أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - حين تبدأ النهضة من العقل














المزيد.....

حين تبدأ النهضة من العقل


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 21:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم /جعفر حيدر

الانعتاق ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا فلسفيًا معلقًا في هوامش الكتب، بل هو فعل وجودي عميق يبدأ حين يكتشف الإنسان أن كثيرًا مما يعيشه لم يختره، وأن جزءًا كبيرًا من قناعاته صيغ له قبل أن يتعلم السؤال، وأن الطريق الذي يسير فيه قد يكون مرسومًا سلفًا باسم العرف أو الطاعة أو الخوف أو ما يسمى بالمصلحة العامة، والانعتاق في جوهره هو الخروج من حالة القصور التي يُراد للفرد أن يبقى فيها إلى حالة الرشد التي يصبح فيها قادرًا على أن يقرر ويتحمل مسؤولية قراره لا بوصفه تابعًا بل بوصفه إنسانًا كامل الأهلية الفكرية والأخلاقية، ففي مجتمعات كثيرة يُعامل الشاب كما لو أنه مشروع خطأ دائم يحتاج إلى وصي لا يغيب وصوت أعلى منه وعين تراقبه في اختياراته الصغيرة قبل الكبيرة في دراسته وعمله ورأيه وحتى في أحلامه ويُقنع بأن الجماعة أدرى بمصلحته منه وأن الخروج عن المسار المرسوم نوع من الخيانة أو الجنون أو قلة الأدب وهنا يصبح الانعتاق استردادًا لحق بسيط لكنه خطير في نظر السلطات الاجتماعية وهو حق الخطأ أن يختار الإنسان طريقه حتى لو تعثر وأن يدفع ثمن تجربته بكرامة لا بإذلال وأن يكون مسؤولًا لا تابعًا، ثم تأتي الأدوار الجاهزة تلك الأقفاص الناعمة التي تُبنى من كلمات مألوفة هذا دورك لأنك رجل وهذا دورك لأنك امرأة هذا سقفك لأنك فقير وهذا حدك لأنك من منطقة منسية أو عائلة عادية فيكبر الشاب وهو يمثل شخصية لم يكتبها ويرتدي قناعًا لا يشبه ملامحه فقط ليُقبل اجتماعيًا والانعتاق هنا لا يكون بالصراخ بل بالفعل الهادئ بأن يعيش الإنسان حقيقته لا الصورة التي يريدها الآخرون وأن يكسر القالب حتى لو أزعج وأن يختار جوهره لا التصفيق المؤقت، وفي زحام الحياة الحديثة قد يتحول الشاب إلى رقم موظف يؤدي حركة محفوظة أو مستهلك يكرر دورة الشراء والانتظار يشعر أنه ترس صغير في آلة كبيرة لا تعرف اسمه ولا أحلامه يعمل ليبقى حيًا لا ليصنع معنى وهنا يصبح الانعتاق استعادة للإنسان من داخل الوظيفة أن يرى في عمله أثرًا لا مجرد تعب وفي حياته مشروعًا لا مجرد وقت يمر وأن يعود الشعور بأن له قيمة تتجاوز الإنتاج والاستهلاك، والأخطر من كل ذلك هو القيد الذي لا يُرى حين تُزرع في العقول أفكار على أنها حقائق نهائية وتُقدم القناعات الجاهزة بوصفها قدرًا فيؤمن الشاب أن الظلم طبيعي وأن الصمت حكمة وأن الاعتراض وقاحة وأن الفشل نصيب مكتوب لا نتيجة نظام مختل وهنا يكون السجن داخل الرأس والانعتاق الحقيقي يبدأ بسؤال صغير قد يبدو بريئًا لكنه يهز الأساسات لماذا ومن قرر هذا ولصالح من ومن قال إن ما نعيشه هو الشكل الوحيد الممكن للحياة، ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا هل يحتاج الشباب في وطننا إلى الانعتاق والجواب ليس نعم أو لا فقط بل توصيف لحالة نعم يحتاجون إليه لأن كثيرًا منهم يعيش بين وصاية اجتماعية ثقيلة وأدوار مفروضة واغتراب صامت وقناعات موروثة لم تُختبر يحتاجون إلى انعتاق لا يحطم المجتمع بل ينضجه ولا يهدم القيم بل ينقذها من التحول إلى أدوات قمع انعتاق يجعل الشاب شريكًا في الوطن لا مجرد تابع فيه فالوطن لا يُبنى بأناس يخافون التفكير بل بأناس يجرؤون على أن يكونوا أحرارًا ومسؤولين في الوقت نفسه أحرارًا في الاختيار ومسؤولين عن نتائج هذا الاختيار وهناك فقط يبدأ المعنى الحقيقي للنهضة لا حين تتغير الوجوه بل حين تتحرر العقول.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مبدأ النعت وشرف الخصومة
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- شاهد.. عواصف شديدة تُلحق دماراً واسعاً في الغرب الأوسط الأمر ...
- إعلام إيراني: أمريكا تستهدف سفينة بضائع كانت متجهة من عُمان ...
- إيران تحذّر دولًا إقليمية وتؤكد وضع هذه الدول بـ-صف المعتدين ...
- تصعيد إقليمي جديد.. تبادل ضربات بين واشنطن وطهران وغارات مكث ...
- هل يخرج التصعيد عن السيطرة؟ تحذيرات من مواجهة أمريكية إيراني ...
- من الركام إلى الجدران.. سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعا ...
- مجلس السلام يستبعد نزع السلاح في غزة.. وملف إعادة الإعمار -م ...
- بقيمة 350 مليون دولار.. إسرائيل تصوّت على تمويل 61 بؤرة استي ...
- الأردن والبحرين يعلنان اعتراض وتدمير صواريخ إيرانية
- طهران: وقف النار -منعدم الجدوى- وسنعمل على ضرب مصادر الهجمات ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - حين تبدأ النهضة من العقل