|
|
- سوريتي - بين ماض ذهب وقادم غامض
عادل أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 01:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كان يوم الثامن من كانون الأول 2024م، يوم الانعتاق من رربقة الدكتاتورية والاستبداد. يوم التحرر من العقلية الأمنية الخانقة. يوم القطيعة مع عقود طويلة من الخوف والقهر. لقد شكّل هذا التاريخ لحظة تاريخية لنمو آمال طافحة بمجيء زمن تسوده الحرية والكرامة والمساواة والعدالة. بعد هذا التاريخ أصبحنا أمام زمن آتٍ، مفتوح على العديد من الاحتمالات. ماحدث كان نصراً تاريخيا للشعب السوري، لكل مواطن سوري عانى وتألّم وعاش المرارة والحزن. وبغضّ النظر عن كيف تمّ؟ أو لمن يعود الفضل فيه، فهو إنّما تحقق بفضل ذلك التراكم الهائل للتضحيات التي قدّمها لشعب السوري إبّان خمسة العقود الأخيرة من حياته.. كان لافتاً بروز دور "هيئة تحرير الشام" والفصائل المتحالفة معه، ووانتقالها إلى سدّة السلطة، الأمر الذي تجلّى في تشكيل حكومة مؤقتة وتنصيب أحمد الشرع رئيساً للجمهورية. اتّسم انتقال الدولة من عهد بائد مضى، إلى عهد جديد بكثير من الرضى والترحاب الشعبي وانبثاق حلم وأمل جديدين بولادة دولة حرة سيّدة وديمقراطية. ومع الإعلان الدستوري، تبيّن بوضوح أنّ الصفة الأهم للحكم الجديد هي اللون الواحد واعتماد سياسة الإقصاء بعد أن حلّت مؤسسات الجيش والشرطة وأجهزة الأمن والتي كانت قد تلاشت تماما قبل لحظة سقوط النظام السابق، كما شاهدنا إفراغ المؤسسات من عمالها وموظفيها لا لشيء إلّا لأنهم ينتمون إلى طائفة محدّدة. الصفة الثانية أنّ هذه السلطات لم تشكل دولة مؤسسات، بل هي تشكيلات قائمة على شرعية السلاح والتمثيل الفصائلي أو الطائفي، ما يجعلها بطبيعتها مؤقتة ومرشّحة دوما للتقلبات والانفجارات الداخلية. كل هذا جرى تحت شعار، "من يحرّر يقرّر"، حتى جاءت الطامة الكبرى ألا وهي الدخول في دوامة الانتهاكات والمجازر: الساحل، جرمانا، السويداء، وحمص. إنّ ما حصل كان نتيجة لمجتمع مأزوم تخنقه أخبار الخطف والقتل اليومي، وتفتقد قياداته الجديدة لرؤية وطنية جامعة وأدوات حكم راشدة أو آليات عدالة انتقالية، وما زاد الطين بلّة هو مشاركة السلطة في هذه المجازر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كما زاد التدخل الخارجي من تعقيد الأمور لأنّ المصالح المتضاربة تزيد في تغذية الانقسامات الإثنية والطائفية. ازداد الوضع تفاقماً بسبب تردد السلطة في الإقدام على حلول ومعالجات جوهرية لها، وغض النظر عن التجييش الطائفي وحتى المساهمة فيه أحياناً، مما زاد في الاحتقان وردود الفعل غير المحسوبة والمتشنجة وضيقة الأفق، واعتماد مفهوم المكونات عند الحديث عن سبل بناء الدولة من كل الأطراف حتى وصل الأمر حدّ طلب الحماية من الخارج أو الانفصال. ولعلّ المفارقة التي تلفت الانتباه هو ذلك " التخادم"، التوافق غير المعلن على هذا النهج من قبل الأطراف كافة، الأمر الذي ساهم هو الآخر أيضا في تسعير الاحتقان الطائفي الخطير الذي يمزق النسيج الاجتماعي ويهدّد تماسك الدولة جغرافيا وسياسيا، خاصة إذا ما أضفنا أنّ سوريا أصبحت سلعة متداولة في سوق النفوذ الإقليمي والدولي / دول الخليج – تركيا- "إسرائيل"، ولكل قوة منهم مصالحها وأدواتها، فبعضها يوطد الانقسامات الطائفية، وبعضها الآخر يكرس عبر الدعم العسكري أو المادي والسياسي " دويلات" الأمر الواقع. إنّنا إذ نتفهّم صعوبة وتعقيد الانتقال إلى وضع ديمقراطي سليم بعد أربعة عشر عاماً من حرب دامية طالت كل بيت في سورية؛ فإنّنا نرى أنّ عاماً كاملاً كان كافياً لعبور المرحلة الأولى لو توفرت الإرادة والقناعة عند السلطة. ومع ذلك، ولمنع الانزلاق نحو حرب أهلية، ولصيانة وحدة البلاد وتجنيبها مخاطر التقسيم، وفي ظلّ مخاطر بنيوية عديدة مثل: 1- ترسيخ الإقسام المجتمعي إذ يشكل استمرار الهيمنة الفصائلية والطائفية بيئة تنتج أجيالااً معزولةومنكمشة على نفسها بشكل يصعّب إعادة دمجه ضمن دولة وطنية. 2 -فقدان الهوية الجامعة: فمع التهميش المتواصل لمفهوم المواطنة ستزداد الهويات الفرعية توغلا في المجتمع وتنكمش على نفسها أكثر فأكثر. 3- غياب الدولة المركزية، وفقدان السلطة للشرعية الدستورية والحقوقية يؤديان إلى استمرار اقتصاد الحرب واتّساع رقعة الفقر والعنف مما يزيد من انهيار الاقتصاد والأمن.. 4- تبعيّة القرار للخارج، فكلّما طال أمد الصراع دون مشروع وطني، بات الخارج أقوى تأثيراً في مستقبل سوريا. 5- خطر إعادة إنتاج الاستبداد بأقنعة جديدة عبر تحالف المال والسلاح، وعبر استثمار الخطاب الطائفي في غياب عقد اجتماعي جامع وآليات فعّالة للعدالة الانتقالية والمحاسبة، ولعلّ أهم علاماته ومظاهره استدعاء وتوظيف خطة "شارع ضد شارع" كما حدث في أكثر من مكان. في ظل التعاظم المضطرد للهويات الفرعية، حيث يتحصّن كل منها ببيئته،مجيّشاً إياها وراء فكرتين أساسيتين -فمن جانب هي دفاع عن الوجود وبحث عن الأمان، ومن الجانب الآخر لحظة انتهاز فرصة للنفوذ والتمكّن- علينا أن نلاحظ أنّ الدعوات التي تطرح الفيدرالية أو اللامركزية السياسية إنّما هي طريق سيؤدي إلى تقسيم سوريا كوطن موحّد لجميع أبنائه، وخلافا لما يعتقد الكثيرون بأنّ الانفصال أو اللامركزية ستوفّر الأمن، فإنّها في الحقيقة ستديم الانقسام الطائفي والاثني وتوصله حدّ الاقتتال والحرب بحيث تحتاج سوريا عندها زمنا مديدا لإعادة توحيدها على الصورة التي تركها لنا أجدادنا . مع ذلك، ينبغي أن نذكر أنّه ورغم كل شيء تبقى هناك "سوريا العميقة" بمدنها وأريافها ومجتمعاتها التي لم تنخرط جذرياً في العنف، ستبقى هذه ال ( سوريا ) خزانا انقاذياً لأي مشروع وطني جامع يطرح عليها. يتطلب الخروج من هذه الأزمة تضافر جهود السوريين جميعا وفي مقدمتهم السلطة القائمة بما أنّها تتحمّل المسؤولية الأولى عن هذا المسار، والعمل معا على إزالة الاحتقان الطائفي، وإعادة الثقة بين السلطة والمجتمع، وذلك بالتصريح والاعتراف بحجم المأزق وخطورته والعمل على تجاوزه من خلال:: 1. إنشاء آلية وطنية كفوءة وتشاركية بالتعاون مع منظمات الضحايا والمجتمع المدني، تركز على الحقيقة والإنصاف ورد المظالم وجبر الضرر.. 2. إطلاق سراح فوري لكل المعتقلين عسكريين ومدنيين ممن لم تتلطخ أياديهم بالدماء من خلال مجازر أو ارتكابات مخالفة للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.. 3. تشكيل حكومة انتقالية وطنية وجامعة تتمثّل فيها القوى السياسية والمجتمعية. 4. إعادة المفصولين إلى أعمالهم. 5. الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين قسرياً. 6. تجاوز مفهوم المكونات وعدم استخدامه كأساس دستوري أو إداري لأنه يعمّقق الانقسامات ويهدّد وحدة البلاد . 7. تبنِّي مبدأ المواطنة الذي يضمن المساواة التامة في الحقوق والواجبات لكلّ السوريين دون تمييز. 8. التأكيد على حق الدولة السورية في الدفاع عن أراضيها وتحرير ما هو محتل منها. 9. إعادة تشكيل مؤسسات الجيش والأمن على أسس وطية احترافية لا على أسس فصائلية ومذهبية.. 10. إطلاق مسار مؤتمر وطني شامل يهدف إلى إنتاج مبادئ فوق دستورية تؤكد على مدنيّة الدولة، فصل السلطات، حياد المؤسسات العسكرية والأمنية وضمان الحقوق الفردية والجماعية لتكون مرجعاً أخلاقياً وسياسياً للسلطات التنفيذية والتشريعية خلال المرحلة الانتقالية . ان ما جرى خلال الايام القليلة الماضيه وما يجري اليوم ومع أنه يزيد من المخاطر الا انه لا يلغي القول بأن هذا المخرج ليس خيالا، وإذا ما أُغني يمكنه أن يتحول إلى خطة قابلة للتنفيذ تقود إلى بناء دولة ترتكز على العدل والثقة متجاوزة التوترات نحو مستقبل آمن ومزدهر لجميع السوريين.
#عادل_أحمد (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قضية تحرر المرأة قضية عمالية!
-
الديمقراطية الكهنوتية المعممة
-
الإرهاب.. من الحشاشين إلى الولائيين!
-
ما هو عيد النوروز ولماذا تحتفل به شعوب إيران وآسيا الوسطى وا
...
-
حكاية المرشد المزيف.. مع صاحب المفتاح المزيف!؟
-
علي خامنئي والأربعين ألف حرامي!؟
-
رافي شنكر وابنته أنوشكا أسطورتا الموسيقى الكلاسيكية الهندية
-
الشاعرة الإيرانية الثائرة التي هزّت أركان نظام عصابات الملال
...
-
خامنئي المفلس يبحث في دفاتره القديمة
-
إيران تحت احتلال قوم لوط
-
قصيدة -في غيابك الفصلُ مهجور-
-
قصيدة -إنها خضراء ثانية- للشاعرة الإيرانية الثائرة هيلا صدّي
...
-
أغنية إيرانية متمردة
-
شاه إيران.. بين أكاذيب هيكل وإشادات السادات
-
بعد السعودية وإيران.. تركيا جسر عبور الإرهابيين
-
الخلافة الإسلامية.. من خامنئي إلى البغدادي
-
داعش على خطى ملالي إيران والمنظمات الإرهابية
-
صعوبة التعامل مع فاقدي البصيرة والعقول المتحجرة
-
إعتذار قناة المنار للبحرين ضربة لثورة 14 فبراير الكاذبة
-
أحادية أم مشاركة
المزيد.....
-
لماذا يسير رهبان بوذيون وكلبهم عبر الولايات المتحدة؟
-
ما قدرات حاملة الطائرات -أبراهام لينكولن- التي تتحرك تجاه إي
...
-
مذكرات أنصارية: السرية الخامسة ونشاطها العسكري
-
-هل أنت ميت؟-.. سر التطبيق الصيني الذي يحقق انتشارا واسعا بي
...
-
غزة: مقتل 10 أشخاص في قصف إسرائيلي بينهم قيادي بارز في كتائب
...
-
كأس الأمم الأفريقية: بعد الفوز.. هكذا احتفل لاعبو المغرب خلف
...
-
تهديدات ترامب بضم غرينلاند: رئيسة وزراء الدانمارك تستقبل وفد
...
-
ترامب يهدد بتفعيل -قانون التمرد- إثر احتجاجات في مينيابوليس
...
-
ويتكوف: اللقاء مع حماس ضروري ويجب فتح معبر رفح
-
الاحتلال يقتحم بلدات في رام الله ويعلن الخلايل منطقة عسكرية
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|