبقدرته، وبأن الحكمة الإنسانية كلها تقع بين كلمتين: "الانتظار والرجاء".
من الطريف أن نذكر أن "شاتو ديف" سجن حقيقي بني في القرن الـ 16 ويقع قبالة سواحل مارسيليا، وهو أحد المزارات الأثرية والسياحية الهامة الآن حيث يتوافد الناس لمشاهدة زنزانة "إدمون دانتيس".
بقي أن نقول إن ألكسندر دوما (الأب) لم يكن المبدع الأوحد لأعماله الرائعة، وإنه كان له شريك فعلي في تحرير ومراجعة بل وفي ابتكار أفكار هذه الكتابات، وكان يتم ذكر اسم هذا الشريك على الأعمال الروائية لدوما (الأب)، فكان الناس يذكرون اسم الأخير وينسون ذكر اسم شريكه، وها نحن الآن نذكره بنفس الدرجة من الإجلال والإعجاب التي نذكر بها دوما (الأب)، إنه الروائي والأديب الفرنسي: أوجوست ماكيه (1813-1888)، مدرس التاريخ، الذي حمل درجة الدكتوراه في الآداب ودرَّس بالجامعة، ثم هجر التدريس وتفرغ للأدب، وكانت له أعمال إبداعية خاصة به، لكن الأعمال الأكثر شهرة هي تلك التي كتبها بالاشتراك مع دوما (الأب)، تلك الأعمال التي وصل الخلاف بينهما حول حقوق ملكيتها إلى ساحة القضاء، وانقسمت الآراء حول أحقية كل منهما في تأليفها، ومات دوما (الأب) وقد أنصفه القضاء وألزم ماكيه بدفع غرامة، في حين حرر ماكيه -المتوفى بعد دوما (الأب) بثمانية عشر عاما- وصية أكد فيها أحقيته كمؤلف مشارك لأشهر أعمال دوما (الأب)، وأوضح أن هناك مراسلات بينه وبين دوما (الأب) تؤكد على حقه الأدبي في جميع الأعمال التي صنعت شهرة هذا الأخير، وذكرها بالاسم في متن وصيته، ورحل كلاهما، وكُتب الخلود لإبداعهما المشترك.
#شيماء_الشريف (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نبوية موسى - رائدة تعليم الفتيات في مصر في القرن العشرين
-
-الآلهة عطشى-: رائعة أناتول فرانس في الذكرى المئوية لرحيله
-
وُلد المسيح (عليه السلام)
-
وماذا بعد تقديس التاريخ؟!
-
القداسة !!
-
ابن عطاء الله السكندري - اسكندراني من بلدي!
-
معاصينا ...
-
حول الفتنة الطائفية ..
-
إلى مريم العذراء (عليها السلام)
-
أقواس الوهم القزحية
-
لا أريد أن أكون ..
-
هل بيننا مارتن لوثر؟
-
اللصوص (عن بيزنس الدين وسماسرة الفتاوى)
-
مجرد ... كلمات
-
لا تجلسوا فوق الأعمدة !
-
دُرَّةُ الزمان .. مكتبة الإسكندرية القديمة
-
التعليم من أجل الإبداع
-
ومن مِصر ... أشرقت شمسُ الأخلاق
-
سيمافور الإسكندرية أو معزوفات التاريخ الروائية
-
إيراتوسثينس القوريني
المزيد.....
-
مهرجان البحر الاحمر يشارك 1000 دار عرض في العالم بعرض فيلم
...
-
-البعض لا يتغيرون مهما حاولت-.. تدوينة للفنان محمد صبحي بعد
...
-
زينة زجاجية بلغارية من إبداع فنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة
...
-
إطلاق مؤشر الإيسيسكو للذكاء الاصطناعي في العالم الإسلامي
-
مهرجان كرامة السينمائي يعيد قضية الطفلة هند رجب إلى الواجهة
...
-
هند رجب.. من صوت طفلة إلى رسالة سينمائية في مهرجان كرامة
-
الإعلان عن الفائزين بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي
...
-
تتويج الفائزين بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في د
...
-
-ضايل عنا عرض- يحصد جائزتين في مهرجان روما الدولي للأفلام ال
...
-
فنانون سوريون يحيون ذكرى التحرير الأولى برسائل مؤثرة على موا
...
المزيد.....
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
-
الذين باركوا القتل رواية
...
/ رانية مرجية
المزيد.....
|