أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي الجنابي - المَوْتُ مِنَ الرَّهْبَةِ إِلَى الرَّغْبَةِ















المزيد.....

المَوْتُ مِنَ الرَّهْبَةِ إِلَى الرَّغْبَةِ


علي الجنابي
كاتب

(Ali . El-ganabi)


الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 01:29
المحور: الادب والفن
    


مَا بَيْنَ يَقِينِ الْفَنَاءِ وَحَنينِ الْبَقَاءِ، يَقِفُ ابنُ آدمَ حَائِرًا أَمَامَ سِرِّ الْمَوْتِ؛ ذَاكَ الْغُولُ الَّذِي إختَرَقَ خَوَافِقَنَا وَعَشعَشَ فِيهَا أبَدًا مَاحَيِينَا. وَلو أنَّهُ إستَنَدَ الى بَصَرِهِ لا إلَى نَظَرِهِ، وَتَدَبَّرَ آيَاتِ الرَّحْمَنِ بِقَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ، لَانْكَشَفَ لَهُ وَجهُ الْمَوْتِ الْأَجْمَلِ؛ بِأنَّهُ لَيْسَ نِهَايَةً لِلرِّحْلَةِ، بَلْ هُوَ الْعُبُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ رَمْضَاءِ الْمِحْنَةِ إِلَى فَضَاءِ الْمِنْحةِ . وَفِي هِذِي سُطُورٍ آتِيَةٍ، مُحَاوَلَةٌ مِنِّي لإرتِقاءِ دَكَّةٍ شَجِيَّةِ لعَلَّيَ أَرْتَقِي بِهَا "مِنْ مَقَامِ الرَّهْبَةِ.. إِلَى مَقَامِ الرَّغْبَةِ."
لَا جِدَالَ أَنَّ الْمَوْتَ -مَهْمَا كَانَتْ طَبِيعَةُ وَمَنْزِلَةُ النَّفْسِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُهُ، وَمَهْمَا كَانَتْ زَاوِيَةُ نَظَرِهَا إِلَيْهِ- يَظَلُّ حَدَثًا ثَقِيلًا وَمُفْزِعًا لِلنُّفُوسِ، وَلَكِنْ لَنَا أَنْ نَتَدَنَّى عَنْ ذِي فِكْرَةٍ مَائِلَةٍ بِأَنَّهُ "صَفَدَ الْفَنَاءِ"، مِثلمَا يَفرِضُهُ عَلَينَا وِسوَاسُنَا الْمَاكِر، وَأَنَّهُ وَحْشٌ كَاسِرٌ كَمَا يَعرِضُهُ لَنَا خَنَّاسُنَا الْمُخِيف، وَلَنَا أَنْ نَتَبَنَّى فِكْرَةً قَائِلَةً بِأَنَّ الْمَوْتَ وَهُوَ "وَعْدُ الْبَهَاءِ" لِلْحَيَاةِ الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ "رِفْدُ الْهَنَاءِ" وَالضَّابِطُ لِإِيقَاعِ الْأَمَانِ فِي هَذِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. إذ لَولَا المَوتُ لَمَا كَانَ لَنَا فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ فِي فَلَاةٍ، وَلَوْلَا الْمَوْتُ -يَا صَاحُ-لَاشْتَبَكَ الْآيِبُ بِالْفَوْتِ، وَلَوْلَا الْأَجَلُ لَارْتَبَكَ الْأَمَلُ، وَمَا صَدَقَ الطُّغرَائِي حِينَ قَالَ: "مَا أضيَقَ العَيشِ لَولا فُسحَةُ الأمَلِ"، بَلْ بِقِيلِهِ قَد أصَابَ بَلْ أجَاد، إذ لولا الأمَلُ لَانْطَفَأَ الْإِلْحَاحُ عَنْ نَيْلِ الْمُرَادِ، وَلَانْكَفَأَ الْإِصْلَاحُ عَلَى ذَيْلِ الْجَمَادِ، وَلَأَضْحَى الْإِرْجَاءُ هُوَ الْعُدَّةَ وَالْعَتَادَ، وَلَأَمْسَى الدَّهْرُ تَكْرَارًا مُتَرَامِيًا بِامْتِدَادٍ، فَلَا تَوْقَ وَلَا تَوَتُّرَ فِيهِ بِعِنَادٍ، وَلَا فِيهِ شَوْقٌ وَلَا تَبَخْتُرٌ عَلَى جَوَادٍ.
إِنَّ الْإِحْسَاسَ بِجَدْوَى الْحَيَاةِ يَمُوتُ حِينَ تَكُونُ الْأَبَدِيَّةُ امْتِدَادًا لَا حَدَّ لَهُ. وَالْجَدْوَى لَا تَتَوَلَّدُ إِلَّا مِنَ التَّجَدُّدِ وَمِنَ التَّنَافُسِ وَمِنْ وَعْيِ الْفَوَاتِ. وَالْمَوَاتُ هُوَ الْمُبْرِمُ لِحِبَالِ خَيْمَةِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ الْمُضْرِمُ لِوَهَجِهَا فَي ذِي فَلَاةٍ. وَإِنَّمَا جَمَالُ الْوُرُودِ فِي ذُبُولٍ بَعْدَهُ تَبَرْعُمٌ. وَكَمَالُ اللِّقَاءِ فِي أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِافْتِرَاقٍ. وَلَوْ طَالَ كُلُّ شَيْءٍ لَتَحَوَّلَ إِلَى اعْتِيَادٍ بَارِدٍ وَازْدِيَادٍ ثَقِيلٍ، وَرُبَما إلَى ارتِعَادٍ.
إنَّ ابنَّ آدَمَ كَائِنٌ مَجْبُولٌ عَلَى أَجَلٍ، وَمَحمُولٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهَا لَنْ تَدُومَ باضطِرَادٍ. وَهَذهِ الجِبِلَّةُ لَيْسَتْ نَقْصًا، بَلْ رَقْصًا عَلَى دَكَّةِ اللَّذَّاتِ. وَبِهَذَا الْإِدْرَاكِ المَعلُومُ، لَنْ يُصْبِحَ الْمَوْتُ "صَفَدَ الْفَنَاءِ"، بَلْ "وَعْدُ الْبَهَاءِ" الَّذِي يَحْفَظُ لِلْحَيَاةِ صَفَاءَهَا، وَلِلْفَلَاةِ وَفَاءَهَا. كَلَّا، وَلنْ يَكونَ لِلْحَيَاةِ خَصِيمًا، وَلَا حَكَمًا عَلَيْهَا بِاضْطِهَادٍ، بَلْ مَانِحٌ صَالِحٌ يَمْنَحُ الْعَمَلَ حَيَوِيَّتَهُ بِازْدِيَادٍ، وَيَمْنَعُ تَأْجِيلَهُ بِحُجَّةِ أَنَّ الْغَدَ أَيَّامُهُ أَبَدِيَّةٌ بِلَا تَعْدَادٍ.
أَمَّا الدَّارُ الْآخِرَةُ..{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ..}، سُورَةُ إِبْرَاهِيم آيَة 48، فَهُنَالِكَ الْأَرْضُ غَيْرٌ، وَالسَّمَوَاتُ غَيْرٌ، وَحَقَائِقُ الْوُجُودِ غَيْرٌ. وَدَقَائِقُهُ غَير. وَيَبْقَى الْوَصْفُ الْأَلْطَفُ لِلْمَوْتِ فِيمَا قَالَهُ نَبِيُّنَا الْقَسِيمُ الْوَسِيمُ ﷺ أَنَّ؛ (تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ: الْمَوْتُ)، ذَاكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يُنَافِحُ شَهَوَاتِهِ وَيُلَافِحُ شَقَوَاتِهِ، وَيُكَافِحُ فِيهَا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ فِي سَلْوَاتِهِ، وَالْجِنِّ فِي خَلْوَاتِهِ، وَمَا الْمَوْتُ إِلَّا تَحْرِيرٌ مِنْ جَهْدِ الْمُنَافَحَةِ وَالْمُلَافَحَةِ وَالْمُكَافَحَةِ، وَتَمْرِيرٌ لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ بِسَعَادَةٍ سَرْمَدِيَّةٍ، وَتَقْرِيرٌ بِفَوْزٍ بِدَرَجَاتٍ عَلِيَّةٍ، فَهُوَ لَيْسَ فَنَاءً فِي تُرَابٍ، وَلَا انْقِرَاضًا فِي تَبَابٍ، بَلْ وِلَادَةٌ ثَانِيَةٌ وَتُحْفَةٌ فِي بَطْنِهَا تَذْكِرَةُ طَيَرَانٍ مِنْ دَارِ فَنَاءٍ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَوْتُ، لَمْ تَكُنِ الْجَنَّةُ، وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَوْتِ عَلَى الْحَيَاةِ فَقَالَ تَعَالَى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، سُورَةُ الْمُلْك آيَة 2، لِأَنَّ الْمَوْتَ مَدْخَلٌ إِلَى الْحَيَاةِ الْحَقِّ، بَلْ عُدَّ عَلَيْنَا مِنْ ضِمنِ آلَاءِ النِّعَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} سُورَةُ الرَّحْمَن آيَة 26. بَلْ إِنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ تَرْتِيبَ آيَةِ 16: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} بَعْدَ آيَةِ 15: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} فِي سُورَةِ المُؤمِنُونُ، تِرتِيبٌ فِيهِ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ بِحِسَابٍ شَدِيدٍ، غَيْرَ أَنِّي الْآنَ -وَخِلَالَ تَسْطِيرِي لِهَذِهِ الْحُرُوفِ- أشَعَرُ أَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ هُوَ بُشْرَى مِنَ الرَّحْمَنِ بِبَعْثٍ لِحَيَاةٍ بَهِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَا مَوْتَ فِيهَا وَلَا فَنَاءَ، وَإنْ هُوَ إلَّا انْتِقَالٌ مِنْ رَمْضَاءِ الْمِحْنَةِ وَالرَّهْبَةِ مِنَ الْوَعِيدِ إِلَى فَضَاءِ الْمِنْحَةِ وَالرَّغْبَةِ بِعَيْشٍ أَبَدِيٍّ سَعِيد.
وَإِذًا، فَلْنَنْهَلْ مِنْ رِضَاعِ الدُّنْيَا وَلَا نَجْزَعْ مِنْ لَحْظَةِ فِطَامِهَا؛ فَمَا كَانَ الْفِطَامُ إِلَّا انْعِتَاقًا لِلرُّوحِ إِلَى مَدَاهَا، وَانْطِلَاقًا نَحْوَ الْحَيَاةِ الْحَقِّ فِي عُلَاهَا. هَذا وَاللهُ أعلَمُ.



#علي_الجنابي (هاشتاغ)       Ali_._El-ganabi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هِلالُ رَمَضَانَ؛ مُشكِلٌ مُتَأزِّمُ
- رَحَلَتِ العَمَّةُ -سُونَة-
- قَصَصُ الطِّفلِ المولود
- الحِسُّ والجَسُّ، والمَسُّ واللَّمْسُّ
- المرأة خُلقت من ضِلْعٍ
- الخَلَّاطُ
- أأميرةٌ هيَ أم هيَ أسيرة !
- رقصاتُ الشَّمسِ بتَنهيد
- خُطْبَةُ الهِرِّ لزَعَاماتِ الفِئرَان
- قَدَاسَةُ التَّعدَاد
- بِطاقةٌ حمَّالةٌ للقَهَر
- المُتْحَفُ
- أعيَيْتُ وعَيَيْتُ
- عَوْدٌ بَعدَ طُولِ غِيَاب
- أصْلُ الحِكَايَةِ
- تَأمُّلٌ مُسْتَقصٍ في مُشكِلٍ مُسْتَعص
- بينَ تِلالِ الأدرياتِيك
- (الأكشِنُ) المُذهِلُ المَاهِرُ
- لَعَلّي صائِرٌ إلى بَصَائر برَجاء
- تَأمُّلاتٌ خَارِجُ أَسوَارِ البَصَر


المزيد.....




- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي الجنابي - المَوْتُ مِنَ الرَّهْبَةِ إِلَى الرَّغْبَةِ