أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله














المزيد.....

قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 20:51
المحور: الادب والفن
    


الحداثة الشعرية بين وهم السهل الممتنع وفتنة الصعب الممكن قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله

ليست الحداثة الشعرية مجرّد تمرّد شكلي على الوزن أو انزياح لغوي عن المألوف، بل هي في جوهرها مغامرة معرفية وجمالية، تُعيد مساءلة اللغة، والذات، والعالم، في آن واحد. ومن أكثر المفاهيم التباسًا في هذا السياق مفهوم السهل الممتنع؛ ذلك الوادي الذي يظنه البعض ممرًا آمنًا، بينما هو في الحقيقة حقل ألغام لا يعبره إلا من امتلك موهبة حقيقية وروحًا استثنائية.
في الأدب العربي القديم، ارتبط السهل الممتنع بأسماء كبار مثل:
المتنبي حيث تبدو العبارة شفافة، لكنها محمّلة بكثافة فلسفية ووجودية.
أبي تمام مقابل البحتري فالأخير يُضرب به المثل في السهل الممتنع، بينما الأول في التعقيد البلاغي. ومع ذلك، فإن سهولة البحتري لم تكن فقرًا، بل صفاءً محكومًا بصرامة فنية.
المعلقات: حيث اليومي والعادي يتحوّل إلى أسطورة لغوية دون افتعال.
السهل الممتنع في القديم كان نتيجة اكتمال: اكتمال اللغة، والصورة، والموسيقى، لا تبسيطًا ساذجًا أو هروبًا من العمق.
أما في الأدب الحديث، فقد انقلب المفهوم لدى كثيرين إلى ذريعة للكسل الفني. ظنّ بعض الشعراء أن تفكيك الوزن أو استخدام اللغة اليومية كافٍ لإنتاج قصيدة حداثية، فغرقوا في النثرية الفارغة، حيث السهل بلا امتناع، والمباشر بلا دهشة.
الحداثة ليست عودة إلى السهل… بل اقتحام الصعب
الحداثة الشعرية الحقيقية ليست عودة إلى السهل الممتنع
بوصفه وصفة جاهزة، بل هي إعادة اختراعه داخل أفق كوني جديد. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين
شاعر يكتب ببساطة لأنه لا يستطيع التعقيد،
وشاعر يكتب ببساطة لأنه تجاوز التعقيد.
هذا الفارق هو ما يجعل من السهل الممتنع درجة رفيعة لا يصلها إلا القلة.
في هذا السياق، تبرز تجربة الشاعرة نجاة عبدالله بوصفها تجربة حداثية ناضجة، لا تراهن على الغموض المجاني، ولا على البساطة المفرغة، بل على تكثيف الألم والمرارة والدهشة داخل تفاصيل الحياة الاعتيادية.
قصيدتها ليست همسًا رومانسيًا، بل انفجارًا داخليًا
ترغّب القارئ بجمال اللغة،
وترهبه بصدق التجربة،
وتضعه أمام جحيم يتكوّن من تفاصيل يومية الأشياء الصغيرة، العلاقات الهشة، الذاكرة، الجسد، الزمن
وهنا تكمن فرادتها
جهنم لا تأتي عندها من الماوراء، بل من الداخل، من الاعتيادي، من البسيط الذي نظنه مألوفًا.
هذا هو السهل الممتنع في أقصى تجلياته:
لغة يمكن لأي قارئ أن يفهمها، لكن لا أحد يستطيع أن يكتبها دون امتلاك موهبة خارقة وروح فذّة.
كثير من الشعراء المحليين والإقليميين حاولوا الاقتراب من هذا النمط، لكنهم:
إما سقطوا في الإنشائية،
أو في النثر اليومي الخالي من التوتر الشعري،
أو في تقليد أصوات عالمية دون هضمها.
في المقابل، تمتلك نجاة عبدالله صوتًا خاصًا لا يُخطئه القارئ، لأنها لا تكتب لتشبه أحدًا، بل لتكشف ذاتها والعالم من خلال رؤيتها الخاصة.
يمكن مقارنة تجربتها من حيث الجوهر لا الشكل مع:
فيسوافا شيمبورسكا: في تحويل الفلسفي إلى يومي.
سيلفيا بلاث في تفجير الألم الداخلي دون خطابية.
آنا أخماتوفا في الجمع بين البساطة والوجع التاريخي.
بابلو نيرودا في بعض مراحله حيث التفاصيل الصغيرة تحمل ثقل الكون.
لكن ما يميز نجاة عبدالله عن كثير من شعراء العالم هو
اشتغالها على الهشاشة العربية المعاصرة،
وكتابتها من موقع أنثوي-وجودي لا يدّعي الضحية ولا يتزين بالقوة الزائفة،
وقدرتها على بناء قصيدة تشبه سفينة نوح: تحمل من كل زوج اثنين؛ الألم والجمال، البساطة والعمق، الذات والكون.
اقتصاد لغوي صارم لا كلمة زائدة، ولا صورة مجانية.
توتر داخلي دائم القصيدة مشحونة حتى في صمتها.
تحويل اليومي إلى كوني فنجان القهوة، الغرفة، الجسد، تتحول إلى أسئلة وجودية.
سهل ممتنع حقيقي: يبدو متاحًا، لكنه عصيّ على التقليد.
حداثة غير متعالية لا تحتقر القارئ، لكنها لا تهادنه.
إن السهل الممتنع ليس ملاذًا للفاشلين، بل قمة لا يبلغها إلا من امتلك الموهبة الحقيقية. والحداثة الشعرية ليست لعبة لغوية، بل اختبارًا قاسيًا للصدق والرؤية والقدرة.
في هذا الامتحان، تثبت الشاعرة نجاة عبدالله أنها ليست مجرد اسم في مشهد شعري مزدحم، بل تجربة حداثية ناضجة، قادرة على أن تكتب قصيدة تشبه قنبلة هيدروجينية:
صغيرة في حجمها،
لكن أثرها يمتد في وعي القارئ طويلًا،
وتتركه، بعد الانفجار، مختلفًا عمّا كان عليه قبل القراءة.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روديارد كبلينغ الحائز على نوبل للأدب 1907
- الشاعر بدر شاكر السياب والسيدة بلقيس شرارة
- جوزويه كاردوتشي جائزة نوبل للأدب سنة 1906
- المسافة الدافئة
- لشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج في القصيدة العربية الحديثة
- الشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج والضمير السياسي في القصيدة
- هربرت سبنسر فكره وسياقه الاجتماعي والسياسي
- هنريك سينكيفيتش نوبل للأدب سنة 1905
- فريدريك ميسترال جائزة نوبل للأدب سنة 1904
- ملف نزع سلاح الفصائل
- مراهقة لا تُخفي رغبتها
- ماجد أحمد دخيل حالة تفاوض مرهق مع الوجود
- بلند الحيدري تجربة الحداثة العراقية
- كواكب الساعدي حوار دائم بين الذات والعالم
- صلاح نيازي الاغتراب، الشعر، والترجمة
- .جلالة الملك التطوّر
- ملائكة المسافات
- منى الصرّاف امرأة واحدة تمثل آلاف النساء
- كريم ناصر الذات التي تكتب الذات
- عبدالباقي فرج صور ومحطات مكانية وزمانية


المزيد.....




- اتفاق إسرائيلي مغربي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- إسرائيل تعلن اتفاقا مع المغرب لتعزيز العلاقات ورفع التمثيل إ ...
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...
- نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله