مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 09:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ قد تستوجب قراءةُ حياةِ البشر الاستعانةَ بدلالات المعطى الإحصائي ، لا بوصفه أرقاماً صمّاء ، بل باعتباره مرآةً لوقائع متراكمة تختزن أنماط الألم والرجاء معاً ، فلا يمكن الاستهانة بما يتعرّض له بعض الأفراد ؛ إذ إن صفحات حياتهم التفصيلية ليست عابرة ، حتى وإن بدت حادّةً كسيفٍ يمرّ خاطفاً ، فالأيام الصعبة ، في الغالب ، تُعاش على نحوٍ فرديّ ، يواجهها الإنسان وحيداً ، لكنها – مع ذلك – تمضي ، تاركةً وراءها خلاصةً وجوديةً عميقة : أن الآخرين قد يبحثون فينا عن تلك القوة التىّ وُلدت من رحم المعاناة .
وفي هذه المرحلة ، يكتشف المرء أن ما يتعرّض له من ابتلاءات قد يتحوّل – إن لم يُحسن التعامل معه – إلى عبءٍ يستوطن داخله ، فيسلبه الرغبة ويقوّض دافعيته ، حتى يغدو جسداً متحركاً بلا هدف ، وهنا يبرز ذلك الخطّ الدقيق الذي يفصل بين الحزن العارض وبين الشعور المتفاقم بالألم ، وصولاً إلى ما يُعرف في علم النفس بالاكتئاب .
كثيراً ما يقع الخلط بين أنين التقلبات المزاجية العاطفية ، وما يرتبط بها من قلقٍ سياسيّ أو اجتماعيّ أو اقتصاديّ ، وبين ما يُسمّى بالعجز المكتسب ؛ تلك الحالة الانحدارية التىّ تُصيب الإنسان حين يخسر أبرز عناصر التنعّم بالحياة ، فكل ما كان قادراً على تحفيز هرمون السعادة وإشعال الشغف ، يتحوّل إلى فراغٍ عدميّ ، تتلاشى فيه الطاقة تدريجياً ، حتى يبدو وكأن الروح – لا الجسد – هي التي اعتلّت .
واللافت في هذه الحالة أن المصاب بالاكتئاب تتآكل لديه قدرة الملاحظة ، إذ تهيمن عليه أفكار الوهم وفقدان القيمة ، فيغدو إدراكه للعالم مشوّهاً ومثقلاً بالشكوك ، ويتسلّل الهوس إلى روحه ، فيتصوّر أحياناً أنه يعاني أمراضاً عضوية مستعصية ، نتيجة اضطرابٍ دراماتيكيّ في توازنه النفسي ، وغالباً ما يتفاقم هذا الميل مع قلة النشاط والحركة ، فينعكس على النوم ، ويهدر الموارد ، ويدفع بالجسد إلى مساراتٍ أكثر تعقيداً .
غير أن هذا كلّه لا يعني ضعفاً في الشخصية بقدر ما يشير إلى اختلالٍ في بنية التفكير ؛ اختلالٍ قد يُعطّل الوظائف الحيوية والعصبية للإنسان ، فيشبه – على نحوٍ مجازي – من ألقى بنفسه في الثقب الأسود ، حيث يتساوى الماضي والمستقبل في حاضرٍ كثيفٍ ومغلق .
وأمام هذا التعدّد في النماذج الإنسانية ، يظلّ المثال الجدير بالاقتداء هو ذاك الذي يمتلك قدرةً على تحويل صراعاته الداخلية إلى طاقةٍ خلاقة ، فهؤلاء ، وإن حملوا في داخلهم أصداء صراعات الآخرين ، إلا أنهم يملكون ما يمكن تسميته بـ”القوة الحرارية” التىّ تُبقي جذوة الحياة متقدة ، إنهم نماذج تُجسّد حقيقة الإنسان في أعمق صورها ، حتى وإن مزجت بين التعقيد والغناء ، إذ تنبثق من هذا التداخل طاقة إبداعية تتدفّق ، وتتصدى لكل ما قد يثقل الروح أو يهدد توازنها .
وفي نهاية المطاف ، يبقى الإنسان مشروع معنى ، يتشكّل على تخوم الألم ، ويكتمل كلما استطاع أن يعيد صياغة معاناته في صورة وعيٍ أرقى ، وحياةٍ أكثر اتزاناً … والسلام 🙋♂
✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟