أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - السجن الذي عاد معنا














المزيد.....

السجن الذي عاد معنا


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


كان اسمه جلال.

في الحيّ، كانوا ينادونه دائماً: "الأستاذ جلال". ليس لأنه كان أستاذاً فعلاً، بل لأن سنوات السجن الطويلة منحت صوته نوعاً من الوقار الحزين الذي يجعل الناس يخفضون أصواتهم أمامه.

قضى اثني عشر عاماً في المعتقلات.

خرج أواخر الأربعينات من عمره، أصلع جزئياً، نحيلاً بصورة مقلقة، بعينين متعبتين وابتسامة صغيرة لا تكتمل أبداً. وحين عاد، استقبله الجميع كبطل. الأصدقاء القدامى، الصحفيون، نشطاء حقوق الإنسان، حتى الجيران الذين كانوا يخافون السلام عليه سابقاً صاروا يتحدثون عنه بإعجاب.

كان يتحدث جيداً عن الحرية، بل جيداً جداً.

في الندوات والمقاهي الثقافية، كان يقول جملاً مؤثرة عن الكرامة الإنسانية، عن مساراة المرأة مع الرجل، وعن ضرورة بناء دولة لا يُهان فيها البشر، وعن الاستبداد الذي يحطم الروح قبل الجسد.

وكان الناس يصفقون.
أما زوجته، ليلى، فكانت تصفق أحياناً معهم. ثم تعود إلى البيت بصمت.

تزوجها بعد خروجه بعامين. كانت أصغر منه بخمسة عشر عاماً، تعمل مدرسة موسيقى، هادئة، حساسة، وتملك ذلك النوع من التعاطف الذي يدفع بعض النساء إلى حب الرجال المكسورين ظناً أن الحب سيشفيهم.

في البداية، بدا جلال ممتناً للحياة.
كان يستيقظ مذعوراً من الكوابيس أحياناً، نعم. وكان يكره الأصوات العالية. ويرتب الأشياء بدقة مرضية. ويغضب إذا لمس أحد كتبه.
لكن ليلى كانت تفسر كل ذلك على أنه "أثر السجن اللئيم".

ثم بدأ شيء آخر يظهر بالتدريج. شيء أكثر قتامة.
في السنة الأولى، صرخ عليها لأول مرة لأنها عادت متأخرة نصف ساعة.
تفاجأت ليلى.
ثم اعتذر فوراً. حتى أنه قد بكى. وقال إن السجن دمّر أعصابه.
فسامحته.

في المرة الثانية، أمسك ذراعها بعنف لأنها قاطعت حديثه أمام ضيوف.
قال لاحقاً إنه شعر بالإهانة.
سامحته ليلى أيضاً.

بعد ذلك، صار الغضب يتكرر بصورة منتظمة.
أشياء صغيرة جداً كانت تستفزه: صوت التلفاز مثلاً، تغيير مكان كرسي، رأي سياسي لا يعجبه، أو مجرد شعوره بأنها لا تمنحه الاهتمام الكافي.
وفي كل مرة، كان هناك تفسير جاهز: السجن يا ليلى، القهر يا ليلى، الذكريات يا ليلى، التعذيب يا ليلى، الخذلان يا ليلى ...

شيئًا فشيئاً، بدأت ليلى تشعر أنها تعيش مع رجلين: المناضل النبيل الذي يتحدث عن الحرية أمام الناس، وشخص آخر داخل البيت، بارد، متوتر، يمارس السيطرة كأنها غريزة.

في إحدى الليالي، عاد "الأستاذ جلال" من ندوة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كان الحاضرون قد وقفوا وصفقوا له طويلاً.
أحد الصحفيين وصفه في مقال بأنه: "ضمير جيل كامل".
دخل البيت متعباً. وجد ليلى تشاهد فيلماً قديماً وتضحك وحدها.
توقف فجأة عند الباب. وسأل ببرود: لماذا لم تنتظريني؟
لم تفهم سؤاله: ماذا؟ ماذا تعني؟
قلت لماذا لم تنتظريني؟
ابتسمت ليلى بخفة: لم أكن أعرف متى ستعود.

لكنه ظل واقفاً ينظر إليها بطريقة جعلتها تشعر بالخطر فوراً.
قال: كنت أتحدث أمام مئتي شخص عن الحرية… وأعود فلا أجد زوجتي حتى مهتمة.
شعرت ليلى بالاختناق. قالت بهدوء: جلال… أنا زوجتك، لست جمهورك.
وفجأة رمى مفاتيحه بعنف على الحائط.

ارتجفت. أما هو، فبدا كأنه تفاجأ بنفسه للحظة. ثم اقترب منها وقال بصوت منخفض ومرعب: لا ترفعي صوتك عليّ أيتها الخبيثة.

كانت تتحدث بهدوء أصلاً. لكنه لم يكن يسمعها فعلاً. كان يسمع شيئاً آخر داخل رأسه. شيئًا تشكل خلال سنوات السجن الطويلة: كان يسمع نداء الحاجة المطلقة للسيطرة حتى لا يشعر بالعجز مجدداً .

لاحقاً، فهمت ليلى أمراً مرعباً: بعض السجناء السابقين لا يخرجون من السجن حقاً. هم فقط ينقلون السجن إلى بيوتهم. القوانين نفسها: الصمت، الخوف، الحذر، المزاج المتقلب، والسلطة المطلقة لرجل جريح يخاف من ضعفه أكثر مما يخاف من العالم.

وفي إحدى الليالي، بعد شجار طويل، صرخ جلال بوجهها: أنتِ لا تعرفين ماذا فعلوا بنا!
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت الجملة التي ستبقى تطارده سنوات:
صحيح…
لكنك
بدأت
تفعل
الشيء نفسه
بالآخرين.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين عادوا إلى القبيلة
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 3 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 2 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 1
- البروفيسور في وقت فراغه


المزيد.....




- إنجاز مصري أبهر الإمارات.. ومحمد بن راشد يكشف تفاصيله
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الأول.. حلفاء -لا يمكن تصوره ...
- تاريخ البولشوي في إيطاليا.. البيت الروسي بروما يستضيف إرث ال ...
- في شارع المتنبي.. دكان المليون قلم يحفظ هوية الخط العربي
- متحف بوشكين يحتفي بالانطباعية.. جولة ثقافية كبرى في أربع مدن ...
- مناصفة مع ممثلة مغربية.. نيللي كريم تفوز بجائزة في مهرجان -ا ...
- رفضت كلمة -تابت-.. آثار الحكيم تتحدث عن اعتزالها وتنتقد فيلم ...
- سيمونيان تُطلق كتابها -ليس الحب الأول- وتوظف الذكاء الاصطناع ...
- جراحة عاجلة لإنقاذ فنان مصري بعد حادث مروع
- -الباشا الأحمر- السعودي في مسرح فاختانغوف الروسي


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - السجن الذي عاد معنا