|
|
بانتظار عزرائيل
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:05
المحور:
الادب والفن
1/ لماذا لا يفتحون الحدود؟
منذ دخلت عامي السابعة والستين، صرت أشتري خبزًا أكثر مما أحتاج، الرغيف الإضافي يبقى يومين أو ثلاثة حتى يقسو، ثم اقسمه الى قطع صغيرة واضعه أسفل الشجرة في الشارع للعصافير ، كنت أمارس الأمر بحزن خفيف لا يليق برغيف خبز ، لكني كنت افعل ذلك عمدًا، فقط كي يبدو الأمر وكأن هناك شخصًا آخر سيأكل معي لاحقًا. في المساء، أفتح التلفاز على قناة إخبارية لا أهتم بها أصلًا.المذيع يتحدث عن الابادة في غزة ،بينما انا احاول فتح علبة دواء التهاب المفاصل يسقط الشريط البلاستيكي من يدي مرتين في المرة الثالثة أضحك وحدي ضحكة قصيرة، متعبة،خرجت كأنها اعتذار. ثم أقول بصوت مسموع، فقط لأسمع صوتًا بشريًا داخل البيت: لماذا لا يفتحون الحدود؟. التلفاز يواصل الكلام، الثلاجة تطن ، والبيت الصغير يبدو كأنه ينتظر موته أكثر مني.
2/ أحمر شفاه
جارتي التي تجاوزت السبعين كانت تضع أحمر شفاه خفيفًا كل صباح، رغم أنها لا تخرج غالبًا. حين سألتها صباحا حين التقينا على مدخل البناية: " لمَن تتزينين:؟. ضحكت وقالت:: يمكن للمسعفين إذا مت فجأة".قالتها كمزحة، لكن الصمت الذي تلاها كان طويلًا بشكل سيئ، كانت تجلس دوما قرب النافذة تراقب الجيران ،شاب يركض متأخرًا إلى عمله أم تصرخ على طفلها رجل يوصل الطعام ويبدو مرهقًا. الحياة تمشي بسرعة مهينة، كأنها لا تلاحظ الذين خرجوا منها تدريجيًا.قبل النوم، ترتب شعرها أمام المرآة، ثم تحدق قليلًا في وجهها ليس خوفًا من التجاعيد.كان رعبها من فكرة أن هذا الوجه قد يختفي يومًا، دون أن ينتبه أحد لاختفائه.
3/المنقذ !
اشتريت ساعة ذكية بعد جلطة خفيفة ،البائع في المتجر شرح لي بحماس:" إذا سقطت فجأة، الساعة ترسل تنبيهًا للطوارئ.هززت رأسي بإعجاب طفولي.في البيت اكتشفت المشكلة الصغيرة:"لا يوجد اسم أضعه ضمن “جهات الاتصال للطوارئ.” بقيت ساعة كاملة أحدق في الشاشة الفارغة.فكرت في ابنتي التي تعيش في كندا ، وتبعث لي صورة الأحفاد كل عيد.فكرت بأخي الذي لم أكلمه منذ خلاف سخيف على رأي قديم، حتى الجيران لا أعرف أسماءهم كاملة. في النهاية كتبت رقم هاتفي القديم ،ضحكت بعدها طويلًا حتى دمعت عيناي.لقد وصلت الوحدة الى مرحلة جعلتني ا٦ضع نفسي كخطة إنقاذ لنفسي.
4/صمت
بت منذ عدة أشهر أطيل الحديث مع عامل البقالة، اسأله عن الطقس ، عن أسعار الجبن ، عن مباراة لم أشاهدها أصلًا. العامل يجيب بأدب متوتر لأنه يعرف اي نوع من الزبائن انا (الذين لا يشترون الحليب فقط، بل يشترون خمس دقائق من الاعتراف بوجودهم). في إحدى الليالي، سألت العامل بلا انتباه:"كيف حال العائلة"؟.توقف الرجل قليلًا، ثم قال وهو يعدّ النقود المعدنية ببطء:" أعتقد أنهم بخير، على افتراض أنهم ما زالوا يتذكرونني أصلًا".حتى ماكينة الدفع صمتت لحظة، يا للهول لم أجد نكتة مناسبة لإنقاذ المشهد.
5/خوف آخر
المرأة التي تعيش وحدها منذ وفاة زوجها، بدأت تترك أبواب الغرف مفتوحة،غرفة النوم، المطبخ،حتى الحمام أحيانًا. كانت تقول لنفسها إن البيت المغلق بالكامل يشبه القبر أكثر مما ينبغي ، في الليل تسمع أصواتًا صغيرة:أنابيب المياه، حركة الخشب، صوت المصعد البعيد. العقل بعد الستين يصبح كاتب رعب رخيصًا، كل صوت مشروع شبح ، ومع ذلك، أكثر ما كان يخيفها ليس الأشباح إنما أن تموت فعلًا ويبقى التلفاز يعمل أيامًا دون أن ينتبه أحد لموتها.
6/رسالة من زمن ماض
احتفظ بجهاز الرد الآلي القديم رغم أن الجميع يستخدم الهاتف الذكي الآن. كنت احب الضوء الأحمر الصغير حين يومض مرة كل أسبوع تقريبًا، أسمع رسالة آلية من شركة اتصالات، أو عرضًا من بنك، أو تسجيلًا خاطئًا لشخص يبحث عن مطعم. ومع ذلك، كنت أعيد تشغيل الرسائل أحيانًا، كنت اشعر ان الصوت البشري، حتى لو كان يبيع اشتراك إنترنت، يبقى أقل قسوة من الصمت.في إحدى الليالي، سجّلت رسالة لنفسي دون سبب واضح:" إذا سمعت هذا لاحقًا… فأنت ما زلت موجودًا على الأقل" ، ثم شعرت بالخجل من نفسي ومسحتها فورًا.
7/فوضى صغيرة
في الشتاء الأخير ، سقطت داخل الحمام لم تكن سقطة درامية ،لا موسيقى، لا ذكريات سريعة عن الطفولة.مجرد ركبة ارتطمت بالأرض، وألم حاد، وبرد البلاط يتسلل إلى عظامي.ظللت مستلقيًا عشر دقائق أحاول الوصول إلى الهاتف، أول فكرة خطرت لي لم تكن الموت بحد ذاته لكن ان طريقة موتي سخيفة هكذا.”بعدها مباشرة شعرت بالرعب الحقيقي،ليس من الموت نفسه، انما احتمال أن أظل هناك لساعات طويلة دون أن يفتقدني أحد بما يكفي للاتصال، حين نهضت أخيرًا، جلست على حافة السرير ألهث ثم رتّبت الغطاء بعناية غريبة، كأن النظام البسيط للأشياء قد يؤجل الفوضى الكبرى قليلًا.
8/كرامة ميت
الأرملة ذات السادسة والسبعين تتحدث مع صورة زوجها كل صباح ، ليس بطريقة رومانسية كما في الأفلام البائسة لكن بطريقة يومية جدًا:تشكو من سعر الدواء، ومن ألم كتفها، ومن المذيعة السخيفة في برنامج الطبخ ، أحيانًا تتوقف فجأة في منتصف الكلام ، تتذكر أن الصورة لن تجيب. الأسوأ من الجنون البسيط أحيانًا هو الصمت الكامل، لذلك تكمل الحديث رغم ذلك.في المساء، تضع الصورة مستقيمة إذا مالت قليلًا.كأنها ما زالت تحاول حفظ كرامة رجل مات منذ عشر سنوات.
9/ صديقي الذي كان مديرًا صارمًا في شركة كبيرة، صار يقضي نصف يومه يراقب الحمام من الشرفة ، يعرف الحمامة الرمادية التي تأتي عند العصر، ويعرف القطة السوداء التي تسرق بقايا الطعام، في أحد الأيام قال لنفسه:" مذهل قضيت حياتي أركض خلف الإجتماعات، والآن أنتظر طائرًا حتى يزورني" ، ثم شعر بإهانة خفيفة لأن الطائر تأخر فعلًا ذلك اليوم. في عمرنا باتت الوحدة تجعل الكائنات الصغيرة تبدو كأنها علاقات عميقة.
10/ بروفة للقبر
قبل النوم، كانت المرأة تترك الراديو يعمل بصوت منخفض جدًا ، موسيقى قديمة، إعلانات مكررة مذيع ليلي يتحدث بحنان مصطنع للمستمعين المجهولين.كانت تعرف أن الأصوات لا تمنع الموت، ولا تمنع الشيخوخة ، ولا تعيد أحدًا ، لكن الصمت التام بعد منتصف الليل يبدو أحيانًا كأنه بروفة للقبر.وفي كل مرة تغفو على صوت الراديو، كانت تشعر بشيء متناقض ومهين قليلًا: امتنان عميق لاختراع تافه يبث ضوضاء بشرية كي لا يموت الناس وحدهم بالكامل.
*من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها
#عماد_أبو_حطب (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انتظار لا نهاية له
-
حين تبلع الديستوبيا اليوتيوبيا
-
يافا تفتقد ظلال ساكنيها
-
الرايات تذكرني الرحلة :لم تنته بعد
-
نهاية مناضل سابق واحلام موؤدة
-
دانتي يترحم عل جحيمه
-
حديقة الحيوان نسخة 2046
-
ذاكرة الأضحى في البلاد
-
حلوين من يومنا والله
-
حلم ضائع:انقاذ البشرية
-
نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح
-
لماذا لا يفتحون الحدود
-
كذبة الكتابةالبوليفونية
-
دوامة الكاتب والناشر
-
human in the loop
-
الكون الاحدب
-
دارون عام 2050
-
راوي يكتب من فوق كنبةمريحة
-
نكبه ميتاسردية
-
حياتك: كم ⭐⭐☆☆☆”؟*
المزيد.....
-
إنجاز مصري أبهر الإمارات.. ومحمد بن راشد يكشف تفاصيله
-
الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الأول.. حلفاء -لا يمكن تصوره
...
-
تاريخ البولشوي في إيطاليا.. البيت الروسي بروما يستضيف إرث ال
...
-
في شارع المتنبي.. دكان المليون قلم يحفظ هوية الخط العربي
-
متحف بوشكين يحتفي بالانطباعية.. جولة ثقافية كبرى في أربع مدن
...
-
مناصفة مع ممثلة مغربية.. نيللي كريم تفوز بجائزة في مهرجان -ا
...
-
رفضت كلمة -تابت-.. آثار الحكيم تتحدث عن اعتزالها وتنتقد فيلم
...
-
سيمونيان تُطلق كتابها -ليس الحب الأول- وتوظف الذكاء الاصطناع
...
-
جراحة عاجلة لإنقاذ فنان مصري بعد حادث مروع
-
-الباشا الأحمر- السعودي في مسرح فاختانغوف الروسي
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|