|
|
العراق في زمن اللايقين المالي العالمي: لماذا يجب أن تسبق سياسات التحوط أي مشروع إصلاحي؟
عامر عبد رسن
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:06
المحور:
الادارة و الاقتصاد
لماذا ارتفعت أسعار الذهب… ثم عاودت الانخفاض؟ قراءة في تحولات الثقة بالنظام النقدي العالمي منذ عام 1971، حين ألغيت رسميا قاعدة الذهب، لم يعد الدولار الأميركي عملة مغطاة بالمعدن النفيس، بل أصبح يستند إلى ثلاثة أعمدة أساسية: • قوة الاقتصاد الأميركي، • عمق أسواقه المالية، • والثقة السياسية والمؤسسية بالنظام الأميركي. هذه المعادلة لم تنهر، ولا تزال فاعلة حتى اليوم. لكن ما يجري في الأسواق العالمية حاليا لا يمكن اختزاله بسردية انهيار الدولار، بل هو أدق وأعمق: إنه تآكل تدريجي في احتكار الدولار المطلق كحامل وحيد لمدخرات العالم. السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينهار الدولار؟ بل أصبح: هل ما زال العالم راغبا في وضع كل احتياطياته داخل أصل واحد؟ من الاحتكار إلى إدارة المخاطر خلال العامين الأخيرين، اتخذت دول كبرى وغنية – من بينها الصين، بعض دول الخليج، سنغافورة، روسيا، إضافة إلى بنوك مركزية آسيوية وأفريقية – خطوات واضحة لتقليص حيازاتها من سندات الخزينة الأميركية. الصين وحدها قلصت ما يقارب 600 مليار دولار من هذه السندات. هذا السلوك لا يعكس عداء للدولار، بل تحولا في فلسفة إدارة المخاطر الجيوسياسية، خصوصا بعد استخدام الدولار ونظام SWIFT كسلاح عقوبات، كما حدث مع تجميد الاحتياطيات الروسية في المصارف الأوروبية. في هذا السياق، عاد الذهب إلى الواجهة، ليس بوصفه بديلا للعملات، بل كأصل سيادي محايد لا يخضع لقرار سياسي أو تجميد إداري. يبدو أنها كانت موجة صعود… ثم تصحيح عنيف سجل الذهب خلال الأشهر الماضية أعلى مستويات مشتريات رسمية من البنوك المركزية منذ أكثر من خمسين عاما، ما شكل محركا رئيسيا لموجة الارتفاع التاريخية، إلى جانب المضاربات بطبيعة الحال. لكن كما في كل دورة مالية، اختلط الهيكلي بالمضاربي. فبعد بلوغ الذهب قمما تاريخية، دخل السوق مرحلة تصحيح حاد، مدفوعا بعدة عوامل متداخلة: • غياب بيانات اقتصادية أميركية حساسة بسبب الإغلاق الجزئي للحكومة. • تحولات في توقعات أسعار الفائدة الأميركية. • ما بات يُعرف بـ بصمة شنغهاي، حيث فرضت التداولات الآسيوية – خصوصا الصينية – إيقاعها على السوق العالمية. هذه البصمة تحولت سريعا إلى عبء حين تدخلت المصارف الصينية لكبح السيولة الساخنة، فانفجرت فقاعة المضاربات، وتحول الملاذ الآمن مؤقتا إلى ساحة تصفيات قسرية، امتد أثرها إلى الفضة والمعادن والعملات المشفرة. الذهب ليس فقاعة… بل إعادة توزيع ثقة رغم قسوة التصحيح، تراهن مؤسسات مالية دولية على أن القيمة الهيكلية للذهب المادي لم تمس فالطلب السيادي لا يزال قائما، والدافع ليس تحقيق أرباح قصيرة الأجل، بل إعادة توزيع الثقة في عالم بات نظامه المالي أكثر تسييسا من أي وقت مضى. والتحول لا يقتصر على الذهب: • صعود دور تكتل بريكس في تجارة الطاقة والسلع. • تنويع الاحتياطيات بين الذهب، اليوان، عملات إقليمية، وأصول حقيقية كالمعادن والطاقة والغذاء. • حتى العملات الرقمية دخلت – جزئيًا – كأدوات تحوط من النظام المالي التقليدي. الخلاصة: نهاية سياسة العملة الواحدة… لا نهاية الدولار المرحلة القادمة ليست نهاية العملة الأميركية، بل نهاية فكرة أن يحمل أصل واحد عبء النظام المالي العالمي بأكمله. والأذكى – فردا كان أم دولة – هو من يدرك أن: الادخار النقدي الخالص لم يعد ملاذا، وأن تنويع الأصول هو لغة العصر الجديد. الذهب، في هذا السياق، لا يصعد لأنه بديل عن الدولار، بل لأنه مرآة لقلق عالمي يعيد ترتيب ثقته، لا ينسفها. أولا: الإطار الذهني للتحوط في حالة العراق : العراق ليس اقتصاد نمو حاليا، بل اقتصاد بقاء واستقرار نسبي. لذلك، أي سياسة تحوط يجب أن تبنى على ثلاث حقائق غير قابلة للتجميل: 1. الاقتصاد أحادي المورد (نفط) 2. السيادة النقدية منقوصة فعليا ( بحكم الدولار، الاحتياطي، الامتثال الدولي) 3. الدولة هي رب العمل الأكبر والمستهلك الأكبر والموزع الأكبر إذن، هدف التحوط ليس تعظيم العائد، بل: • تقليل الانكشاف على الصدمات • إطالة أمد الاستقرار المالي • منع الانهيار المتسلسل عند أول أزمة إقليمية أو نفطية ثانيا: السياسة الاقتصادية (Economic Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف ينتج الاقتصاد؟ التحوط عبر إعادة تعريف التنويع ، التنويع في العراق لا يعني خلق قطاعات جديدة دفعة واحدة، بل: • تقليل كلفة الدولة على الاقتصاد • تقليل اعتماد المجتمع على التوظيف الحكومي • تحويل الدولة من مشغل إلى منظّم مقترحات عملية: • وقف التوسع الوظيفي الحكومي دستوريًا (سقف توظيف) • تحويل الدعم من دعم أسعار إلى دعم إنتاج • تفكيك الأنشطة الحكومية القابلة للخصخصة التدريجية: o النقل o التوزيع o الخدمات الثانوية التحوط يعني هنا تقليل التزامات الدولة المستقبلية (تحوط غذائي–طاقي مزدوج). العراق لا يحتاج أمنا غذائيا كاملا، بل: • أمنا غذائيا انتقائيا (قمح – شعير – رز – أعلاف) • أمن طاقة داخلي يفصل الاستهلاك المحلي عن التصدير أدوات: • عقود زراعة طويلة الأجل (PPP) • ربط الدعم الزراعي بالإنتاج لا بالمساحة • فصل حسابات الطاقة المحلية عن حسابات التصدير النفطي ثالثا: السياسة المالية (Fiscal Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف تنفق الدولة؟ التحوط المالي يبدأ من كبح الإنفاق الجاري ، أخطر ما في العراق: • الرواتب • التقاعد • الدعم المفتوح هذه قنابل زمنية مالية. مقترحات تحوط: • تثبيت نسبة الإنفاق الجاري من الناتج المحلي (Fiscal Rule) • أي زيادة نفطية → تذهب تلقائيا للاحتياطيات أو صندوق سيادي • منع استخدام الوفورات النفطية للتوظيف أو زيادات الرواتب تأسيس صندوق سيادي تحوطي لا استثماري ، العراق لا يحتاج صندوقا كالنرويج، بل: صندوق امتصاص صدمات ، خصائصه: • أصوله: o ذهب o سندات سيادية غير أميركية جزئيًا o سيولة متعددة العملات • ممنوع: o تمويل الموازنة الجارية o تمويل مشاريع سياسية يكون التحوط عبر تفكيك وهم الإيرادات غير النفطية ، مثل الضرائب في اقتصاد ريعي هش: • لا تستخدم لتمويل الدولة • بل لضبط السلوك الاقتصادي الأفضل: • ضرائب انتقائية ذكية: o كماليات o مضاربة o استيراد استهلاكي وليس: ضغط على الإنتاج المحلي أو الدخول الضعيفة رابعا: السياسة النقدية (Monetary Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف نحمي العملة والثقة؟ وهنا يجب أن نكون صريحين: العراق لا يملك سياسة نقدية مستقلة كاملة. والتحوط النقدي هو ليس رفع أو خفض سعر الصرف ، التحوّط الحقيقي هو: • إدارة الاحتياطيات • تنويعها • حمايتها من التسييس الخارجي مقترحات: • رفع حصة الذهب تدريجيًا • تخفيض الاعتماد الأحادي على الدولار دون إعلان سياسي • توزيع الاحتياطيات جغرافيًا ومؤسسيًا ونحتاج بصورة عاجلة الى تحوط مصرفي داخلي ، إذ أن النظام المصرفي العراقي مازال : • ضعيف • هش • عرضة للذعر وعليه يجب تعزيز هذه إلاجراءات: • ضمان ودائع محدود وواضح • منع التوسع الائتماني غير المنتج • ربط الإقراض بالإنتاج لا بالاستهلاك خامسا: أخطر خطأ يجب تجنبه ، هو خلط السياسة الاقتصادية بالمالية بالنقدية • لا تطلب من البنك المركزي حل مشاكل الموازنة • لا تستخدم السياسة المالية لمعالجة بطالة هيكلية • لا تحمل سعر الصرف وزر فشل الإدارة العامة هذا الخلط هو ما أسقط دولا أكبر من العراق. الخلاصة التحوطية ، العراق بواقعه الحالي لا يحتاج: • شعارات تنويع • ولا قفزات نقدية • ولا وصفات جاهزة بل يحتاج: • إدارة هادئة للمخاطر • تقليل الالتزامات المستقبلية • شراء الوقت بثمن عقلاني التحوط ليس طموحا… التحوط فن البقاء حين لا تملك ترف المغامرة.
#عامر_عبد_رسن (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العراق والفرصة المؤجلة: قراءة عراقية في خريطة النفط الإقليمي
...
-
من الريع إلى القيمة: كيف يمكن للعراق أن يبني إستراتيجية واقع
...
-
المدد الدستورية بين النص والتعطيل السياسي: مسؤولية القضاء وح
...
-
العراق والسعر العادل لبرميل النفط ؛ حلول سريعة اليوم… أو قرا
...
-
العراق في زمن إعادة ترتيب الإقليم كيف تحول الديمقراطية المنز
...
-
العراق على حافة القرار : خطورة القرارات الفردية في زمن التحو
...
-
العراق في زمن التحولات العالمية الكبرى : مسؤولية القرار في م
...
-
المعادن العراقية: ثروات منسية
-
الذكاء الاصطناعي والطاقة في العراق: علاقة مصيرية للجيل القاد
...
-
عصر اللا – نصر
-
الثورة الهادئة في مفهوم الشرعية: قراءة دستورية معمّقة في قرا
...
-
هيمنة البنوك الحكومية على الائتمان المالي في العراق: حقيقة ا
...
-
الكاش يبتلع السياسة: كيف غذّى اكتنازُ 90 تريليون دينار فوضى
...
-
خطر التصعيد الموجَّه: محاولات جرّ العراق إلى مواجهة مع إسرائ
...
-
هل من الممكن رفع الكفاءة التشغيلية في وزارة النفط ؟
-
العراق بين التفاؤل الدولي والواقع الهيكلي: قراءة نقدية في أر
...
-
أهمية عودة Exxon Mobil إلى العراق — تحليل اقتصادي
-
تحوُّط اقتصادي استراتيجي للعراق في ظلّ بيئة عالمية متقلّبة
-
عراق 2035: مدن تبتلع حقولها الخضراء
-
حقل إريدو النفطي الواعد بين الإمكان الاقتصادي والمأزق التنفي
...
المزيد.....
-
تكدس 500 شاحنة لبنانية.. السائقون أكبر المتضررين من منع دخول
...
-
لوموند: أفريقيا تتجه نحو الخليج بحثا عن -التمويل الإسلامي-
-
-ميسترال-.. طريق أوروبا لمواجهة سيطرة الذكاء الاصطناعي الأمر
...
-
المركزي السوري: نعمل مع البنك الدولي على مشاريع لدعم تعافي ا
...
-
صحيفة: ستارمر -لا يستطيع- إقالة وزير انتقد سياسته الاقتصادية
...
-
بالأرقام.. هل ينقذ -اليورو الرقمي- أوروبا من هيمنة -فيزا- و-
...
-
ارتفاع الذهب والفضة بدعم بيانات أمريكية ضعيفة
-
قلقيلية تسجل أعلى معدلات الطلاق: وسائل التواصل والأزمات الاق
...
-
صحيفة: سوريا تراهن على احتياطيات غاز تريليونية لجذب عمالقة ا
...
-
رئيسة المفوضية الأوروبية: آن الأوان لاستقلال أوروبا اقتصاديا
...
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|