أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - بين خوف المنفى وامتحان الاندماج














المزيد.....

بين خوف المنفى وامتحان الاندماج


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 09:25
المحور: المجتمع المدني
    


ليس المنفى فندقاً عابراً، ولا هو فردوساً موعوداً، كما أنه ليس سجناً مفتوحاً. المنفى امتحانٌ مزدوج: امتحانٌ للمهاجر في قدرته على إعادة بناء ذاته، وامتحانٌ للمجتمع المضيف في قدرته على توسيع مفهومه للإنسان.
صحيح أن المهاجر يأتي مثقلاً بإرثٍ من العنف والخوف وانعدام الثقة. يأتي من جغرافيا اعتادت صوت الرصاص أكثر مما اعتادت صوت القانون، ومن أنظمةٍ أفسدت العلاقة بين الفرد والدولة حتى صارت الطاعة خوفاً، والتمرّد نجاةً فردية. لكن الإنسان لا يُختصر في جراحه، ولا يُختزل في تخلف مؤسسات بلده الأم. في داخل كل مهاجر حكايةٌ معقّدة، فيها الضحية وفيها الحالم، فيها من تعلّم القسوة وفيها من لم يفقد قدرته على الامتنان.
وإذا كان بعضهم يسيء فهم الحرية، فذلك لأن الحرية لم تُقدَّم له يوماً بوصفها مسؤوليةً مشتركة، بل كانت حلماً بعيداً أو شعاراً مجرّداً. الاندماج ليس قراراً إدارياً، بل مسارٌ ثقافي طويل، يحتاج إلى تعليمٍ عادل، وفرص عملٍ حقيقية، وسياسات لا تنظر إلى القادم الجديد كعبءٍ دائم، بل كمشروع إنسان قابل للنمو.
في المقابل، لا يمكن إعفاء المجتمعات الأوروبية من سؤالها الأخلاقي. فحين يشتدّ الخطاب ضد المهاجرين، ويتحوّل الخوف الاقتصادي أو الثقافي إلى تعميمٍ جارح، فإن ذلك لا يختلف كثيراً عن الإقصاء الذي فرّ منه هؤلاء. العنصرية ليست دائماً صريحة، لكنها قد تتسرّب في صورة قوانين أكثر صرامة، أو فرص أقل، أو نظرةٍ مرتابة لا تزول.
الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف القيم بقدر ما يكمن في القطيعة. حين ينكفئ المهاجر إلى “غيتو” مغلق، وحين يشيّد المجتمع المضيف أسواره النفسية، تتسع المسافة ويضيع الجيل الثاني بين هويتين، لا ينتمي تماماً إلى هذه ولا إلى تلك. عندها تصبح الأزمة مركّبة، ويغدو الحديث عن الفشل جماعياً لا فردياً.
ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث لأوروبا نفسها شاهدٌ على أن موجات الهجرة، مهما بدت مربكة في بداياتها، أسهمت لاحقاً في نهضة الاقتصاد والثقافة والعلوم. المشكلة ليست في الهجرة بحدّ ذاتها، بل في إدارة الهجرة، وفي الاستثمار في الإنسان بدل الاكتفاء بمراقبته.
المهاجر الذي يخاطر بحياة أطفاله في زوارق الموت ليس عدميّاً بطبيعته؛ إنه إنسانٌ دفعه اليأس إلى حافة الاختيار المستحيل. وإذا مُنح فرصةً حقيقية للتعلّم والعمل والمشاركة، فقد يتحوّل من رقمٍ في سجلات الإعانة إلى اسمٍ في سجل الإبداع.
المنفى ليس قدراً أبدياً، بل مرحلة. إما أن تتحول إلى جسرٍ بين ثقافتين، أو إلى هاويةٍ تفصل بينهما. والاختيار هنا لا يقع على عاتق طرفٍ واحد، بل هو مسؤولية مشتركة: أن يعترف المهاجر بأن الحرية نظام، وأن يعترف المجتمع المضيف بأن الإنسان أكبر من ماضيه.
في النهاية، ليست القضية عنصريةً خالصة، ولا هي عيباً أصيلاً في المهاجر. إنها عقدةُ تاريخٍ وسياساتٍ ومخاوف متبادلة. وحلّها لا يكون بالتشديد وحده، ولا بالإنكار، بل ببناء ثقةٍ جديدة تُعيد تعريف الاندماج بوصفه شراكةً في المستقبل، لا صراعاً على الهوية.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنور شاؤول: بين مياه الفرات وأفق الحرية
- الصابئة المندائيون في العراق الحديث: بين ضوء التاريخ وظلال ا ...
- أمن بلدة الديوانية.. بين التجربة الفردية وذاكرة حزب
- كمال سبتي ابرز اصوات جيل السبعينات
- سمير نقاش… روائيّ المنفى وذاكرةُ بغداد المؤجَّلة
- هي لم تكن حدثاً في حياتك
- مير بصري الضمير العراقي العابر للطوائف
- قراءة في أوراق عبد الكريم قاسم
- حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري
- مهد قبل القفز إلى دلاّلة الفنجان
- تأملات في رواية سعيد غازي الأميري (أشكندا)
- قراءة وتحليل مذكرات الأديب والصحفي والمترجم أحمد جاسم الزبيد ...
- محمد لقمان الخواجة والتكوينات الزخرفية في السياقات التوليدية
- لقد قصدها يوماً
- نصير الحسيني مهندساً وروائياً ناجحاً
- قابيليون ولا فكاك من التسمية
- أصدقاءٌ لا ينسون
- سعادة الوطن والإنسان في إيقاعات كوكب حمزة
- الوجع والولع مع الأخلاقيات المدمرة
- محمد علي محيي الدين سيرته وآثاره الأدبية والصحفية


المزيد.....




- سفير ايران بالامم المتحدة: عملياتنا الدفاعية ليست ضد سيادة ا ...
- العفو الدولية: نساء غزة يواجهن -إبادة جماعية- مركبة وسط انهي ...
- تهجير وجوع ومرض.. العفو الدولية: نساء غزة في مرمى الإبادة ال ...
- خطة إسبانية لتقنين أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين
- جوي بارتون -المشاغب- رهن الاعتقال بسبب حادثة اعتداء
- تصعيد إسرائيلي في غزة: شهداء واستهداف لخيام النازحين وسط خرو ...
- أدولة لبنان في خبر كان ؟؟؟3من5
- هيومن رايتس ووتش تتهم إسرائيل باستخدام غير قانوني للفوسفور ا ...
- مدرسة -دار اليتيم- في صيدا تفتح أبوابها لاستقبال النازحين ال ...
- مكتب إعلام الأسرى: مصابون فلسطينيون باقتحامات إسرائيلية لجمي ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل عبد الأمير الربيعي - بين خوف المنفى وامتحان الاندماج