أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحولات الحداثة…















المزيد.....

الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحولات الحداثة…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في تاريخ البشرية الطويل ، بقيت الضحكة واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية استعصاءً على الأرشفة والتوثيق ، فالحروب تترك خرائطها ، والإمبراطوريات تخلّف آثارها، والثورات تحفظها السجلات والوثائق ، أما الضحكات فتولد وتمضي في لحظتها ، تاركةً أثرًا لا يُقاس بالمادة بقدر ما يُقاس بالمعنى ، ولهذا تبدو محاولة تتبع تاريخ الضحك أشبه بمحاولة جمع شظايا متناثرة من التجربة الإنسانية؛شظايا تتوزع بين الأساطير والطقوس والرموز والفنون والآداب ، وبين لحظات الانتصار والانكسار ، وبين المآسي الكبرى والتفاصيل اليومية العابرة ، وربما تكمن خصوصية الضحك في كونه إحدى العلامات الفارقة التىّ تكشف فرادة الإنسان في هذا الوجود،فالبشرية ، منذ بدايات وعيها بذاتها ، أدركت أن الكون من حولها مليء بالإشارات والدلالات ، وأن الطبيعة تتحدث بلغاتها الخاصة ، إلا أن الضحك ظل تعبيرًا إنسانيًا خالصًا يرتبط بالوعي والإدراك والقدرة على تأويل العالم ، فالإنسان لا يضحك لأنه سعيد فحسب ، بل لأنه قادر على اكتشاف المفارقة ، ورؤية التناقض ، وإدراك المسافة بين الواقع وما يتوقعه أو يتمناه ، ومن هنا ، لا يمكن النظر إلى الضحك باعتباره مجرد استجابة فسيولوجية أو انعكاسًا عابرًا لمزاج نفسي ، إنه فعل ثقافي ورمزي معقد ، تتداخل في تكوينه عناصر الإدراك واللغة والذاكرة والعاطفة والخيال ، فالضحكة تحمل في داخلها خبرة صاحبها ، وتعكس البيئة الاجتماعية التىّ تشكلت فيها ، كما تكشف أحيانًا عن رؤيته للعالم ولذاته وللآخرين ، ولذلك لا توجد ضحكتان متطابقتان تمامًا ، لأن كل ضحكة هي نتاج سياق مختلف وتجربة مختلفة ووعي مختلف.

ومع ذلك، فإن ما يجمع الضحكات جميعًا هو هشاشتها ، فهي أشبه بلوحة مرسومة على الرمل؛ ما إن تكتمل حتى تبدأ عوامل الزمن بمحوها ، ولعل هذه الهشاشة هي التىّ دفعت الإنسان إلى البحث الدائم عن وسائل إنتاج السعادة وإعادة استحضار الضحك ، سواء عبر الفنون أو الأدب أو الموسيقى أو أشكال الترفيه المختلفة ، فبينما يبدو الحزن جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية ، يظل الضحك حالة يسعى الإنسان إلى استعادتها باستمرار ، وكأنه يدرك في أعماقه أنها لحظة نادرة تستحق المطاردة ، وإذا كان الضحك يمثل استجابة للواقع ، فإنه في كثير من الأحيان يولد من رحم المعاناة نفسها ، فليست كل الضحكات تعبيرًا عن الفرح ، بل إن بعض أكثرها عمقًا تأتي بعد خيبات طويلة أو تجارب قاسية ، هناك ضحكة تنشأ عندما يدرك الإنسان حدود أحلامه ، وأخرى تظهر عندما يتصالح مع أخطائه ، وثالثة تأتي بعد أن يكتشف أن العالم أقل عدالة مما كان يتصور ، ولهذا فإن الضحك ليس نقيض الألم دائمًا ، بل قد يكون إحدى صوره المتحوّلة أو إحدى وسائل تجاوزه .

ومن هذا المنظور ، يمكن فهم التحولات التاريخية التىّ طرأت على صورة الإنسان وتمثيلاته البصرية ، فالابتسامة ، التىّ تكاد تغيب عن معظم الأعمال الفنية في الأزمنة السابقة لعصر النهضة لدرجة أن الصورة الشخصية كانت ممنوعة ، لم تكن مجرد تفصيل جمالي ، بل انعكاسًا لطبيعة الوعي السائد آنذاك ، لقد كان الإنسان الكلاسيكي ينظر إلى العالم باعتباره نظامًا ثابتًا من العلاقات والمراتب والتصنيفات ، حيث تبدو المعرفة محاولة لترتيب الموجودات داخل بنية عقلانية مغلقة ومحددة المعالم ، غير أن الحداثة أحدثت تحولًا جذريًا في هذه الرؤية ، فقد انتقل الإنسان من عالم تحكمه التراتبيات الصلبة واليقينيات الكبرى إلى عالم أكثر سيولة وتعقيدًا ، لم تعد المعرفة مجرد وصف للأشياء، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيلها وفهم القوى الخفية التىّ تحكمها ؛ من التاريخ والاقتصاد والسياسة إلى اللغة والبيولوجيا ، وفي هذا السياق، تغيرت صورة الإنسان عن نفسه، وتغيرت معها أشكال تعبيره وانفعالاته وطرائق حضوره في المجال العام .

ولعل ما يميز الحداثة ليس مجرد تبسيط أنماط العيش أو تغيير أشكال اللباس ، من أزياءٍ كان ارتداؤها وخلعها يستغرقان نصف يوم ، إلى الشورت والجينز ، بقدر ما هو إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم ، فقد أصبح الفرد يتحرك داخل منظومات قانونية ومؤسساتية ومعرفية غير مسبوقة في تاريخ البشرية ، وأصبح أكثر قدرة على التواصل والعمل والإنتاج ضمن فضاء عالمي واسع ، ومع ذلك ، فإن هذا التقدم لم ينهِ أسئلة الإنسان الوجودية ، بل أعاد صياغتها بأشكال جديدة ، فالقلق الذي كان يسكن إنسان الأمس لم يختفِ ، وإنما ارتدى لغة مختلفة تناسب عصرًا مختلفًا ، وعلى الرغم من كل ما حققته الحداثة من تحولات ، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل الإنسان وصورته المقبلة ، فإذا كانت الصور الفوتوغرافية واللوحات الفنية قد حفظت لنا بعض الضحكات والابتسامات ، فإنها لم تستطع حفظ المعاني الكامنة خلفها كاملة ، ومع تسارع التحولات التقنية والثقافية ، يبدو أن البشرية تقف أمام مرحلة جديدة قد تعيد تعريف مفاهيم الوعي والهوية والتواصل ذاتها .

وعليه ، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الضحكات ستبقى أو تزول ، بل بما إذا كانت دلالاتها ستظل هي نفسها ، فكما تغيرت الضحكة من عصر إلى آخر ، ومن ثقافة إلى أخرى ، قد تشهد الأجيال القادمة أشكالًا جديدة من التعبير الإنساني لم نختبرها بعد ، وربما يكون مستقبل الضحك مرآةً لمستقبل الإنسان ذاته ؛ ذلك الكائن الذي لم يتوقف يومًا عن إعادة اكتشاف نفسه وإعادة تأويل العالم من حوله .

ولعل ابتسامة الموناليزا ، التىّ ما زالت تحيّر العالم منذ أكثر من خمسة قرون ، تقدم نموذجًا بليغًا لهذه الفكرة ، فهذه الابتسامة لم تبقَ حية بسبب جمالها الفني فحسب ، بل لأنها تحولت إلى سؤال مفتوح على التأويل ، وبينما اندثرت آلاف الضحكات التىّ عاشت في زمنها ، بقيت تلك الابتسامة شاهدة على حقيقة جوهرية : أن بعض الضحكات قد تتجاوز أصحابها وزمانها ، فتغدو رمزًا ثقافيًا خالدًا يعبر الأجيال ويقاوم النسيان ، وتبقى معلّقة بين التاريخ والخيال بوصفها أثرًا إنسانيًا يتجاوز حدود اللحظة التىّ وُلد فيها ، وفي بقائها هذا ، تواصل إثارة الأسئلة ذاتها كلما تبدّلت الأزمنة وتغيّرت الوجوه ، مذكّرةً بأن الإنسان ، على الرغم من كل ما حققه من تحولات معرفية وتقنية وحضارية ، لم يتوقف يومًا عن البحث عن المعنى الكامن خلف ابتسامة عابرة أو ضحكة قصيرة سرعان ما يطويها الزمن …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...


المزيد.....




- -إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق لإنهاء الحرب-.. ماذا قال ترا ...
- لوبان تعلن نيتها تعيين جوردان بارديلا رئيسا للوزراء إذا انتخ ...
- أعضاء بمجلس الشيوخ يطلبون معلومات عن مقترح ترامب النووي مع ا ...
- لوبان: فرنسا لا تستطيع مواصلة تمويل أوكرانيا في وضعها المالي ...
- مصادر تكشف تفاصيل الاجتماع بين الأمريكيين والحوثيين في مسقط ...
- المغرب وإسرائيل يتفقان على -فتح سفارات وتبادل سفراء- والخارج ...
- انطلاق فعاليات الفوج الثاني من معسكر صندوق مكافحة وعلاج الإد ...
- الاحتياطي الفدرالي يرفع الفائدة لأول مرة منذ ثلاث سنوات وترا ...
- من عام 2006 إلى 2026.. هل تعيد الصناديق شرعية القرار الفلسطي ...
- في تصريح لـCNN.. عبدالرحمن السيد يرد على دعوة نائب ترامب للج ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحولات الحداثة…