أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - آلاء عبد الحي جبار - انقلاب المعايير: المرأة المدخنة والموشومة في المجتمع العراقي المعاصر














المزيد.....

انقلاب المعايير: المرأة المدخنة والموشومة في المجتمع العراقي المعاصر


آلاء عبد الحي جبار

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 18:06
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


ما كان بالأمس رمزًا للهوية والجمال والمكانة، صار اليوم في كثير من الأحيان مدخلًا للإدانة والتجريح. الوشم الذي كانت الجدة تحمله على ذقنها بفخر، والسيجارة التي كانت السيدة تُمسك بها باعتزاز، باتا اليوم في نظر شريحة واسعة من المجتمع "دليلًا" على انحلال المرأة وسقوطها الأخلاقي.

هذا التحول لا يحدث من فراغ، إنه نتاج تراكم عقود من التحولات السياسية، والدينية، والاجتماعية، التي أعادت رسم صورة "المرأة المقبولة" في المخيلة الجمعية.

من الجمال إلى التهمة..
الموشومة اليوم لا تُسأل عن دوافعها أو تاريخها أو ذوقها، بل تُحاكَم فورًآ، الألقاب التي تُلصق بها في الشارع والمجالس ومنصات التواصل تتراوح بين الإهانة الخفيفة والتجريح الصريح في شرفها وأخلاقها، وشمها لا يُقرأ كزينة، بل كـ"علامة" يفسّرها المحيط كيفما شاء، وغالبًا ما يفسّرها بالأسوأ.
المدخّنة حالها أشد. فالمرأة التي تُشعل سيجارة في الفضاء العام في أغلب المحافظات العراقية، تُعرّض نفسها لنظرات الاستنكار والتعليقات المؤذية، وأحيانًا المواجهة المباشرة. حتى في المدن الكبرى، تضطر كثيرات إلى الاختباء للتدخين خوفًا من الأهل قبل الغرباء.

المجتمع الرقمي: ميدان التنكيل الأوسع..
جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتُضاعف حدة هذا الحكم، فحين تنشر امرأة صورة تظهر فيها موشومة أو تمسك سيجارة، يتحول قسم التعليقات إلى ما يشبه المحكمة الشعبية، تُوصف بأوصاف تطعن في سيرتها الشخصية وعفتها.
يُشكَّك في تربيتها وأسرتها، تُربط سيجارتها أو وشمها بسلوكيات أخرى لا علاقة لها بهما البتة، وأحيانًا تتحول إلى ظاهرة للسخرية والتداول. وما يزيد الأمر مرارة أن بعض هذا التنكيل يصدر عن نساء أخريات، وهو ما يكشف أن المسألة ليست صراعًا بين الجنسين فحسب، بل هي ضغط اجتماعي ممنهج تُمارسه المجموعة على أفرادها.

جذور هذا الانقلاب...
هذا التشدد لم يكن سمة العراق الثابتة عبر التاريخ، عراق الخمسينيات والستينيات شهد حضورًا نسائيًا واسعًا في الفضاء العام، في الجامعات والمقاهي والفنون. لكن عقودًا من الحروب والحصار والتشدد الديني المتصاعد بعد 2003، أعادت تشكيل المنظومة القيمية بشكل عميق. فصار جزء كبير من الهوية الجماعية يقوم على ضبط جسد المرأة ومراقبة سلوكها، وكأن فضيلة المجتمع تُقاس بما تفعله المرأة بجسدها.

المفارقة الصارخة..
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، الجدة الموشومة في القرية تُحترم وتُبجَّل، ووشمها يُقرأ كتاريخ وعراقة، لكن حفيدتها التي تضع وشمًا في المدينة تُهان وتُحاكَم، السيجارة التي كانت علامة رُقي في مجلس البغداديات، باتت اليوم "فضيحة" تستوجب القطيعة. هذا لا يعني أن على الجميع تبني هذه الخيارات أو تمجيدها، لكنه يعني بوضوح أن الحكم على المرأة وإهانتها بسببها ليس قيمة أصيلة ولا ثابتة، بل هو خطاب مُنتج ومُعاد إنتاجه، يخدم في النهاية سلطة اجتماعية لا علاقة لها بالأخلاق الحقيقية.

في الختام..
المرأة التي تحمل وشمًا أو تُمسك بسيجارة ليست في المحكمة. هي إنسان يمارس خياراته الشخصية في حدود جسده وحياته، والفارق الجوهري بين المجتمع الناضج والمجتمع المأزوم يكمن هنا تحديدًا، هل يرى في المرأة المختلفة إنسانًا يستحق الاحترام، أم هدفًا يستحق العقاب؟
الكلمة القذرة التي تُقال في حق امرأة بسبب وشمها أو سيجارتها، لا تقول شيئًا عنها، لكنها تقول كل شيء عمّن قالها.



#آلاء_عبد_الحي_جبار (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وأد الاسماء في لافتات الموت: جناية العرف على المرأة
- وأد الاسماء في لافتات الموت: جناية العرف على المرأة
- التعليم في العراق: بورصة الاحزاب بين المناهج العقيمة والمحاص ...
- الأرستقراطية الهجينة: عباءة السياسة وعمامة التوريث
- معمار الشهوة والقداسة: هل بنينا المدن على صورة اجسادنا؟!
- بورصة النخاسة: سوق الزواج حين تباع العفة لدلالة العرائس!
- بورصة النخاسة: سوق الزواج حين تباع العفة لدلالة العرائس!
- بورصة النخاسة في سوق الزواج: حين تباع العفة ب٥٠& ...
- -بورصة النخاسة- في سوق الزواج: حين تباع العفة ب٥٠ ...
- الانسان قبل القبلة: حين يكون الدين سراجآ لا سياجآ.
- الانسان قبل القبلة: حين يكون الدين سراجآ لا سياجآ
- نبوءة الطين: مرثية گطان
- دجلة السجين، ضفاف تكبلها الاسلاك ومياه يقتلها الجفاف
- تيه الحقيقة.. إعلام اللايكات في ميزان الاخلاق
- تيه الحقيقة.. اعلام -اللايكات- في ميزان الاخلاق
- الأسواق التجارية وفوضى المدن


المزيد.....




- اتهام رواندا و-إم 23? بتحويل مدينة كونغولية إلى مسرح إعدامات ...
- بعد أشهرٍ من العمل القسري.. انتحار عاملة منزلية إثيوبية في ل ...
- تغيير تاريخي في طب النساء.. لماذا اختفى اسم “تكيس المبايض” ر ...
- مريم مرعي.. ابنة عكا التي نهضت من رماد النكبة لتوثق نضال الن ...
- اليونيسف: استشهاد 200 طفل/ة منذ تجدد العداون الإسرائيلي على ...
- اغتصاب طفلتين وإلقاء جثة أحدهما بمجرى مائي ببغداد
- المشاريع المنزلية.. هل تلقي بحبل النجاة للنساء؟
- من المغنية المصرية الاسترالية ايزادورا.. الى اجمل نساء العال ...
- أطفال بلا ذنب: سودانيات يكسرن حاجز الصمت ويحتفظن بمواليد الا ...
- -المرأة في السينما-.. مبادرة سعودية بمهرجان كان السينمائي ال ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - آلاء عبد الحي جبار - انقلاب المعايير: المرأة المدخنة والموشومة في المجتمع العراقي المعاصر