أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - السكين / قصة قصيرة .















المزيد.....

السكين / قصة قصيرة .


فلاح العيفاري

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 09:30
المحور: الادب والفن
    


استيقظ هذا الصباح مبكراً , سرى في جسده خوف مصحوب بشعور غامض حين رأى ورقة مرمية على ارضية الغرفة مكتوب فيها بأحرف كبيرة جداً : " سأنتحر غداً صباحاً " , كان هنالك ايضا بجانب الورقة سكين حادة , مد يده الى الورقة و رفعها بهدوء و كأنه يخشى على الكلمات المكتوبة فيها من الانزلاق و السقوط على ارضية الغرفة , قربها من عينيه فقرأ اسمه و رأى توقيعه , تحدث مع نفسه بصوت متقطع :
- نعم , انه اسمي , وهذا توقيعي ...!
قرأ التاريخ تحت التوقيع فكان التاريخ هو ليوم أمس , شعر بقشعريرة تهز جسده , تخيل أن سقف الغرفة سينطبق عليه , حاول الخروج من الغرفة إلا أنه و بسبب الضعف الذي عم سائر جسده نتيجة الخوف و تأثير المفاجئة عاد و جلس على السرير , مد نظره ليرى السماء من خلال شباك الغرفة , تحدث مع نفسه مرة أخرى :
- انه الفجر , غدا المكتوب في الورقة اصبح اليوم , هل عليّ أن انتحر في هذا الصباح , انا لا اريد أن أموت .
تحرك نحو خزانة الكتب , أخرج منها مسودة رواية كان قد بدأ في كتابتها منذ فترة و وصل الى فصلها الأخير , في هذا الفصل ينتحر الشاب و هو الشخصية الأولى في الرواية بسكين حادة تشبه السكين المرمية على ارضية الغرفة , و حسب ما مدون في الرواية فأن هذا الشاب يدخل غرفته في الصباح و يغلق بابها و يرمى مفتاح باب الغرفة من الشباك , ثم يقطع أحد شرايين يديه فينساب دمه بغزارة , يسقط على الأرض , شيئاً فشيئاً ينحدر الشاب بهدوء نحو الموت دون أي شعور بالألم , كتب في هذه الرواية أن هذا الأسلوب للموت هو الأفضل لأنه بدون ألم و لا يستطيع التراجع عنه فالغرفة مُقْفَلة من الداخل و مفتاحها مرمي خارجها , قال و هو ينظر الى وجهه في المرآة المعلقة على الحائط :
- لماذا حكمتُ أنا على هذا الشاب بالموت , لماذا لم يكن هنالك خيار آخر ...؟
لاحظ أن الشاب في الرواية هو بنفس عمره , و أوصاف هذا الشاب تشبه أوصافه الى درجة كبيرة جداً , كأنهما شخصا واحداً ...!
اراد الخروج من الغرفة فوجد بابها مُغلقاً و مفتاح الباب مرمي من الشباك الى خارج الغرفة كما مكتوب في الرواية تماماً , نظر الى السكين الحادة المرمية وسط الغرفة , خاف منها , ابتعد عنها كي لا تقطع أحد شرايين يديه , وضع يديه خلف ظهره و صرخ بصوت ضعيف يرتجف :
- لن أنتحر .
دون إرادة منه اقترب من السكين , و كأن قدره المحتوم قد اقترب قال مع نفسه :
- هل هذا هو صباح يومي الأخير , يا للمصيبة , كيف حصل هذا ...؟
كل شيء هو مشابه لما في الرواية , باب الغرفة مُقفل , مفتاح الباب مرمي من الشباك , السكين هي نفسها التي وصفها في الرواية .
من شدة اضطرابه وضع رأسه بين يديه , عصر رأسه , ضلّتْ الأفكار في ذهنه مضطربة أشبه بحالة الهلوسة , لعن الزمان و المكان و السكين و توقيعه و تاريخ اليوم , قال :
- قد يكون انتحار الشاب في الرواية هو السبب , كأنني قتلته مع سبق الأصرار , فجاءتْ روح هذا الشاب لتنتقم مني رغم أني لم اختر له الانتحار , هو الذي قرر أن يموت بهذه الطريقة .
نظر الى السكين , قال :
- هل عليّ تغيير مجرى أحداث الرواية و إنقاذ هذا الشاب الذي حاول الانتحار , سأجعل انقاذه يتم في اللحظات الأخيرة قبل موته , لكن إن فعلت ذلك فستفقد الرواية مضمونها و هدفها و تتحول نهايتها الى ما يشبه نهاية القصص في الأفلام الهندية التي غالبا ما تكون نهاياتها سعيدة .
شعر بطعم مر في فمه . أراد تناول قدح ماء , مسك القدح الموضوع على الطاولة الموجودة في احد اركان الغرفة , شرب ما فيه بجرعة واحدة , لم يكن في القدح ماء كما كان يظنُ بل كان فيه بقايا العرق العراقي الذي شرب منه بالأمس , إذ إن لون العرق بدون تخفيف تركيزه بالماء يكون صافيا كالماء , حرق العرقُ المركز فمه و احشائه فلعن العرقَ و شاربه و صانعه و بائعه و مكتشفه و الذي وضعه في هذا القدح على هذه الطاولة .
نظر الى الورقة مرة أخرى فأكتشف أن السكين قد غيرتْ موقعها و اصبحت فوق الورقة , ارعبه ذلك , فمنذ لحظات كانت السكين بجانب الورقة , صرخ :
- من الذي حرك السكين ...؟
أجاب بتردد واضح :
- لابد و إن روح ذلك الشاب هي التي فعلت ذلك ؟
تساءل :
- هل من المحتمل أن اكون انا الذي حرك السكين ...؟
ثم ازداد خوفه حين وجد السكين في يده و هو ممسك بها بقوة , ارتعش خوفا فسقطت السكين من يده , رفع الورقة ليقرأها مرة أخرى , تأكد أنه اتخذ قرار الانتحار و إن موعد الأنتحار هو في هذا الصباح , فهذا هو اسمه و هذا هو توقيعه , لا يعرف إن كان يستطيع التراجع عن هذا القرار أم لا .
وجد أنه من الضروري كتابة رسالة وداع الى اصدقائه , أقترب من طاولة الكتابة قرب خزانة الكتب , سحب بضعة اوراق , و بدأ يكتب رسالته الأخيرة لأصدقائه : اصدقائي الأعزاء , سأترككم , أنا الآن كتلة من الألم و الإرهاق النفسي , لا مبرر لبقاء هذا الألم , لن ينتهي ألمي إلا بموتي , الوداع .
بعد أن انهى كتابة هذه الرسالة القصيرة لأصدقائه , أخذ يقرأ الاسطر الأخيرة من الفصل الأخير للرواية التي كتبها , فوجد أن نص الرسالة التي كتبها الشاب قبل لحظات من انتحاره تتطابق تماما مع ما كتبه هو الآن , انها مصادفة عجيبة زادت من خوفه و قلقه و ايقن انه فعلا سائر نحو الأنتحار دون إرادة منه , قارن بكل بلاهة بين النص في رسالة الوداع في الرواية و نص الرسالة التي كتبها الآن فلم يجد أي فارق بينهما إطلاقاً , نفس الخط و مَكْتُوبة بنفس القلم , سأل نفسه بإستغراب شديد :
- من انا , هل أنا الشاب في الرواية , أم انا كاتب الرواية ...؟
عاد الى الفراش , استلقى عليه و اعصابه متوترة جدا , وجد في يده سيكارة , أخذ نفساً عميقاً ثم نفث الدخان بقوة , انتابته رغبة في الضحك , ضحك , نهض من الفراش , جلس حول طاولة الكتابة , أخذ يعيد كتابة الأسطر الأخيرة من فصل الرواية الأخير : " بالصدفة , جاء اثنان من اصدقاء الشاب الذي كان ينزف دما , طرقا الباب , لم يفتح الشاب لهما الباب فقد انحدر في غيبوبة الموت , سمع صديقائه انين ضعيف صادر من داخل الغرفة , ادركا أن خطراً ما قد حصل , كسرا الباب , وجدا صديقهما الشاب ممددا على الأرض غارقاً بدمه و بجنبه سكين حادة , شدا يد الشاب بقطعة قماش , توقف النزيف , نقلاه الى مستشفى الطوارئ , رقد الشاب في المستشفى لمدة يومين ثم عادت له الحياة و الحيوية من جديد " .
بعد أن أجرى هذه التغيرات على نهاية روايته نهض , مزق الورقة الغامضة التي كتبها بالأمس فقد قرر عدم الأنتحار هذا الصباح , انطلقت منه ضحكة و هو يسأل نفسه :
- كيف سأفتح باب الغرفة و أخرج ....؟ فمفتاح الغرفة مُرمى من الشباك خارج الغرفة , القضبان الحديدية المثبتة على فتحة الشباك تمنعني من الخروج و استعادة المفتاح .
ظل متردداً يراجع في ذهنه ما يجب أن يفعله كي يخرج من الغرفة , هل ينتظر حضور أثنين من أصدقائه لمساعدته في تناول مفتاح الغرفة و فتح بابها , قد يكونا هم أنفسهم مَنْ أنقذا الشخصية الأولى في الرواية من الموت و نقلاه الى مستشفى الطوارئ .



#فلاح_العيفاري (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القرية المهجورة / قصة قصيرة جداً .
- هموم موظف / قصة قصيرة .
- مصير راتب موظف / قصة قصيرة جدا .
- حين يضحك البؤساء / قصة قصيرة .
- المسحاة / قصة قصيرة .
- العودة الى الطفولة / قصة قصيرة .
- ثرثرة رجل فقد عقله / قصة قصيرة .
- الاختيار / قصة قصيرة .
- هموم وسط الدخان / قصة قصيرة .
- الخوذة العسكرية / قصة قصيرة
- ورود على الرصيف / قصة قصيرة .
- الإلتزام / قصة قصيرة
- الهلوسة / قصة قصيرة
- اللهاث / قصة فصيرة


المزيد.....




- اتفاق مغربي إسرائيلي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- اتفاق إسرائيلي مغربي على تبادل السفراء ورفع مستوى التمثيل ال ...
- إسرائيل تعلن اتفاقا مع المغرب لتعزيز العلاقات ورفع التمثيل إ ...
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - السكين / قصة قصيرة .