أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - الزبائنية وشيطنة الاشتراكية














المزيد.....

الزبائنية وشيطنة الاشتراكية


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 18:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في العراق تبرز إشكالية العقل السياسي العراقي وعلاقته الملتبسة بالمفاهيم، فحين تحدث رئيس الحكومة عن ضرورة الخروج من "الاقتصاد الاشتراكي" والدخول إلى "اقتصاد السوق"، تولد انطباع بأن ثمة مغالطة، وقطيعة معرفية بين لغة المؤتمرات الصحفية والواقع المعاش.

منذ تأسيس الدولة العراقية، لم تعرف هذه البلاد المذهب الاشتراكي بشقه التطبيقي، حيث يتم تأميم القطاعات السيادية كالصحة والتعليم والإسكان والطاقة، وتُدار بإشراف الدولة ضماناً لمنع الاحتكار وتكريسا لروح التضامن والتكافل ولجم التفاوت الطبقي.

كل ما جرى قبل عام 2003 لم يتجاوز كونه شعارات تعبوية، يراد منها تلميع صورة أنظمة شمولية تدّعي الدفاع عن الشرائح المهمشة فيما تمعن في إفقارها وسحق كرامتها. الاشتراكية التي تحدثوا عنها لم تكن سوى رداء خطابي يرتديه الحاكم، ثم يخلعه فور عودته إلى القصر، حيث الصفقات والارتزاق.

بعد الاحتلال 2003، تبدد حتى ذلك الرداء، لتحل محله هوية اقتصادية هجينة مشوهة، زبائنية ريعية، قوامها التخادم بين نخب حاكمة تنهب الريع النفطي وتتقاسمه في غرف مغلقة، الحالة التي يسميها علم الاقتصاد السياسي "كليبتوقراطية"، أي سلطة النهب.

في الجهة المقابلة نسمع "اقتصاد السوق" كما لو كان وصفة خلاص. غير أن التأمل في نشأة الرأسمالية الغربية يكشف أنها لم تهبط من السماء، بل خرجت من رحم سيرورة حضارية – صناعية طويلة، تشابكت فيها مصالح طبقات النبلاء مع ضرورات الإمبراطوريات التي افتقرت إلى النفط والغاز، فاعتمدت الإنتاج أولاً، والتصدير ثانياً، وفتح الأسواق بالقوة ثالثاً. وهذه السيرورة لم تكن بريئة، فشعار "السوق الحرة" كان دائماً مقروناً بشرط غير معلن وهو أن تكون الحرية حكرا لدى الغرب. والدليل المعاصر هو ذلك الانقلاب العلني لأصحاب المذهب على مبادئهم، لحظة دخول الصين كمنافس استراتيجي يهدد هيمنتهم. فالسوق الحرة ليست مبدأً كونياً بقدر ما هي أداة للهيمنة لخدمة المصالح، ويتم التخلي عنها متى تحولت إلى سلاح بيد الخصم.

إن الأنظمة الاقتصادية ليست "معلبات" يمكن استيرادها، فهي أشبه بكائنات حية تولد من تفاعلات التاريخ والخصوصيات الثقافية وموازين القوى الاجتماعية.

فالعراق ليس بحاجة إلى لافتة كبرى تعلق على واجهة الدولة، حاجته الفعلية استعادة المليارات المنهوبة والمهربة إلى الخارج. حاجته إلى وقف نزيف الثروة المتدفق من شرايين النفط إلى جيوب حيتان الفساد. حاجته إلى نظام يمنع أن تكون السياسة باباً للارتزاق والغنى الفاحش على حساب ملايين لا تجد مأوى ولا ماء ولا كهرباء، فيما تعج البلاد بمدارس ومستشفيات ومصارف أهلية، وتلتهم الشركات الأجنبية عقود الطاقة التهاماً.

إن ما يحكم العراق اليوم، وبكل صراحة، ليس اشتراكية تحمي الفقراء ولا رأسمالية تخلق سوقاً تنافسية. إنه نظام يمكن توصيفه بدقة بكلمة من تراثنا الشعبي "فرهود". كلمة تختزن معاني الفوضى والنهب والتدافع غير المنضبط على الغنيمة، حيث تختلط الأوراق ويستطيع كل ذي نفوذ أن يغرف من البحر قبل أن يصل إلى الشاطئ. في "الفرهود" لا قواعد اشتراكية تضبط التوزيع، ولا آليات سوقية تضمن الكفاءة، وإنما شبكة مصالح هائلة تبتلع كل شيء، تاركة وراءها مصطلحات جوفاء، ووعوداً انتخابية طواها النسيان، وتصريحات تحمل بين ثناياها اعترافاً ضمنيا بضياع البلد.



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العيد وعقدة البرمودا
- المشهد من قمة بكين
- صلاة الرئيس
- من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي
- إعلام ساخن وجمهور بارد
- أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة


المزيد.....




- بيل غيتس: إبستين أراد علاقة شخصية معي .. لكنني -لم أبادله هذ ...
- إيران تفرض قواعد لعب جديدة على إسرائيل
- أنشطة الاستخبارات الإسرائيلية باتت عائقًا أمام أمريكا
- ترامب يحوّل أمريكا إلى فزّاعة لا تخيف
- أوكرانيا تلغي التزاماتها تجاه ترامب
- ضربة مزدوجة: تصعيد في لبنان لتأجيج الصراع مع إيران
- الاتحاد الأوروبي يتبنى سياسة ترامب المتشددة في مجال الهجرة
- تلسكوب يُظهر تفكك سحابة ماجلان الصغرى وابتلاعها من قبل مجرة ...
- -جواز سفر رقمي- لكل طائرة.. تطوير أول نظام روسي ذكي لإدارة د ...
- Tecno تعلن عن هاتفها الجديد


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - الزبائنية وشيطنة الاشتراكية