فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 09:07
المحور:
الادب والفن
نهض علي عبد الرزاق مبكرا ذلك الصباح , لقد انتهت بسرعة اجازته , خمسة أيام مرت بسرعة البرق , اصبح من الواجب عليه أن يلتحق بجبهة القتال , تلك الجبهة التي لا تبعد عن داره سوى ساعة زمن واحدة بالسيارة , كانت تلك الجبهة في تلك الفترة محرقة حقيقية للجيشين المتحاربين , العراقي و الإيراني , حرب دموية كانت تسحق شباب الشعبين العراقي و الايراني , أثبتت مجريات الأحداث لاحقا انها كانت بالنسبة لهما حربا عبثية ليس فيها رابح , الطرفان المتحاربان , العراق و إيران كشعبين و كدولتين و كجيشين كانا كلاهما خاسرين , و الرابح في تلك الحرب كانت مصالح بعض الدول الأقليمية و الدولية , غذت تلك المصالح لهيب الحرب كي تبقى مستمرة لسنين طويلة و مدمرة و مؤلمة لكلا البلدين .
قبل أن يغادر علي الدار قَبلتْه امه و الخوف يعصر قلبها فهو ابنها الوحيد الذي حكمت عليه الظروف و أجبرته على حمل البندقية ليقتل شباب في الجانب الآخر من ساحة المعركة , شباب قد يكونوا هم أيضا مثله حكمت عليهم الظروف و أجبرتهم على حمل البندقية ليقتلوا شباب من الطرف الآخر , ليس بين شباب هذا الطرف و شباب الطرف الآخر أي عداء , لكنهم يقتلون بعضهم البعض في حرب هي ليست حربهم .
قالت ام علي لأبنها و هي تحتضنه بشدة :
- علاوي , لا تلتحق يا ابني , إبقى , و سأجد لك مكان تختبأ فيه لحين انتهاء هذه الحرب اللعينة .
- يا امي , ستلاحقني السلطة بكل إمكانياتها و مؤسساتها الأمنية و الحزبية , و سيحكم عليّ بالإعدام , أنا خائف , يجب أن أذهب .
- لا تخف يا ابني , اترك الأمر على الله , و ليكن ما يكون .
لم تستطع أم علي اقناع ابنها في الهروب من تلك الحرب التي لا تعرف لها أي معنى , كان سبب اصرار ابنها على الالتحاق بالحرب الدموية هو الخوف الشديد من العقاب , قالت له و هي مجبرة على ما تقوله :
- مع السلامة يا أبني , إحمي نفسك من الموت , تذكر دائما أن لك أم تنتظرك و ليس لديها غيرك .
مرة أخرى قبلته و طبعت على خده قبلة لن ينساها أبدا , فقد اختلطت على خده دموعه بدموع امه , كان وداعا مؤلما جدا , عند باب الدار قَبَلَ علي عبد الرزاق يد أمه و جبينها , بكى و كأنه سيرحل عنها و لن يعود , وضع خوذته العسكرية على رأسه و غادر دون أن يلتفت الى الوراء كي لا يرى أمه و هي تبكي , ابتعد عن داره , لم تعد امه قادرة على رؤيته , دخلت الأم دارها و هي تشعر بانقباض شديد في صدرها , ازداد همها و قلقها حين فتحت الراديو و سمعت الأناشيد الحماسية التي لا تنطلق منه إلا عندما تكون المواجهة بين شباب الجيشين على اشدها و اكثرها دموية و بشاعة , أرادت تحطيم الراديو حين سمعت ما لا تحب أن تسمعه و هي البيانات العسكرية الصادرة من القيادة العامة للقوات المسلحة , ما بين تلك البيانات انطلقت مقاطع من نشيد هو في غاية البشاعة , يا حوم إتبع لو جرينا , يبعث هذا النشيد في روحها القلق و الخوف على ابنها , فكلمات هذا النشيد تخبرها بأن هنالك الكثير من جثث الشباب و الدماء قد امتلأت بها ساحة المعركة .
بعد أن وصل علي عبد الرزاق الى الخطوط الأمامية من ساحة المعركة باقل من ساعة اشتد اطلاق النار من كل الجهات و من كل وسائل الحرب من الجانبين , احترقت الأرض و الأشجار و تمزقت جثث الجنود من الجانبين , صدرت الأوامر للوحدة العسكرية التي التحق بها علي بالتقدم وسط هذه المحرقة البشرية , قال له عبد الجليل و هو أحد الجنود الذين تعرف عليهم وسط الدخان و الموت و صارا صديقين :
- يبدو يا علي أن القيادة قد اعتبرتنا مسبقا من الخسائر .
حين تقدم ليلتحق بصديقه عبد الجبار الذي تقدم قبله سقطت خوذته من على رأسه , فقد نسي أن يربطها جيدا , لم يتوقف لالتقاط خوذته التي قد تحمي رأسه من الرصاص و شظايا القنابل التي أخذت تمزق كل شيء موجود في ساحة المعركة .
مرت عدة أيام , أختفت الاناشيد الحماسية الدموية التي كان يطلقها الراديو في الليل و النهار , جاء عبد الجليل الى دار علي عبد الرزاق , فتحت له أم علي الباب , و ما أن رأت خوذة ابنها العسكرية يحملها هذا الجندي بيده , صرخت :
- ابني .
بعد أن فاقت أم علي من غيبوبتها علمت من عبد الجليل أن جثة ابنها المقتول لازالت في منطقة الحرام , قال لها عبد الجليل :
- في هذه المنطقة التي تفصل بين الخطوط الامامية للجيشين المتحاربين انتشرت مئات جثث الجنود القتلى من الطرفين التي لا يستطيع أي طرف منهما اخلائها .
ازداد ألم أم علي اكثر حين علمت ايضا إن ما بين التحاق ابنها بوحدته العسكرية و مقتله سوى ساعات قليلة , أي انه قتل في نفس اليوم الذي ودعته فيه , قال عبد الجليل لأم علي :
- جئت لأخبرك بالأمر , و انا مستعد لدخول منطقة الحرام لإنتشال جثة صديقي علي و سحبها فانا أعرف مكان سقوطه بالضبط , لكني أحتاج لمساعدتك .
- كيف اساعدك , انا على استعداد للدخول معك لمنطقة الموت .
- ما احتاجه من مساعدة هو أن تقنعي الضابط آمر الوحدة للسماح لي بدخول منطقة الحرام .
- لنذهب الان , يجب أن لا نتأخر , ابني ينتظرني .
ذهبت أم علي على الفور مع عبد الجليل للوحدة العسكرية التي كان ابنها ينتمي اليها , طلبت و هي تترجى و تبكي و تتوسل من آمر تلك الوحدة أن يسمح لها و لعبد الجليل الدخول لمنطقة الحرام لإنتشال جثة ابنها علي , ضحك الضابط أمر الوحدة :
- أي منطقة حرام ...؟ لقد تقدم العدو و سيطر على تلك المنطقة .
دون وعي صرخت أم علي في وجه هذا الضابط :
- هل يجب أن أذهب لإيران ليسمحوا لي بإنتشال جثة ابني .
لم يستطع الضابط التحكم بأعصابه , صرخ مناديا الحراس :
- أخرجوا هذه المرأة المجنونة من هنا , لا تدعوها تدخل لمقر الوحدة مرة أخرى .
عادت أم علي لدارها و قد بدا عليها الغضب و كأنه الجنون , أخذت تشتم دون خوف الحكومتين في العراق و إيران على هذه الحرب اللعينة التي اخذت منها ابنها , الجيران و الأقارب نصحوها بأن تكف عن شتم الحكومة , لم تنفع تلك النصائح و استمرت أم علي في الشتم دون التفكير بالعواقب الخطيرة التي تنتظرها , لقد طالت في شتائمها رأس السلطة في العراق و هنا تكمن المصيبة الكبرى , حيث تحدد مصير أم علي بعد أن علم المسؤولون في الحزب و الأجهزة الأمنية في منطقتهم بشتائمها التي صارت بلا حدود لدرجة وصلت لشتم القائد الجالس على رأس هرم الحزب و الحكومة و الدولة و القانون .
بعد بضعة ليالي توقفت سيارة أمام باب دار أم علي المسكينة , خرج منها ثلاثة رجال يرتدون الملابس التي عادة من يرتديها هم الرفاق اصحاب الشوارب التي تغطي نصف فمهم , طرقوا الباب , فتحت أم علي الباب لهم , سحبوها بعنف داخل السيارة , لم يستطع أي من الجيران معرفة ما جرى للأم داخل تلك السيارة , فزجاج شبابيكها مصبوغة بلون معتم .
اختفت أم علي من الوجود تماما , حاول البعض من أقاربها البحث عنها دون جدوى , بعد أن مرت السنين و لغاية هذا اليوم لا أحد من اهلها او من معارفها يعرف شيء عن مصيرها , ابنها رحل عن الحياة دون أن يكون له قبر , و لا شك في أن تكون هي كذلك .
#فلاح_العيفاري (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟