أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جعفر حيدر - بائع الوطن ودافع الثمن














المزيد.....

بائع الوطن ودافع الثمن


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 09:10
المحور: كتابات ساخرة
    


بقلم / جعفر حيدر
لا أعلم من باع الوطن، لم أرَ صفقة البيع، ولم أطلع على العقود، ولم أُدعَ إلى الغرف التي أُطفئت فيها الأنوار وأُغلقت الأبواب، لكني علمت يقينًا من دفع الثمن، رأيته في وجوه الناس، في الشوارع المتعبة، في الأجساد التي هرمت قبل أوانها، وفي الأحلام التي شاخت وهي لم تولد بعد. علمت من دفع الثمن حين صار الوطن فكرة ثقيلة على اللسان، وحين تحولت الكلمات الكبيرة إلى عبء، وصار الصمت هو اللغة الأكثر تداولًا، لا لأنه مقنع، بل لأنه أقل كلفة. لا أعلم من باع الوطن لأن الباعة بارعون في الاختباء خلف الشعارات، خلف اللافتات، خلف الخطب الطويلة التي تُقال باسم الشعب بينما الشعب غائب عنها، لكني أعلم أن الثمن لم يُقسَّط على الجميع، بل وُزِّع بذكاء قاسٍ على الفقراء وحدهم، على البسطاء، على الذين لا يملكون إلا أصواتهم، ثم طُلب منهم أن يتخلوا عنها أيضًا. دفع الثمن العامل حين صار جهده بلا قيمة، والطالب حين اكتشف أن مستقبله مؤجل إلى إشعارٍ لا يأتي، والأم حين تعلمت أن تدعو لأبنائها بالسلامة لا بالنجاح، والأب حين صار الوطن عبئًا في جيبه لا سندًا في ظهره. لا أعلم من باع الوطن، لكني أعلم أن البيع لم يكن لحظة واحدة، بل كان عملية بطيئة، بدأت بتكميم الأفواه، ثم بتشويه الأسئلة، ثم بتجريم الاعتراض، حتى صار الوطن ملكيةً حصرية لمن يتحدث باسمه، لا لمن يعيش فيه. علمت من دفع الثمن حين صار الحق تهمة، والعدالة رفاهية، والحرية سوء فهم، وحين طُلب من الناس أن يشكروا على القليل، وأن يصمتوا عن الكثير، وأن يقتنعوا بأن ما يحدث هو قدر لا يُناقش. إن أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية ليس ضياع الوطن وحده، بل محاولة إقناع من دفع الثمن بأنه لم يدفع شيئًا، وأن ما فقده لم يكن حقًا، وأن ما يعانيه ليس نتيجة بيعٍ ما، بل نتيجة قلة صبر أو ضعف إيمان أو سوء فهم للواقع. لا أعلم من باع الوطن، وربما لن أعرف، لكني أعلم أن الأوطان لا تُباع مرة واحدة، بل تُستنزف، وأن الثمن لا يُدفع دفعة واحدة، بل يُستقطع يومًا بعد يوم من كرامة الناس، من أعمارهم، من قدرتهم على الحلم، وحين يصل الوطن إلى هذه المرحلة، يكون السؤال الحقيقي ليس من باعه، بل إلى متى سيبقى الذين دفعوا الثمن صامتين وكأنهم لم يدفعوا شيئًا.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي
- العظام والمهام
- قلة الوعي تهدم الحضارة
- النقشبندية وفروعها الثلاث
- الباراسيكلوجي واختلاطه بالطرق الروحانية
- تروتسكي والمجتمع
- حين غنّى الطين: حكاية الآلات الموسيقية العراقية من أيدي الصن ...
- الكهوف الدينية
- حين تبدأ النهضة من العقل
- مبدأ النعت وشرف الخصومة
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...
- بوتين يوجه بتحديث أكاديمية موسكو للرقص
- جائزة -جالاك- 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية م ...
- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جعفر حيدر - بائع الوطن ودافع الثمن