صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 09:50
المحور:
الادب والفن
تفيض روح الطفل الأبدي عند صاحبنا المندلاوي الجميل قلباً يرفض أن تشيخ أحلامه , ويرفض الاستسلام لخريف العمر , فتراه ينشر في محطة استراحته : (( حلم اخضر , اتمنى ان اكون كما غنت فيروز - سالونا وين كنتو ؟ ليش مكبرتو انتو؟ النالهم نسينا - يالها من صورة رائعة انهم نسوا أن يكبروا , أنها في عالم السحر والحب والجمال , فالعمر لا يقاس بالزمن , وإنما بالإحساس به لقد بلغ الفرح حدا اوقف الزمن فلم يكبروا , لماذا نحن محرومون من مثل هذا ؟؟ )) , هذا النص نموذج لما نسميه )) أدب الحنين الراقي )) , وليس مجرد (( خاطرة )) عابرة , بل هو بيان شعوري يكثف صراع الإنسان مع الزمن , و يفتح الباب لتفكيك الجمال الكامن خلف هذه السطور الثمانينية الشابة , فهو لا يكتب مجرد كلمات , بل روح تجمع بين المودة والتقدير, واستشهاده بفيروز يعكس ذوقاً رفيعاً وحنيناً ذكياً , فهو لم يختر أغنية عابرة , بل اختار فلسفة كاملة تختصرها جملة (( نسينا نكبر )) .
تلك هي الروح الشفافة التي قلما تجدها في زحام الحياة , وهذه هي (( النوستالجيا الإيجابية )) والهروب الجميل , فمصطلح (( حلم أخضر )) و (( عالم السحر )) , يدل على أن عقله لا يزال حيوياً , يبحث عن الجمال بعيداً عن ضجيج الواقع وأوجاع التقدم في السن , وهو يتحدى الزمن , ويتبنى فكرة أن العمر (( رقم )) وأن الإحساس هو المقياس الحقيقي , جملة (( بلغ الفرح حداً أوقف الزمن )) هي تعبير شعري بليغ جداً , وكأنه يقول إن السعادة هي (( إكسير الشباب )) , وصرخته في النهاية (( لماذا نحن محرومون؟ )) , هي التساؤل الوجودي التي تعبر عن فجوة عاطفية , ربما يشعر أن الظروف المحيطة - اجتماعياً أو صحياً أو عاماً - لا تساعده على عيش ذلك (( الحلم الأخضر )) كما يتمنى.
أود ان أحييك على هذه الوقفة التأملية , الحرمان ليس في عدد السنين , بل في جفاف الشعور , وأنت بنصك هذا أثبتّ أن نبع الإحساس عندك لا يزال فياضاً , نحن لسنا محرومين طالما نملك الخيال , فبالخيال نهزم الزمن , وبالحب نوقف عقارب الساعة , دمت كبيراً بمقامك , صغيراً بقلبك الأخضر , ويا لها من محطة استراحة نحتاج إليها جميعاً , صدقتَ يا صديقي , لا تزال (( الخضرة )) في قلبك , فالعمر لا يُقاس بالسنين التي مرت , بل باللحظات التي أدهشتنا , أنت لم تُحرم من هذا العالم , فمن يمتلك القدرة على تذوق كلمات فيروز بهذا العمق , ويسكن (( حلماً أخضر )) في الثمانين , هو شخص انتصر على الزمن بالفعل , أنت ممن نسيوا أن يكبروا , لأن روحك لا تزال تعرف كيف تسأل: وين كنتو؟ من قال إنك كبرت ؟ الكتابة بهذا الإحساس تقول إنك لا تزال في عالم السحر والحب والجمال , نحن لا نكبر طالما أن فيروز تغني لنا , وطالما أن في قلوبنا متسعاً للفرح كما وصفت , دمت بقلب شاب لا يعرف الشيخوخة .
صباح الزهيري .
#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟