|
|
2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 15:18
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
تنتج الحرب في السودان مقاتليها بنفس الدقة القاتلة التي تنتج بها المصانع سلعها الاستهلاكية، إذ لا يظهر المقاتل هنا كفاعل عرضي بل كسلعة أساسية في اقتصاد الحرب ذاته. ومن هذا المنطلق، لا يصبح اختلاف الأسماء التنظيمية سوى واجهات وظيفية تخفي مصنعاً واحداً يعمل وفق خطة إنتاج موحدة. تبدأ العملية بتحويل الإنسان من منتج اجتماعي إلى مادة حربية قابلة للاستهلاك، ثم تكتمل باستنزاف طاقته البشرية في حرب مفتوحة تخدم نظام تراكم طفيلي لا يعرف سوى منطق النهب. هكذا تعمل الآليات التي تنتج هذه السلعة البشرية عبر كل المعسكرات العسكرية، بتنوع أشكالها الظاهر ووحدة جوهرها الطبقي.
يتصدر التجنيد هذه السلسلة بوصفه الآلية الأولى في عملية التحويل، حيث يُعاد تعريف الفقراء من فائض بشري غير مرغوب فيه إلى وقود حربي مطلوب. ومن خلال هذا التحول، تستخدم المؤسسة العسكرية النظامية خطاب "الخدمة الوطنية" و"الدفاع عن الوطن" لإعادة إنتاج علاقة استغلالية مقنّعة، تخفي واقع أن التجنيد تحوّل عملياً إلى مصيدة اقتصادية للعاطلين عن العمل. ينطلق التجنيد في المناطق المهمشة كضرورة مفروضة على من لا يملكون بديلاً، إذ يجد من فقد أرضه ومصدر رزقه في الراتب العسكري الهزيل مخرجاً مؤقتاً من الجوع، وإن كان ثمنه تحويل جسده إلى أداة في صراع لا يعبر عن مصالحه.
تعمل قوات الدعم السريع وسائر التشكيلات المليشياوية ضمن المنطق نفسه، لكن عبر أشكال تنظيمية مختلفة. فبدلاً من خطاب الدولة، تستقطب هذه التشكيلات المراهقين المعدمين والعاطلين بآليات "توظيف" اقتصادي مباشر، تحل فيها الحصة من الغنيمة والإتاوات محل الأجر المنظم. في هذا السياق، لا يظهر المقاتل كمدافع عن قضية، بل كبائع لقدراته على العنف في سوق مفتوحة تحكمها علاقات العطاء والولاء الطفيلية. وتبلغ هذه الآلية ذروتها في المليشيات القبلية، حيث تتحول الولاءات التقليدية إلى عقود عسكرية، وتُعاد صياغة علاقات القرابة كشبكات تجنيد لمن أُغلق أمامهم سوق العمل المدني المنهار.
تكشف الوحدة الطبقية للمجندين عبر هذه الأشكال المتباينة عن حقيقة مادية واحدة، مفادها أن الفقير لا يُجنّد بدافع قناعة أيديولوجية خالصة، بل لأن الحرب أصبحت سوق العمل الوحيد المتاح في اقتصاد تحولت فيه الدولة من مشغّل للعمال إلى مشغّل للمقاتلين. وبهذا التحول، ينتقل العنف من كونه وسيلة سياسية استثنائية إلى مهنة دائمة، ومن حدث طارئ إلى نمط عيش مفروض على جيل كامل حُرم من أي بدائل إنتاجية.
يعيش المقاتلون، رغم اختلاف معسكراتهم، ضمن اقتصاد بقاء مشترك يخفي وحدة الشروط خلف تباين أشكال الدفع. فالجندي النظامي يتقاضى راتباً هزيلاً لا يكفي للعيش، ويُستكمل بالنهب الجانبي والفساد الصغير، بينما يعتمد المقاتل المليشياوي على حصة متقلبة من الغنيمة والابتزاز المباشر. غير أن هذا التباين الشكلي لا يمس الجوهر، إذ يقوم النظامان معاً على استغلال قوة العمل العنيفة دون أي ضمانات اجتماعية أو أفق مستقر. يبقى الاختلاف في شكل الدخل تفصيلاً ثانوياً أمام وحدة العلاقة الاستغلالية التي تربط المقاتل البسيط بقيادته في كل الحالات.
تتحول هذه الآليات الاقتصادية، بفعل تراكمها، إلى حلقة مفرغة تعيد إنتاج الفقراء المسلحين كشرط بنيوي لاستمرار نظام التراكم الحربي. فكلما تصاعدت وتيرة القتال، تضاعفت الأرباح الناتجة عن النهب والاتجار والصفقات العسكرية، وارتفع معها الطلب على مقاتلين جدد. يخلق النظام سوقه الخاصة للعمالة المسلحة، ويعيد تدوير الفقراء من ضحايا للحرب إلى وقود لها، ضمن دورة مادية محكمة تتغذى على ذاتها. يصبح تدمير الاقتصاد المنتج شرطاً لازدهار اقتصاد الحرب، وتغدو القدرة على تجنيد المزيد من الفقراء مؤشراً على نجاح النخبة المسلحة في إدارة نظامها الطفيلي.
يقتضي التحليل الماركسي النظر إلى هذه الآليات بوصفها جزءاً عضوياً من البنية التحتية لنمط إنتاج مشوّه، لا كظواهر فوقية يمكن معالجتها بالإصلاح الأخلاقي. فكما تنتج الرأسمالية الصناعية البروليتاريا الحضرية عبر تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم، تنتج رأسمالية الحرب السودانية البروليتاريا الرثة المسلحة عبر تجريد الفلاحين والعمال من الأرض والعمل المنتج. ويكمن الاختلاف في أن هذه البروليتاريا الجديدة لا تبيع قوة عملها في المصانع، بل في ساحات القتال، ولا تنتج سلعاً استهلاكية، بل دماراً يتحول هو نفسه إلى سلعة في سوق النخبة المسلحة.
تعمل هذه الآليات الموحدة ضمن تحالف موضوعي بين أشكال التنظيم المسلح المختلفة، حيث لا يتناقض التعدد الظاهري مع الوحدة البنيوية. فالجيش النظامي يحتاج إلى المليشيات لتنفيذ ما لا يمكن تبريره رسمياً، بينما تحتاج المليشيات إلى الغطاء القانوني والشرعية التي يوفرها الجيش. ينتج عن ذلك تقسيم عمل داخل نظام واحد، يتخصص فيه كل طرف بوظيفة محددة ضمن سلسلة القيمة العنيفة. تكشف هذه العلاقة الجدلية أن التنافس الظاهر لا يلغي التعاون العميق في إعادة إنتاج نظام التراكم الحربي ككل.
يتجلى التناقض الرئيسي في أن البروليتاريا الرثة المسلحة، رغم كونها المنتج المباشر للعنف-السلعة، لا تحوز أي نصيب من فائض القيمة الناتج عن عملها الحربي. يذهب هذا الفائض إلى قادة الحرب ووكلاء الاقتصاد الطفيلي، بينما يظل المقاتل البسيط أسير دائرة البقاء اليومي. يتحول العنف، على نحو ما وصف ماركس العمل في ظل الرأسمالية، إلى نشاط مغترب عن الذات، حيث لا يؤكد الإنسان نفسه فيه بل ينفيها، ولا يجد فيه إشباعاً بل شقاءً دائماً.
تفضي هذه الآلية الموحدة إلى إنتاج وعي زائف منقسم يعوق تشكل وعي طبقي جامع. يرى المقاتلون عبر خطوط المواجهة المختلفة في بعضهم أعداء وجوديين، بينما يشتركون فعلياً في الخضوع للنظام الاستغلالي ذاته. تعمل أيديولوجيات القومية والقبلية والطائفية على حجب هذه الحقيقة، وتحويل الصراع إلى اقتتال بين فقراء يخدم، في محصلته النهائية، نخبة تستفيد من ديمومة الحرب.
ينتهي التحليل إلى أن معالجة إشكالية البروليتاريا الرثة المسلحة لا يمكن أن تتم عبر نزع سلاح فردي أو برامج إعادة تأهيل سطحية، بل تقتضي تفكيك نظام التراكم الحربي نفسه. فطالما استمرت الآليات الاقتصادية التي تنتج الفقر وتجعل من الحرب خيار البقاء الوحيد، ستستمر دورة إنتاج المقاتلين الجدد. يكمن التحدي الثوري الحقيقي في تحويل هذه الطاقة البشرية المدمَّرة إلى قوة منتجة، وفي نقل المقاتلين من موقع الأدوات في حروب النخب إلى موقع الفاعلين في صراع طبقي يستهدف تغيير علاقات الإنتاج ذاتها.
"العسكرة هي السمة المميزة للمجتمعات التي تفشل في خلق قيمة خارج نطاق النهب" فرانز فانون.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا
...
-
11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
-
10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
-
9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
-
8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي
...
-
7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
-
6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
-
5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
-
4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل
...
-
3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية
...
-
2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1
...
-
حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
-
16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في
...
-
15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع
...
-
14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة
...
-
13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم
...
-
12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا
...
-
11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
-
10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس
...
-
9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس
...
المزيد.....
-
ترامب يقول إن صبره على إيران -أوشك على النفاد- وطهران تسمح ل
...
-
أزمة تمديد ولاية الرئيس.. لاءات المعارضة تُدني الصومال من ال
...
-
حرب إيران مباشر.. غموض بشأن قرارات ترمب المقبلة ولبنان يطالب
...
-
-فاقد لمهارات الاتصال-.. زلات ميرتس تربك ألمانيا
-
نواف سلام: كفانا مغامرات عبثية في خدمة -مشاريع أجنبية-
-
مهاجرون أفارقة يجدون في المغرب -لقمة عيش واستقرار-
-
قتلى وجرحى بغارة إسرائيلية على مركز للدفاع المدني جنوب لبنان
...
-
عشرات سيارات -وايمو- بدون سائق تجوب حيًا سكنيًا بأمريكا.. شا
...
-
حفرة عميقة تحاصر سيارة على طريق سريع في ولاية نيويورك.. ومئا
...
-
-علاقتنا جيدة للغاية-.. ماذا قال ترامب عن تواصله مع زعيم كور
...
المزيد.....
-
حين مشينا للحرب
/ ملهم الملائكة
-
لمحات من تاريخ اتفاقات السلام
/ المنصور جعفر
-
كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين)
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل
/ رشيد غويلب
-
الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه
...
/ عباس عبود سالم
-
البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت
...
/ عبد الحسين شعبان
-
المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية
/ خالد الخالدي
-
إشكالية العلاقة بين الدين والعنف
/ محمد عمارة تقي الدين
-
سيناء حيث أنا . سنوات التيه
/ أشرف العناني
-
الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل
...
/ محمد عبد الشفيع عيسى
المزيد.....
|