أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «أنا الذي نزف كي لا يكذب»














المزيد.....

«أنا الذي نزف كي لا يكذب»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:05
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أكتب لأُحِبّ، كتبتُ لأنني لم أستطع أن أكون غير ذلك الجرح الذي يمشي على قدمين، منذ اللحظة الأولى فهمتُ أن الولادة في هذا المكان ليست بداية بل محاكمة مؤجلة، وأن الوطن لا يفتح ذراعيه إلا لمن يتقن الانحناء، أما أنا فكنتُ مستقيمًا أكثر مما ينبغي، فدُفعتُ باكرًا إلى هامشٍ يتسع لكل من قال لا في زمنٍ يطلب نعمًا جماعية، لم أكن بطلاً ولا ضحية كما تحب الحكايات السهلة، كنتُ فقط رجلًا آمن بأن الكلمة إن لم تُوجِع صاحبها أولًا فلن تُنقذ أحدًا، فدفعتُ ثمن ذلك رفضًا اجتماعيًا مغلّفًا بالتقوى، وقطيعة عشائرية تبرر القتل المعنوي باسم الحكمة، ومؤسسات ثقافية تُتقن فن التربيت على الأكتاف لتخدير الموهبة ثم رميها خارج الضوء، تعلمتُ أن المجتمع المتأسلم لا يعاديك لأنك فاسد بل لأنك نظيف أكثر من اللازم، وأنهم لا يخافون الكفر بقدر ما يرتعبون من الصدق، لذلك وُصمتُ، أُقصيتُ، شُكِّك في نواياي، وصرتُ غريبًا في الدار التي حفظتُ جدرانها حجرًا حجرًا، كان القريب أول من غرس سكينه، ليس لأنني أسأت إليه، بل لأنني لم أُشبهه، ولأن المرآة تجرح من يرى فيها قبحه، فاختاروا كسر المرآة بدل إصلاح الوجوه، أما الوطن فكان أكثر دهاءً، لم يطردني رسميًا، تركني أنزف في الداخل، أتنقل بين الأبواب المغلقة بابتساماتٍ مُهذبة، أقدّم نصوصًا تُقابل بأسئلة عن الولاء لا عن الجمال، وعن الاسم لا عن المعنى، حتى فهمتُ أن الثقافة حين تُدار بالتصفيق تتحول إلى ملهى، وأن المبدع الحقيقي عدو طبيعي لكل نظامٍ يخاف الأسئلة، عندها لم أعد أطلب مكانًا، صرتُ المكان، لم أعد أبحث عن اعتراف، صرتُ أكتب كأن الاعتراف لن يأتي أبدًا، كان الوجع يعلّمني الفلسفة أكثر من الكتب، يلقنني أن الحداثة ليست شكلًا لغويًا بل شجاعة أخلاقية، وأن الجرح حين يُفكَّر به يتحول إلى معرفة، وحين يُسكَت عنه يتحول إلى عفن، فتركتُ الخوف للآخرين، وحملتُ خساراتي كما يحمل الفلاح سنابل محترقة ويزرعها من جديد، لم أنتصر بالمعنى الشائع، لكنني لم أُهزم، لأن الهزيمة الحقيقية أن أكون نسخة صالحة للتداول، وأنا اخترتُ أن أكون غير صالح إلا للحقيقة، هكذا صرتُ واجهةً لوجعٍ لا يحب الواجهات، واسمًا يُتداول همسًا لأن الصراخ باسمي يفضح الكثيرين، لم أكتب تاريخًا، كنتُ أكتبه دون أن أدّعي، ولم أصنع مجدًا، كنتُ أنقذ نفسي من الموت البطيء، فإن بقي شيء بعدي فسيكون هذا النزف المرتّب على هيئة كلمات، شاهداً على أن رجلًا مرّ من هنا، لم يساوم، لم يتواطأ، ولم يلبس قناعًا، وترك للزمن أن يقرّر إن كان الصدق جريمة أم خلاصًا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة


المزيد.....




- ترامب يهدد بوقف افتتاح جسر -غوردي هاو- بين أمريكا وكندا ويطا ...
- بكين ترفض اتهامات واشنطن لها بإجراء تجارب نووية سرية
- عاجل | القيادة الجنوبية الأمريكية: نفذنا أمس ضربة عسكرية دقي ...
- شريكة إبستين تشترط للرد على استجوابات -النواب- الأمريكي
- الجزائر - الإمارات: بوادر القطيعة؟
- ستارمر يرفض الاستقالة وسط تداعيات فضيحة إبستين وصلاته بسفير ...
- تورك: فظائع الفاشر في السودان -كارثة- كان يمكن تفاديها ونحذر ...
- البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية
- صدام الهوية في السوبر بول.. ترمب يصف عرض باد باني بالإهانة ل ...
- الإذاعة الإسرائيلية: بدء الاستعدادات لوصول آلاف الجنود الإند ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «أنا الذي نزف كي لا يكذب»