|
|
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة في زمن دفع التحولات…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 21:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ في تاريخ الشعوب ، ثمة أمم تُقاس بامتداد جغرافي أو ثقل اقتصادي ، وأخرى تُقاس بقدرتها على البقاء رغم العواصف،غير أن فلسطين تُمثل حالة استثنائية ؛ إذ تختزل في تجربتها معنى الثبات الإنساني ، حيث تتجاور المأساة مع الإبداع ، ويولد الأمل من رحم المعاناة ، هناك ، حيث تتكسر محاولات الإلغاء على صخرة الهوية ، ينهض الإنسان الفلسطيني شاهداً على معادلة لا تتبدل: البقاء عبر الفعل الخلّاق والمقاومة المتجددة ، وتكاد تكون المعادلة الفلسطينية ثابتة كثبات الجبال؛ إذ لا يكاد يوجد شعب ، بحجم الشعب الفلسطيني ، تعرض لإبادات متواصلة ومتعددة ، ومع ذلك استطاعت أرحام نسائه أن تلد مبدعين بلغ صداهم المستوى الكوني ، وفي هذا السياق ، قد يكون الشعب اليهودي المنافس الأبرز من حيث عدد الشخصيات التىّ حفرت أسماءها في سجل الخلود الإنساني ، غير أن السلوك السياسي المرتبط بكيانه ألقى بظلاله السلبية على تلك السمعة ، نتيجة ممارسات موصوفة على نطاق واسع بالإجرامية .
وفي استحضار أبرز النماذج الفلسطينية الكونية ، يتصدر المشهد الشاعر محمود درويش ، الذي تربع على عرش الشعر العربي ، وحقق حضوراً عالمياً لافتاً ، تجسد في أمسيات شعرية حاشدة تجاوزت حدود اللغة والثقافة ، وإلى جانبه ، يبرز المفكر ادوارد سعيد ، الذي أسهم في تفكيك الخطاب الاستشراقي وفتح آفاقاً نقدية جديدة في الفكر الإنساني المعاصر، كما لا يمكن إغفال أثر رسام الكاريكاتير ناجي العلي ، الذي هز بريشته عروشاً سياسية ، وجعل من الصورة أداة مقاومة عابرة للحدود ، اجتاحت محطات القطارات العالمية ، وكذلك الأديب غسان كنفاني ، الذي مزج بين الأدب والنضال ، مقدماً سرديات إنسانية عميقة تقاطعت مع أطروحات الثائر والفيلسوف فرانز فانون، فصارا علامان أمميان ، أما على المستوى العسكري ، فقد شهدت التجربة الفلسطينية ، على امتداد قرن من الزمن ، حضوراً متواصلاً لرموز ميدانية ، حتى غدا مفهوم “الجنرال” يتجاوز البنية التقليدية ، ليشمل نماذج شبابية جسدت روح التحدي ، كما في حالة فارس عودة ، الذي واجه دبابة بالحجر ، في صورة أصبحت أيقونة للمقاومة الشعبية .
إن هذا التراكم الرمزي—من الفكر إلى الفن ، ومن الكلمة إلى الفعل—أسهم في تشكيل وعي جمعي امتد تأثيره إلى محيطه الإقليمي والدولي ، فقد لعبت مراكز النضال الفلسطيني ، خاصة في بيروت ، دوراً محورياً في بلورة مشاريع سياسية ومجتمعية ، انعكست لاحقاً على تحولات كبرى في المنطقة ، بما في ذلك ما شهدته قطاع غزة من تطورات مفصلية ، وفي سياق التفاعلات الإقليمية والدولية ، تتشابك المصالح والاستراتيجيات ، حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة والناعمة ، فمن جهة ، تتبنى قوى دولية سياسات ردع تقليدية ، ومن جهة أخرى ، تبرز قوى إقليمية—مثل إيران - بخطاب محسوب يجمع بين التهديد الضمني وإدارة الرسائل السياسية ، ويُعد مضيق هرمز مثالاً على ذلك ، بوصفه نقطة تحكم حيوية في حركة التجارة والطاقة العالمية ، فهذا الحجز، وقلم الرصاص ، ورصاصة وديع حداد الصامتة ، وفكر إدوارد سعيد ، وشِعر محمود درويش وغيرهم كثير ؛ جميعهم التقوا في بيروت ، وفي حضن الثورة الفلسطينية برجالها ، فكانوا من اللبنات الأولى التىّ أُقيمت عليها نهضة قطاع غزة ، وهم من صاغوا معنى العبور ، حتى غدا ال7 من أكتوبر يومًا لكسر المستحيل ؛ ذلك المستحيل الذي لم يبقَ حبيس الجغرافيا ، بل تمدّد صداه إلى لبنان واليمن والعراق وإيران وسوريا.
وفي هذا السياق ، أعاد الرئيس السوري احمد الشرع ومن معه استنساخ مشهد الهجوم في سوريا ، بينما قال الإيرانيون : إذا كانت غزة قد استطاعت أن تصمد في وجه العالم بأسره ، فإن إيران أولى بأن تواجه هذه الهيمنة ، غير أن هذا المعنى ما يزال غائبًا عن وعي الإسرائيليين ، ولهذا ، حوّلوا كيانهم إلى ما يشبه جزيرة ألكاتراز ، بسجنها الموصوف بـ”الصخرة المرعبة”، حتى إن البيت الأبيض قرر إعادة تشغيله بكلفة بلغت 152 مليون دولار ، وفي المقابل ، تنصب إسرائيل مشانقها لأسرى الحرب ، بينما تنصب إيران مشانق من نوع آخر، أكثر خفاءً وأشد أثرًا ، وعبر مضيق هرمز يمسك الحرس الثوري بخيوط مسار ناقلات الشحن ، في ممرٍّ تتقاسمه قوى بحرية متعددة ؛ من الصين التىّ تمتلك النصيب الأكبر ، إلى اليونان ، فبلجيكا ، وصولًا إلى هونغ كونغ وسنغافورة. وبين هذا التشابك ، تبقى “المشنقة” التىّ نصبتها إيران في مضيق هرمز قائمة لا تتبدّل ، رغم وعيد دونالد ترمب بجحيمه؛ إذ إن ما يُلوَّح به من اغتيالات أو تدمير للبنى التحتية ، من جسور وكهرباء وطاقة وصادرات نفط ، لا يعدو أن يكون أثرًا عابرًا لا يغيّر من جوهر الواقع شيئًا وفي المقابل ، تستمر إسرائيلي في تبني سياسات أمنية مشددة ، انعكست على بنيتها الداخلية ، حتى باتت توصف—في بعض الأدبيات السياسية—بأنها أقرب إلى “جزيرة معزولة” تعيش هاجس التهديد الدائم ، وفي هذا الإطار ، تتصاعد لغة التهديد والردع ، كما في تصريحات الرئيس ترمب ، التىّ تعكس نمطاً من السياسة الدولية القائمة على الضغط المباشر .
غير أن التحول الأبرز في هذا المشهد يتمثل في دخول أدوات جديدة إلى ساحة الصراع ، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي ، الذي لم يعد مجرد أداة تقنية ، بل أصبح فاعلاً في تشكيل الخطاب السياسي والإعلامي ، فكما يُستخدم في تحديد الأهداف وتحليل البيانات ، يُوظف أيضاً في إنتاج رسائل دعائية ونفسية قادرة على التأثير في الرأي العام خلال لحظات ، مما يفتح الباب أمام “حروب العقول” إلى جانب الحروب التقليدية ، لهذا ، جاء التهديد الإيراني بشكل هادئ ومرعب وبخطوات واثقة ، فالمرشد مجتبي سار في ممرات غرفة العمليات الإيرانية بملامح ثابتة دون ضجيج أو أي نوع من الفوضى ، على الرغم من أن إيران تلقت حتى الساعة عشرات الهجمات الواسعة ، كما أن الشاشة التىّ كانت تتوسط غرفة العمليات الخاصة بهيئة الأركان الإيرانية ، سلطت الضوء على مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي ، لكن الملفت الأهم هو أن الفيديو أظهر لوحة إحداثيات دقيقة لحدث قادم كبير ، والهدف بات في مرمى القوات الإيرانية ، بحيث يقول ، " فإذا ضربتم سنضرب وسنتدخل بريًا في المنطقة "، تمامًا كما أن الفيديو انتهى بعبارة بالخط العريض: “خبر في الطريق” ، وبالطبع ، الفيديو مصنوع بالذكاء الاصطناعي (AI)، وهو فيديو يظهر معركة أخرى يقودها العقل الخيالي. فاليوم، إذا كان الذكاء الاصطناعي يساهم في تحديد أهداف الشخصيات لاغتيالها ، فإن هذا الذكاء نفسه هو الذي يرسل رسائل سياسية مضادة تهز العالم في ثوانٍ ، فالرئيس الأمريكي ترمب ظهر في لقاء مع أتباعه ، وايضاً المرشد الإيراني مجتبي خامنئي كان ظهوره “الرقمي” بسلاح الذكاء الاصطناعي ضمن صراع العقول والرسائل المشفرة .
في المحصلة ، تبدو فلسطين أكثر من مجرد قضية سياسية ؛ إنها نموذج إنساني لمعركة مستمرة بين محاولات الإلغاء وإرادة البقاء ، وبينما تتغير أدوات الصراع وتتبدل موازين القوى ، تبقى المعادلة الفلسطينية ثابتة : شعب يُنتج الحياة والإبداع ، حتى في أكثر اللحظات قسوة أو حتى لو حولوا فلسطين التاريخية لمشانق ، وهذا يؤكّد أن الهوية ، حين تتجذر ، تصبح أقوى من كل محاولات الطمس بمبدعيها …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
-
الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى
...
-
المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي
...
-
استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار
...
-
بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ
...
-
بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع
...
-
رحل أخي احمد …
-
عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷♂
-
بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب
...
-
بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ
...
-
الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي
...
-
هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر
...
-
أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها
...
-
الرئيس ترمب غائب فيله ..
-
تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر
...
-
من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا
...
-
الحلف الأمريكي والإسرائيلي يضرب على الارض مسرحاً وهمياً للحر
...
المزيد.....
-
تقرير يكشف أين اتجهت بوصلة الأردنيين على مواقع التواصل من حر
...
-
وسط محادثات باكستان.. نتنياهو: الحملة ضد إيران -لم تنتهِ بعد
...
-
انتخاب رئيس الجمهورية العراقي ينهي مرحلة ويفتح باب الخلاف عل
...
-
بلغة الأرقام والحقائق ... هل انتهى -حلم دبي-؟
-
انتخاب الرئيس العراقي بعد تأجيلات وخلافات .. من هو نزار آميد
...
-
برعاية أمريكية... ليبيا تصادق على أول ميزانية -إنفاق مالي مو
...
-
شاهد.. منشآت وأحياء مدنية قطرية استهدفتها إيران خلال الحرب
-
مفاوضات مشحونة.. واشنطن تسعى لفتح الممرات البحرية وطهران تتم
...
-
سنتكوم تبدأ عملية إزالة الألغام من هرمز وإنشاء مسار آمن جديد
...
-
فيديو.. رجل يخرب طائرة عسكرية أميركية في أيرلندا بآلة حادة
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|