أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - اللهاث / قصة فصيرة














المزيد.....

اللهاث / قصة فصيرة


فلاح العيفاري

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


كان الصيف في منتصفه و النهار في منتصفه و الشمس تتوسط السماء , كأن الشمس بحرارتها اللاهبة تريد حرق الأرض و ما فيها , رفع رأسه للأعلى ليبصر الشمس , حدث نفسه :
- كيف لا تسقط هذه الشمس على الأرض , لابد و إن هنالك حكمة عظيمة مدعومة بقوة خارقة تمنعها من السقوط .
ضرب بعصاه الأرض و تحرك جسده المتقوس للأمام , سار بمحاذات الجدران و هو يلهث , عند هذه الظهيرة لا أحد في هذا الشارع الخالي من المارة و لا يكسر سكونه سوى انتظام اصطدام عصا هذا الشيخ بالأرض الساخنة , استمر جسده النحيل في السير بصعوبة , أغراه منظر الظل الذي بان أمامه , أسرع الخطى ليجلس على الأرض في الظل مستندا على عصاه , دس يده في جيب دشداشته البيضاء , أخرج علبة السكائر و يده ترتجف رجفة خفيفة :
- التدخين مضر جدا بصحتك , يجب أن تتوقف عن التدخين تماما .
- صار دكتور , سأتوقف عن التدخين .
امتدت اصابعه بحذر و امسك بسيكارة , قرب السيكارة من فمه :
- و لا حتى سكارة واحدة في اليوم .
- رغم انه أمر صعب جدا , فأنا ادخن منذ اكثر من ستين سنة , لكن صار يا دكتور , و لا حتى سيكارة في اليوم , سأتوقف تماما عن التدخين .
بحثت اصابعه في جيبه عن علبة الكبريت , أخرج العلبة و أشعل عود الثقاب , نظر الى الشعلة الصغيرة التي تحرق العود , نقل بصره الى الشعلة الكبيرة وسط السماء :
- وعد شرف با دكتور , و لا حتى سيكارة واحدة .
هز يده و انطفأت الشعلة الصغيرة دون أن يشعل السيكارة , رمى عود الثقاب , تمزقت السيكارة بين اصابعه و تناثر تبغها على الارض , نهض لمواصلة السير و هو يلوم نفسه :
- لماذا اعطيت وعد شرف للدكتور , لقد حرمت نفسي من متعة التدخين , أكثر من اسبوع مضى و انا ملتزم بهذا الوعد , سأذهب للدكتور , اطلب منه أن يعفيني من هذا الوعد , لم يبقى من العمر ما يستحق هذا العناء .
استمر في المسير , لاح بصره بناية يعرفها جيدا , استدار الى اليمن عبر الشارع الذي كاد يسيل فيه بعض اجزاء من القير بسبب حرارة الشمس , قرأ اليافطة على واجهة البناية :
- مستشفى الأمل .
اراد دخول المستشفى , لكن الحارس الواقف عند باب المستشفى منعه :
- الزيارات غير مسموح بها في هذا اليوم .
لم يكترث بما قاله الحارس , كأنه لم يسمع شيء , استمر في محاولته لدخول المستشفى فسمع صرخة اطلقها الحارس أجبرته على التوقف :
- انت اطرش ...؟ الزيارات ممنوعة لهذا اليوم .
التفت صوب الحارس , رفع عصاه في وجه الحارس , تحركت شفتاه الغائرة وسط شاربه و شعر لحيته البيضاء , و رد على صرخة الحارس بصرخة اقوى :
- لماذا ممنوع ...؟
- هذه تعليمات المستشفى و أنا انفذ الأوامر .
بعد أن هدأ قليلا , اخذ يتحدث مع الحارس بلطف :
- اسمع با ابني , عمري قد تجاوز الثمانين سنة , و بمشقة كبيرة في هذا الحر الشديد وصلت للمستشفى و أنا أتكأ على هذه العصا إذ ليس معي أجرة للتكسي , زوجة ابني على وشك الولادة , اريد أن أدخل لأراها و سوف لن أتأخر أكثر من دفيفة واحدة .
- قلت لك ممنوع , يعني ممنوع , انت ما تعرف عربي , زوجة ابنك , زوجة خالك , افهم , اقول لك ممنوع , تعال غدا .
يأس من اقناع الحارس , اقترب من كومة من البشر المتجمعين على جانب بوابة المستشفى , علم انهم ينتظرون مَنْ يسمح لهم بدخول المستشفى , فقد يتبدل هذا الحارس و يأتي بدلا عنه حارس عنده رحمة , لذا أخذ ينتظر حاله مثل حال باقي المنتظرين , كان غاضبا جدا , اراد تدخين سيكارة لكنه تذكر الوعد اللعين الذي منعه من التدخين .
وقفت سيارة فارهة امام المستشفى , نزل منها شاب انيق و معه ثلاثة نساء يرتدين ملابس جميلة جدا , قال الشاب الأنيق للحارس :
- درجة أولى .
تغيرت ملامح الحارس , اختفت ملامح وجهه القاسية و حل محلها ابتسامة عريضة و معها انحنائه واضحة , رحب الحارس بالزوار الكرام :
- تفضلوا , تفضلوا .
استند الشيخ على ركبته , نهض متكأ على عصاه , توجه صوب الحارس , فكر في كذبة بيضاء , أو قد تصور أنه اكتشف كلمة السر التي ستمكنه من دخول المستشفى , قال للحارس :
- درجة أولى .
أظهر الحارس عصاه و هو يسخر من الشيخ :
- شكلك ليس شكل درجة أولى , ابتعد و إلا ضربتك بهذه العصا , و انصحك أن لا تنتظر الحراس الذين سيأتون من بعدي فأنا اكثرهم رحمة .
تراجع الى الخلف , لم تنفعه الكلمة التي ظن انها كلمة السر التي ستسمح له بزيارة زوجة ابنه و ربما ابن ابنه , ضرب الأرض الساخنة بعصاه , و عاد من حيث أتى و هو يلهث , أما الشمس فلاتزال تتوسط السماء .



#فلاح_العيفاري (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- اتفاق إسرائيلي مغربي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- إسرائيل تعلن اتفاقا مع المغرب لتعزيز العلاقات ورفع التمثيل إ ...
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...
- نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - اللهاث / قصة فصيرة