أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أمل فؤاد عبيد - ديفيد هيوم الكتاب الثالث ( في الأخلاق ) الجزء الثالث














المزيد.....

ديفيد هيوم الكتاب الثالث ( في الأخلاق ) الجزء الثالث


أمل فؤاد عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في سائر الفضائل والرذائل

بعد الفراغ من بحث الفضائل الصناعية، وعلى رأسها العدل، ينتقل النظر إلى نوع آخر من الفضائل والرذائل، وهي تلك التي لا تعتمد في نشأتها على اتفاق أو اصطلاح بين الناس، بل تنبع مباشرة من الطبيعة الإنسانية، وتُدرك من خلال الشعور العام الذي يتولد لدينا عند ملاحظة سلوك الأفراد وطباعهم.
فنحن نجد أن بعض الصفات تثير فينا، بمجرد تصورها، شعورًا بالرضا والاستحسان، مثل اللطف، والكرم، والإحسان، والعطف على الآخرين، والقدرة على ضبط النفس، والشجاعة، والسمو النفسي. وعلى العكس من ذلك، نجد أن صفات أخرى تثير فينا النفور والاستنكار، مثل القسوة، والبخل، والأنانية المفرطة، والجبن، والفظاظة، وسوء الطبع. وهذه الأحكام لا تعتمد على استدلال عقلي دقيق، بل تنشأ بصورة فورية من الإحساس.
ومن بين هذه الفضائل، تحتل المنفعة مكانة مركزية، إذ إننا نميل إلى استحسان الصفات التي تكون نافعة للإنسان نفسه أو لغيره. فالإنسان الذي يتصف بالحكمة أو الاجتهاد أو حسن التدبير يُنظر إليه بعين الرضا، لأن هذه الصفات تعود عليه بالنفع، كما تعود بالنفع على المجتمع الذي يعيش فيه. وكذلك الحال في صفات مثل الكرم والرحمة، فإننا نستحسنها لأنها تعود بالخير على الآخرين.
غير أن المنفعة وحدها لا تفسر كل شيء، إذ توجد صفات نُعجب بها حتى وإن لم تكن ذات نفع مباشر واضح، مثل الجمال في السلوك، أو الرشاقة في التصرف، أو حسن الذوق. وهذه الصفات تُحدث في النفس نوعًا من الارتياح والمتعة، وهو ما يكفي لجعلنا نعدّها فضائل.
ومن هنا، يمكن القول إن الفضائل الطبيعية تقوم على مصدرين رئيسيين:
إما لأنها نافعة، أو لأنها مُرضية ومحببة في ذاتها. وفي كلتا الحالتين، يكون الحكم الأخلاقي قائمًا على الشعور لا على العقل المجرد.
ومن الفضائل التي يوليها النظر أهمية خاصة ما يمكن تسميته بـ“عظمة النفس” أو سموها، وهي تلك الحالة التي يشعر فيها الإنسان بقيمته وقدرته، فيتولد لديه اعتزاز متزن بنفسه يدفعه إلى الأفعال الكريمة ويبعده عن الدنايا. وهذه الصفة، إذا كانت معتدلة، تُعد من الفضائل؛ أما إذا تجاوزت حدها، فقد تتحول إلى كِبر وغرور، وهو ما يُعد رذيلة.
وكذلك الحال في “الطيبة” أو حسن النية، فإنها من الصفات التي تستحق الاستحسان لما تحمله من توجه إيجابي نحو الآخرين، حتى وإن لم تؤدِّ دائمًا إلى نتائج نافعة. فمجرد وجود ميل داخلي إلى الخير يكفي لإثارة التقدير.
أما القدرات الطبيعية، مثل الذكاء وسرعة الفهم وقوة الذاكرة، فهي بدورها تُعد موضوعًا للاستحسان، ليس لأنها أخلاقية بالمعنى الدقيق، بل لأنها تضيف إلى الإنسان كمالًا يجعله محل تقدير وإعجاب. ومع ذلك، فإن قيمتها الأخلاقية تظل مرتبطة بالطريقة التي تُستخدم بها.
ومن خلال هذا كله، يتضح أن الأحكام الأخلاقية التي نصدرها لا تعتمد على قاعدة واحدة بسيطة، بل على مجموعة من الاعتبارات المرتبطة بطبيعتنا الشعورية، وعلى الطريقة التي نتأثر بها عند تأمل صفات الأفراد وسلوكهم. فكل ما يثير فينا شعورًا بالرضا أو الإعجاب نعدّه فضيلة، وكل ما يثير النفور نعدّه رذيلة.
وهكذا تنتهي هذه المعالجة إلى تأكيد الفكرة الأساسية، وهي أن الأخلاق، في جوهرها، ليست نتاج العقل المجرد، بل تعبير عن طبيعة إنسانية قائمة على الإحساس، وأن فهم الفضائل والرذائل يقتضي فهم الطريقة التي نشعر بها تجاه الأفعال والصفات، لا مجرد تحليلها تحليلًا عقليًا.



الخاتمة

بعد هذا العرض لمبادئ الأخلاق، يتضح أن جميع التمييزات الأخلاقية ترجع في نهاية المطاف إلى الطبيعة الإنسانية، وإلى الطريقة التي نتأثر بها عند تأمل الأفعال والصفات. فليست الفضيلة والرذيلة أشياء قائمة في الأفعال ذاتها بصورة مستقلة، بل هما يعتمدان على الشعور الذي يتولد في النفس عند ملاحظتها.
إننا لا نصف فعلًا بأنه فاضل لأنه يتوافق مع قاعدة عقلية مجردة، بل لأننا نشعر نحوه بالاستحسان، كما لا نصف فعلًا بأنه رذيل لأنه يخالف مبدأ عقليًا، بل لأننا نشعر تجاهه بالنفور. ومن ثم، فإن أساس الأخلاق ليس في العقل، بل في الإحساس.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن الأخلاق أمر عشوائي أو متقلب، لأن الطبيعة الإنسانية تشترك في قدر كبير من الثبات بين الناس، مما يجعل أحكامهم الأخلاقية متقاربة إلى حد بعيد. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما ينفعه وينفع غيره، وينفر مما يسبب الضرر أو الألم، وهذا الميل العام هو ما يمنح الأخلاق نوعًا من الاستقرار.
كما أن العادات والتقاليد والتجارب المشتركة تعزز هذه الأحكام، فتجعلها أكثر رسوخًا وانتظامًا داخل المجتمع. ومن خلال هذا التفاعل بين الطبيعة الإنسانية والظروف الاجتماعية، تتكون منظومة الأخلاق التي تحكم سلوك البشر.
وهكذا، فإن دراسة الأخلاق لا تنفصل عن دراسة الإنسان نفسه، بل هي جزء منها. فلكي نفهم ما هو خير أو شر، علينا أن نفهم كيف نشعر، وكيف نتأثر، وكيف نحكم على الأفعال. وهذا هو الهدف الذي سعى إليه هذا البحث، وهو ردّ الأخلاق إلى أصولها في الطبيعة البشرية.



#أمل_فؤاد_عبيد (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار مع شات جي بي تي ..المرأة ما بين الكسب والمنح .. (1)
- حوار مع شات جي بي تي .. المراة ما بين الكسب والمنح(2)
- قرأت لك .. سقوط المظلّة للكاتب / رياض الفرطوسي
- قرأت لك .. بين المدفع والخبر: معركة الحقيقة في زمن الحرب .. ...
- علم النفس المعرفي وتقييم القراءة
- الكينونة الوجودية .. وصياغة المعنى(2)
- الوعي الميتامعرفي والانحيازات المعرفية
- حول تسخير الطموح والاستقلالية والمرونة في نظام التعليم
- كيف يبدو العداء ضد مصر اليوم؟ (4)
- كيف يبدو العداء ضد مصر اليوم؟ (3)
- أهمية نظرية المعرفة في إعداد المعلمين
- استهلال .. الوعي
- حوار مع شات جي بي تي حول التفريق بين الذكاء والإذكاء في المج ...
- حوار مع شات جي بي تي حول التفريق بين الذكاء والإذكاء في المج ...
- حوار عابر سبيل مع شات GPT
- رؤى جديدة حول المناهج الدراسية
- النظرية التربوية لايمانويل كانط (2)
- النظرية التربوية لايمانويل كانط (3)
- أنا و chat gpt حوار مفتوح على السؤال المعرفي
- وعاء الوجود .. حين تلتقي - الكنانة بالكينونة -


المزيد.....




- يصارعن ويتشقلبن في الهواء بتنانير.. أمريكي يندهش من مصارعات ...
- -أمر مميز للغاية-.. تيفاني ترامب تحتفل بأول عيد أم لها
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده بهجوم طائرة مسيرة لحزب ...
- خبير سياسي يبرز لـCNN نقاط الخلاف في اتفاق محتمل بين الولايا ...
- بعد دفن والده بساعات.. مستوطنون في الضفة الغربية يجبرون فلسط ...
- عبد الوهاب الدكالي.. -مرسول حب- المغرب للعالم العربي
- نقطة واحدة فقط تفصل باريس سان جرمان عن حسم لقب الدوري الفرنس ...
- المصالح قبل التحالف.. هكذا ترسم واشنطن مستقبل علاقاتها بأورو ...
- استشهاد فلسطيني برصاص جيش الاحتلال شمال القدس
- قبل زيارة ترمب.. الصين ترفض العقوبات الأحادية غير المشروعة


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أمل فؤاد عبيد - ديفيد هيوم الكتاب الثالث ( في الأخلاق ) الجزء الثالث