|
|
الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
منذر علي
الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 20:48
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
يُقدَّم الانفصال، في الخطاب المتداول، بوصفه خلاصًا لشعب الجَنُوب اليمني، أو دواءً لمظالم قديمة، أو طريقًا أقصر إلى الكرامة والاستقرار. غير أن الفكرة، إذا أُخضعت لمعيار العقل لا لمعيار الانفعال، تبدو على غير ما يُشاع عنها: فهي، في جوهرها العملي، مشروعٌ يخدم أقلية محلية بعينها، ويخدم معها قُوَى إقليمية توسعية ذات نزعة رجعية، ويصبّ، بِطْرِيق مباشر أو غير مباشر، في مصلحة القوة الصهيونية؛ أما اليمنيون، في الجَنُوب والشمال والشرق والغرب، فلا ينالون منه إلا مزيدًا من التشظي، وتضاؤل القدرة على الحياة السياسية والاقتصادية المستقرة. وقد يحتجّ محتجٌّ ويقول إنَّ للانفصال أنصارًا كُثُرًا، وإن الميادين قد امتلأت، وإن الحشود دليلُ حق. لكن الحشود، في تاريخ البشر، ليست برهانًا على الحكمة، ولا شهادةً على نبل المقصد.
فكثيرًا ما تعبّر التظاهرات عن الغضب، لا عن الرشد؛ وعن طلب الخلاص العاجل، لا عن اختيار الطريق الأقل كلفة على المدى الطويل. في ألمانيا الثلاثينيات خرج الملايين يؤيدون هتلر وصوّتوا له، ثم اكتشفوا، بعد فوات الأوان، أنهم صوّتوا للخراب. وفي الولايات المتحدة صوّت عشرات الملايين لترامب، وكان في ذلك ما كان من تعميق الانقسام واضطراب المجال العام في أمريكا وتهديد السلام العالمي. المعنى هنا ليس تشبيه أشخاصٍ بأشخاص، بل تقرير قاعدة: الإرادة الجمعية حين تنفلت من العقل ومن معيار العدل والسلام والاستقرار والتقدم، قد تتحول إلى اندفاعٍ أعمى نحو الهاوية. إن الجَمهور قد يخطئ؛ بل قد يخطئ على نطاقٍ واسع، وبحماسةٍ واسعة.
ولكي نفهم الدوافع الحقيقية وراء الرغبة الجارفة لدى بعض الجماعات اليمنية في فصل جَنُوب اليمن عن شماله، لا يكفي أن نكرر رواية “المظلومية” وحدها، ولا أن نكتفي باستدعاء حرب 1994 وما تلاها من إجراءات تعسفية بحق موظفي الدولة في الجَنُوب. فهذه المظالم، مهما كانت قاسية وحقيقية، قد تُتخذ ذريعةً لمشروعٍ لا يعالجها، بل يوظّفها في خدمة أهدافه البغيضة. والعدالة، إذا أُريد لها أن تكون عدالة لا شعارًا، لا تتحقق بتجزئة الوطن وإضعافه، بل في إطار يمنٍ كبير موحد، ديمقراطي، عادل، قوي: دولةٌ تُقوِّم أخطاءها وتُصلح مؤسساتها، لا كياناتٌ صغيرة تتنازع السيادة وتستدعي الوصاية الخارجية.
من هنا لا يصحّ التعامل مع الانفصال كأنه شعارٌ مكتفٍ بذاته، بل بوصفه مشروعًا سياسيًا تُقاس قيمته بنتائجه لا بضجيجه. لذلك يلزم تفكيك المسألة على ضوء أسئلةٍ فاصلة: لمن تُفتح أبواب المكاسب إذا وقع الانفصال؟ وعلى من تقع عبء الخسائر؟ وأيُّ قوى، محلية كانت أم إقليمية أم دولية، تتولى الدفع به وتمويله وتوجيه مساره، وكيف تتقاطع مصالحها أو تتنازع؟
يُقال إن المجلس الانتقالي، الذي يغلب عليه حضور الضالع وردفان والشعيب ويافع، يدفع نحو الانفصال لأنه، في ظل الوحدة، لا يستطيع أن ينفرد بحكم اليمن؛ أما في حال الانفصال فيغدو الطريق أقصر إلى سلطةٍ محصورةٍ بجغرافيا أقل واتساع اجتماعي أقل، بما يجعل السيطرة أيسر والمنافسة أضعف.
وتريد الإمارات الانفصال لأنها، بحساب الديمغرافيا والجغرافيا والسياسة، لا تستطيع بسط نفوذٍ واسعٍ على اليمن في ظل وحدةٍ تعيد إنتاج مركز قرار كبير؛ أما في وضع الكيانات المجزأة فمراكز القرار تتكاثر، ويغدو النفوذ الخارجي أكثر سهولة، خصوصًا في السيطرة على المواني والممرات البحرية.
وتريد السُّعُودية، حَسَبَ هذا المنطق، الانفصال لأنها تطمح إلى السيطرة على أجزاء واسعة من الشرق اليمني، ولأن يمنًا موحدًا قويًا ليس خبرًا سارًا لمن اعتاد التعامل مع جارٍ ضعيف متعدد الأبواب.
أما إسرائيل فلا يريحها قيام يمنٍ موحد قوي يملك، بحكم موقعه الاستراتيجي، قدرةً محتملة على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي. هكذا يبدو الانفصال، لمن ينظر بعينٍ سطحية، كأنه بات قريبًا: اصطفاف مصالح، وتنافس رعاة، وتهافت بعض السياسيين طلبًا لمالٍ أو منصب في تشكيلٍ حكومي مرتقب. غير أن الواقع، على ما فيه من فوضى، أعقد من الصورة التي يروّجها المتحمسون.
فقد أقام المجلس الانتقالي يوم أمسِ الجمعة، 23 يناير 2026، تظاهرة كبرى في ساحة العروض بعدن قُدّر حضورها بنحو ستين ألف متظاهر. ووفقًا لمشاركين، قيل إن 90% من المتظاهرين متحدّرون من محافظات الضالع ولحج وأبين (يافع). وإذا صحّت هذه النسبة، فهي تحمل دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها: أنها تُظهر محدودية القاعدة الجغرافية والاجتماعية والسياسية للمشهد، وأن بقية المحافظات الجنوبية، بالوزن السكاني والسياسي، ليست ممثلة تمثيلًا حقيقيًا في هذا “الإجماع” المزعوم.
والمتلهفون للانفصال، سواء داخل اليمن أو في الرياض وأبو ظبي أو في القاهرة أو في أمريكا وأوروبا، لا يتحمسون، من هذا المنظور، لأنه الطريق الأمثل للتحرر والاستقرار والتطور وتحقيق العدالة وضمان السيادة وصيانة الكرامة؛ بل لأن الانفصال يتيح لهم حكم الجَنُوب بمفردهم، وهو ما لا تتيحه لهم الوحدة. إن الدافع هنا ليس بناء دولةٍ أفضل، بل تقليص ساحة المنافسة على السلطة؛ ومن هذه الزاوية يصبح “حق تقرير المصير” أحيانًا ستارًا لغريزة الحكم لا مبدأً للعدالة.
ثم إن البيت الانفصالي ذاته ليس كتلة واحدة؛ فهو منقسم بين ولاءٍ للإمارات، يتركز، كما يُقال، في محافظة الضالع، و يضم شريحة من الفلاحين الفقراء والعسكريين والموظفين، و نسبة صغيرة من المغتربين وخصوصًا من الشعيب، وبين ولاءٍ للسعودية، وهو ولاءٌ يضم تكتلات حضرمية ويافعية ثرية وشرائح متعددة من عمال وفلاحين وطلاب ومغتربين وتجار استوطن كثير منهم السُّعُودية منذ عقود، وصاروا جزءًا من التركيبة الرأسمالية للطبقة البرجوازية في المجتمع السعودي. وهذا الانقسام ليس تفصيلًا؛ لأنه يعني أن مشروعًا يُفترض أنه" تحرري" يستند، في حركته وتمويله وتوجهه، إلى رعاة خارجيين متنافسين، أي إلى تبعية مزدوجة، لا إلى استقلال إرادة.
والسعوديون والإماراتيون الذين اتفقوا يومًا على غزو اليمن، اختلفوا على الغنيمة؛ فانقسموا. وتمكنت الحكومة السُّعُودية في مطلع يناير الحالي، حَسَبَ السرد الوارد، من دفع الإمارات إلى خارج الجَنُوب اليمني، غير أن للإمارات أنصارًا كثرًا في الداخل اليمني، كما لها تحالفات خارجية قوية، هندية وإسرائيلية، وهي لا ترغب في فقدان نفوذها هناك. هذه الوقائع تعني أن الانفصال، حتى لو رُفع شعارًا، لن يفضي إلى سيادةٍ وطنية جنوبية، بل إلى ساحة نزاع نفوذ بين رعاةٍ يتنازعون الجزر و الموانئ والمواقع والقرار.
وفي المقابل يواجه المجلس الانتقالي، الذي حشد ستين ألفًا، معارضةً أوسع، قوامها أربعون مليون يمني يرفضون مشروعه الانفصالي، ويرفضون التطلعات التوسعية ذات الطابع الاستعماري للسعودية والإمارات، ومن يقف خلفهما من قوى صهيونية وإمبريالية. وهم، حَسَبَ هذا التصور، لن يفرطوا بالوحدة التي يعدّونها الإنجاز التاريخي الأعظم. غير أن إسقاط المشروع الرَجعي، المحلي والإقليمي والصهيوني، لا يتحقق بالهتاف وحده ولا بحرارة العاطفة؛ بل بتنظيم اليمنيين الأحرار تنظيمًا سياسيًا وكفاحيًا واعيًا، يربط بين الدفاع عن السيادة والوحدة وبين استعادة الدولة العادلة التي تُنصف الجَنُوب كما تُنصف الشمال، والشرق والغرب، وتعيد للناس معنى المواطنة بدل معنى الغلبة.
وهنا تقع المهمة على عاتق الأحرار والحرائر من أبناء الشعب اليمني: أن يجعلوا "الوحدة الأبدية"، حسب تعبير فقيد الوطن الكبير، الرفيق، علي سالم البيض، مشروع عدالة لا مجرد شعار، وأن يجعلوا مقاومة التفتيت عملًا منظمًا لا رد فعل، وأن يضعوا معيارًا واحدًا لا يتبدل بتبدل الراعي: مصلحة اليمن أولًا، وسيادته أولًا، وكرامة شعبه أولًا.
#منذر_علي (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
-
أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
-
التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي
...
-
الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط
...
-
المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و
...
-
انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا
...
-
الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية
...
-
مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
-
دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!
-
رسالة مفتوحة إلى الأخ عبد الملك الحوثي: نداء للتبصر والمسؤول
...
-
رسالة مفتوحة إلى مجلس القيادة الرئاسي اليمني: نداء للتبصر وا
...
-
الاعتراف البريطاني بفلسطين: خطوة صائبة لكنها غير كافية!
-
قمة الدوحة بين الجدية العربية والعبثية العبرية!
-
الصهاينة في عدن: مشهد عبثي في مهد الثورة التحررية!
-
العدوان الصهيوني على الدوحة وصنعاء وازدواجية الموقف العربي!
-
التافهون الخونة لهم صرختاهم البغيضة أيضًا!
-
اليمن في مرمى المشروع الصهيوني!
-
هل يجوز نزع سلاح المقاومة اللبنانية؟
-
رِهان الحكام العرب على سراب الصهيونية!
-
رحيل صنع الله إبراهيم… صوت الذاكرة والاحتجاج!
المزيد.....
-
الأردن: حكم قضائي نهائي يؤيد فصل نائب حزبي وشغور مقعده
-
لماذا رفضت غيلين ماكسويل الإجابة على أسئلة لجنة الرقابة بمجل
...
-
وزيرالخارجية الفرنسي يؤكد أن بلاده تعتزم زيادة التأشيرات للإ
...
-
ترمب يقلب الطاولة.. باكستان تصعد والهند تدفع الثمن
-
أمير قطر يبحث مع لاريجاني سبل خفض التصعيد وتعزيز الأمن في ال
...
-
نائب أمريكي: ترمب ذُكر في ملفات إبستين أكثر من مليون مرة
-
صحف عالمية: الغموض يكتنف موقف ترمب من ضرب إيران
-
في ذكرى الثورة الإيرانية.. ماذا بقي من -بيت الخميني-؟
-
الدوام المعكوس.. ماذا يفعل الرجل الذي يبدأ يومه حين ينام الع
...
-
الأكياس البلاستيكية في المطبخ.. متى تعيدين استخدامها ومتى تت
...
المزيد.....
-
واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!!
/ محمد الحنفي
-
احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية
/ منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
-
محنة اليسار البحريني
/ حميد خنجي
-
شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال
...
/ فاضل الحليبي
-
الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
مراجعات في أزمة اليسار في البحرين
/ كمال الذيب
-
اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية
/ خليل بوهزّاع
-
إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1)
/ حمزه القزاز
-
أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم
/ محمد النعماني
المزيد.....
|