|
|
الساعة الخامسة
سنية عبد عون رشو
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 14:09
المحور:
الادب والفن
وفي جوف الليل لم تنم . فقد تأخر موعده . أستيقظ خوفها مجددا لم تسأل كثيرا . حينها تصبح اكثر انصاتا للصمت . تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل الدعاء حيث تُختبر القلوب بالصبر. لم تنتظر عودته متأخرا فحسب . بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد . كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف . تجلس قرب النافذة ، تراقب الطريق الذي حفظ خطاه . وتؤمن ان قلب الأم لا يخطئ الاتجاه . والا ستبذل جهدا ضائعا . حين يطول الغياب مقامه ، تعرف ان طريقا آخر للحب وللأمومة ، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته . اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه . غدت أيامها بلا تواريخ . وكانت تعد المساءات .وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها . استبد بها اضطراب شديد . أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة .ثم لتهمس مع نفسها ـ : ربما مرض دون علمي . أو ربما أصابه عارض سيء . لو كان أبوه حيا لبحث عنه ولما بقي صامتا كما فعلت . أخذت تؤنب نفسها بشدة . ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة . ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي . ؟؟ قالوا لها : الحدود العراقية ـ الأردنية ( أج ـ 3 ) بعيدة جدا قالت في سرها : البعيد هو ان لا أراه . !! وان لا أتقصى حقيقة غيابه . شدت عباءتها ، وحملت اسمه فقط .وبعضا من متاع الطريق . ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين . شعرت ان ساقيها أصابهما الوهن ولا يقويان على حملها لكن إرادتها تدفعها لمواصلة الطريق نحو ولدها .الذي مازال فتيا . وعند الساعة الخامسة فجرا كانت تقف ـ أم كامل ـ شامخة في مرآب العاصمة بغداد قادمة من مدينتها . تتلفع بعباءتها وتعتمر برأسها ( العصّابة ) وتضع فوقها ( الشيلة ) تتقدم نحو أحد الجنود لتسأله عن السيارات المتجهة الى مقر سرية ولدها . اندهش الجندي عما تسأل عنه وأجابها . أنه ذاهب الى هناك ولكن لماذا تسألين .؟؟ . قالت : أريد الذهاب معكم .!! ضحك الجندي ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته . وقال : أ تمزحين يا أمي .؟؟ ثم تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله . وهل ما سمعه حقيقة . !! قالت : لا أمزح . ولكن ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على السفر اليه .!! وان كانت سيارتكم لا تكفي لا مانع ان أجلس على أرضيتها . قال : لا توجد سيارات غير هذه ( الايفا ) المتعبة لنا . فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك . عودي لدارك . وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك . قالت : لن أتراجع عن مهمتي . قال : سترين الله بهذه الرحلة .!! قالت : وأنا أريد ان أراه .!! في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة في فصل الخريف والطريق يشبه قلقها وارباكها وهي ممسكة بحلمها في اللقاء . وكلما اقتربت من المعسكر ، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها وصبرها . تنفخ فوق أصابعها المتجمدة لتتقي برد شباط . تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع كم بقي من المسافة . لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة . تفاجأهم تنهداتها لتقطع حبل أفكارهم . وهنا تترقرق دموعهم في محاجرها . عند البوابة ، لم تسأل عن القوانين . وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة حيرى . وهي تبحث عنه . علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب . فربما لأول مرة تحضر امرأة مسنة لهذه الصحراء القاحلة .!! قالت بصرامة وثبات لم تتعلمهما الا من أمومتها : جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد . انبهر الجميع لصلابتها وقوة عزمها . بالرغم من ضعف جسدها وارتعاش يديها وبحة صوتها / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها / . كان حنانها ينتشر في القاعة كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم ورودا . هكذا كان رأي أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها . قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته ، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان . هناك خلف القضبان كان ولدها . وفي تلك اللحظة لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها المدلل . وقفت أمامه بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب . وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها تنذر باقتلاع المبنى الرطب . لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة . وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية . ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته . عالم لا يبث الطمأنينة في الروح . عالم تحكمه قوانين صارمة . أطرق الضابط رأسه . نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه . وأخذ يتساءل من هذه المرأة . ؟؟ ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض . اضطربت عيناه . وكاد ان يقع مغشيا عليه . لم يفهم ماذا حدث . أخذ يفرك عينيه ويتساءل : هل هذا وجه أمي ؟؟ . أو كنت في لحظة من حلم . .وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع . شعر ولدها بضيق في بلعومه . انه يلهث كأنه لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه . ثم قال : سامحيني . أتعبتك . قالها وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه . لهذا المشهد الغريب . قالت : ما ان وقعت عيناي عليك ، حتى عاد للروح صفاؤها ونسي الجسد وعثاء الرحلة وهنا بدأ دفء الروح . انتقلت نظراته الى جموع رفاقه وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج غير منقطع . وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة . والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة . في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على الحدود . بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها وحيدا خلف القضبان .أكثر من تلك الأيام . عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع في تلك الصحراء الموحشة . لكنها تعرف تماما ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العصابة ... قطعة من الحرير الأسود يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة . ترتديها بعض النسوة المسنات . الشيلة ...قطعة من الجرجيت الاسود توضع فوق العصّابة .
#سنية_عبد_عون_رشو (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العربة
-
صمت القديسين
-
رمزية شاعرة .. ولكن
-
تسرق الريح أغانيها
-
القمر والبحر
-
الصوت
-
أصغر سيدة
-
خوذة مرقطة
-
كيف ترحل
-
المفاجأة
-
مفاجأة
-
المسرحية الهزيلة
-
غصة في ذاكرة الزمن
-
الأنكسار
-
سرقة منسية
-
عتاب شجرة
-
شهيق وزفير
-
المتهم رقم واحد
-
طفلة من غزة
-
كذبة نيسان
المزيد.....
-
الخوف بوصفه نظامًا في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل
-
الدكتور ياس البياتي في كتابه -خطوط الزمن-: سيرة إنسان ووطن
-
رفع الحجز عن معاش الفنان عبد الرحمن أبو زهرة بقرار رسمي عاجل
...
-
هل هجرت القراءة؟ نصائح مفيدة لإحياء شغفك بالكتب
-
القضية الخامسة خلال سنة تقريبًا.. تفاصيل تحقيق نيابة أمن الد
...
-
فيلم -عملاق-.. سيرة الملاكم اليمني نسيم حميد خارج القوالب ال
...
-
احتفاء كبير بنجيب محفوظ في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب
...
-
هل ينجح مهرجان المنداري ببناء جسر للسلام في جنوب السودان؟
-
مخرجة فيلم -صوت هند رجب-: العمل كان طريقة لـ-عدم الشعور بالع
...
-
-أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي: الخوف قبل العاصفة
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|