|
|
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل للأقصى وتوازنات القوى الدولية …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 10:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ تشابكُ الخيوط السياسية في عالمٍ تتداخل فيه المصالح وتتقاطع فيه القوى ، لم يعد يسمح بقراءةٍ سطحية للأحداث أو الاكتفاء بتفسيرٍ أحادي الاتجاه ؛ فكل تطورٍ في هذا المشهد يحمل في طياته انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية ، وتمتد إلى فضاءات أوسع من التوازنات الدولية ، وبينما تتسارع وتيرة التحولات في الشرق الأوسط ، تبرز الحاجة إلى فهمٍ أعمق لطبيعة الصراعات الراهنة ، التىّ لم تعد محصورة في بعدها التقليدي ، بل باتت متعددة الأبعاد ، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية بالسياسية ، والاقتصادية بالتقنية ، في سياقٍ يعكس إعادة تشكل موازين القوة على المستويين الإقليمي والدولي ، لم يكن ما يجري في المنطقة تفصيلاً عابراً أو حدثاً مألوفاً يمكن تجاوزه بسهولة ؛ فالأرجح أن السطحية وحدها ، أو التغاضي المتعمد عن قراءة المشهد بعمق ، هو ما جعل بعض الأطراف تعتقد أن الفرصة باتت سانحة لتصفية المشروع الفلسطيني ، غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن التطرف الإسرائيلي ، وليس سواه ، هو ما يدفع المنطقة والعالم نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار ، كما أن الاستخفاف بمواقف الأمة الإسلامية وحلفائها من القوى الدولية أسهم في دفع بعض الدول، وعلى رأسها مصر ، إلى تبني نبرة سياسية أكثر حدة ، بهدف قطع الطريق أمام أي محاولات لفرض وقائع جديدة في القدس والمسجد الأقصى .
وفي هذا المسار ، فإن ما يجري في القدس ، وتحديداً في المسجد الأقصى ، لا يمكن اعتباره مجرد ممارسات استعراضية أو “أفعالاً بهلوانية”، بل هو تطور بالغ الخطورة ينذر بإمكانية انفجار واسع النطاق ، قد لا تقتصر تداعياته على الإقليم وحده ، وقد أكد الموقف المصري الأخير بأن الرسالة السياسية واضحة : المسجد الأقصى ، بكامل مساحاته ، هو حق للمسلمين وحدهم ، وأي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة تمثل تجاوزاً غير مقبول ، كما أن السيادة الإسرائيلية على القدس والضفة الغربية تبقى محل نزاع قانوني وسياسي ، ولا تحظى باعتراف دولي شامل ، الأمر الذي يجعل استمرار هذا النهج عاملاً دافعاً نحو تصعيد دائم ، فإن إسرائيل لا تملك سيادة على أي شبر من أراضي الضفة الغربية أو القدس كاملة ، وكل ما يجري منذ سنوات يدفع باتجاه مواجهة شاملة حتمًا . كما أن الرسالة شملت ضرورة فتح المسجد أمام المصلين المسلمين ، وإحترام الوصاية الهاشمية بشكل كامل ، وإدارة الشؤون الإسلامية في الأقصى والقدس ، غير ذلك لا يعني سوى مزيد من تفجير المنطقة ، والذي سيفرض على الإسرائيليين استقدام قوى أخرى غير الأمريكيين .
فّي المقابل ، شهدت الساحة الدولية تطورات لافتة داخل أروقة مجلس الأمن ، حيث برز استخدام كل من الصين وروسيا لحق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار كان يهدف إلى فرض ترتيبات أمنية بالقوة في أحد الممرات الاستراتيجية الحيوية ، ويعكس هذا الموقف اصطفافاً دولياً متزايداً ، خاصة في ظل تنامي العلاقات بين بكين وموسكو من جهة ، وطهران من جهة أخرى ، إضافة إلى ما تعتبره هذه القوى صموداً إيرانياً أمام الضغوط العسكرية المتصاعدة ، سواء عبر الضربات المباشرة أو من خلال المواجهات غير المباشرة في ساحات متعددة ، لقد جاء الفيتو بثباتٍ وأعاد قلب الطاولة على مشهدٍ دبلوماسي كان يهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة ، في خطوة تُعدّ مواجهة جديدة لا تقل عن الحرب من حيث تعقيدها وتشعب مجالاتها ، وخصوصاً مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي ، ما يجعلها من أخطر المعارك الدبلوماسية ، ورغم ذلك ، لم تكن نقاشات الجلسة منصبّة على إنهاء الأزمة الهرمزية ، بل اتسمت بالمواجهة الحادة ، على غرار ما يحدث في التعامل مع أزمات متعددة ومعقّدة .
وفي هذا الإطار ، برزت أيضًا الكلفة الباهظة للتدخلات العسكرية ، سواء من حيث الإنفاق المباشر أو الخسائر غير المباشرة ، فالتقديرات تشير إلى أن العمليات العسكرية الحديثة تستنزف موارد مالية ضخمة ، ليس فقط نتيجة خسارة المعدات العسكرية المتقدمة ، بل أيضاً بسبب تكاليف التشغيل ، والصيانة ، والاستبدال ، فضلاً عن الأعباء اللوجستية والإنسانية المصاحبة ، وتكشف المقارنة بين تكلفة بعض الأسلحة المتطورة ونظيراتها من الوسائل الأقل تكلفة لدى الخصوم عن فجوة اقتصادية واستراتيجية ، تُستنزف فيها القوى الكبرى على المدى الطويل، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات واتساع نطاق الاشتباك ، ومن جهة أخرى ، فإن استمرار هذا النمط من الاستنزاف يفرض تحديات إضافية على الولايات المتحدة وحلفائها ، لا سيما مع الحاجة إلى إعادة توزيع الموارد العسكرية من مسارح عمليات أخرى ، وهو ما قد يؤثر على توازنات استراتيجية قائمة منذ سنوات ، خصوصاً في مناطق حساسة مثل المحيطين الهندي والهادئ ، كما أن الانخراط في صراعات متعددة يفرض ضغوطاً اقتصادية داخلية وخارجية ، قد تنعكس على أسعار الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي ، وبالطبع، أظهر القرار المقدم من البحرين أن الولايات المتحدة ليست وحدها خلفه ، بل كشف عن تحديات كبيرة تواجه واشنطن وحلفاءها ، فقد بلغ الانفاق العسكري خلال شهر واحد نحو 28 مليار دولار ، مع توقعات بأن تصل الاتفاقات إلى 50 مليار دولار في شهر آخر ، ويؤدي هذا التفاوت إلى استنزاف المخزونات العسكرية من محيط الصين وروسيا .
في المقابل ، هناك قوى اقليمية، مثل إيران ، قادرة على توظيف أدوات منخفضة الكلفة نسبياً لتحقيق تأثيرات استراتيجية ، سواء عبر استخدام الطائرات المسيّرة أو عبر شبكات حلفاء إقليميين ، مثل حزب الله ، هذا النمط من الحروب غير المتكافئة يعيد تعريف قواعد الاشتباك ، ويجعل من الصعب على القوى التقليدية تحقيق حسم سريع أو منخفض التكلفة ، أما في ما يتعلق بتوازنات الردع ، فإن أي تصعيد واسع ، خصوصاً إذا طال الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز ، سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي ، نظراً لأهمية هذه الممرات في حركة الطاقة والتجارة الدولية . وعليه، فإن خيار الإغلاق القسري أو التصعيد الشامل لا يُعد خياراً عملياً لأي طرف ، بل قد يفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة ذات كلفة غير محسوبة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد ، تتداخل الاعتبارات العسكرية مع السياسية ، والاقتصادية مع التقنية ، حيث باتت الحرب الحديثة تشمل أدوات متقدمة ، من بينها الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستطلاع ، والحرب السيبرانية، ما يجعل من أي مواجهة محتملة صراعاً متعدد الأبعاد ، لا يقتصر على ميدان واحد ، بل يمتد ليشمل منظومات متكاملة من الردع والتأثير .
إن ما تشهده المنطقة اليوم يعكس مرحلة انتقالية حساسة في النظام الدولي ، حيث تتراجع أحادية القرار ، وتتقدم التعددية القطبية ، في ظل صراع إرادات تتقاطع فيه المصالح وتتباين فيه الرؤى ، وبين تصاعد التوترات واستمرار سباق النفوذ ، يبقى الاستقرار الإقليمي مرهوناً بقدرة الأطراف على ضبط النفس ، وإعادة إنتاج توازنات جديدة ، تُجنب العالم كلفة الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة ، قد تكون عواقبها أبعد مما يمكن احتواؤه ، وأخيرًا ، لا يمكن لأي طرف تحمّل كلفة إغلاق مضيق هرمز بالقوة ، فاستمرار المواجهة يُعدّ مخاطرة كبيرة في ظلّ حرب الأدمغة والابتكارات ، ولا سيما في الاشتباكات مع حزب الله التى وصلت اليوم فقط 50 عملية ضد جيش الاحتلال ، ومع كل توغّل ، يكتشف الإسرائيليون أن التحدي يتسع ، إذ تُستخدم مسيّرات يصعب رصدها أو التشويش عليها ، ما يمكّنها من استهداف الأهداف بدقة عالية… والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
-
الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى
...
-
المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي
...
-
استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار
...
-
بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ
...
-
بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع
...
-
رحل أخي احمد …
-
عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷♂
-
بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب
...
-
بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ
...
-
الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي
...
-
هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر
...
-
أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها
...
-
الرئيس ترمب غائب فيله ..
-
تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر
...
-
من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا
...
المزيد.....
-
وسائل إعلام إيرانية تلمح إلى -نقاط خلافية- خلال محادثات أمري
...
-
فوز أوربان المحتمل… اختبار جديد للتوازن السياسي داخل الاتحاد
...
-
تواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران في باكستان
-
هل يستمع ترامب لنتنياهو هذه المرة أم أن المصالح ستقول كلمتها
...
-
إعلام أمريكي: هل تتسبب حرب إيران في تصدع بيت ترمب؟
-
رئيس الوزراء الباكستاني السابق: مفاوضات إسلام آباد -تحدي الق
...
-
نتنياهو: دمرنا كافة منشآت تخصيب اليورانيوم وأزلنا -الخطر الو
...
-
على خلفية حرب إيران.. هل بدأ الانقلاب على إسرائيل من داخل ال
...
-
فانس على خط النار: هل ينجح رجل ترمب في فك عقدة إيران؟
-
8 شهداء بغزة والضفة اليوم وحماس تدعو لردع المستوطنين
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|