|
|
من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة القدم في عصر المصالح…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 10:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ على نحوٍ بدا أكثر وضوحًا هذه المرة ، وعلى مرأى من الجميع ، لم تعد الصراعات داخل كرة القدم تُدار خلف الأبواب المغلقة كما كان يحدث في السابق ، بل أصبحت تُمارس بصورة مباشرة تكشف حجم المصالح المتحكمة في هذه الصناعة العملاقة ، فحين يكون المستهدف نجمًا بحجم وتاريخ محمد صلاح ، فإن الأمر يتجاوز حدود الخيارات الفنية أو الحسابات التكتيكية ، ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة المنظومة التىّ باتت تحكم كرة القدم الحديثة ، وهي منظومة يغلب عليها منطق الربح والمصلحة أكثر مما تحكمها قيم الوفاء أو الاعتراف بالجميل ، ومن على ملعب “إيلاند رود” (Elland Road)، معقل نادي ليدز يونايتد الإنجليزي ، وفي أجواء باردة وأمام ما يقارب الـ50 ألف متفرج ، شهدت مباراة ليفربول وليدز ، التىّ انتهت بتعادل مثير بثلاثة أهداف لكل فريق ، مشهدًا لم يكن متوقعًا ، فمحمد صلاح ، المعروف بهدوئه وقلة تصريحاته الإعلامية ، لم يغادر مباشرة إلى غرفة الملابس كما اعتاد، بل توقف أمام وسائل الإعلام البريطانية بعد جلوسه للمباراة الثالثة على التوالي خارج التشكيلة الأساسية ، هناك ، تحدث بنبرة امتزجت فيها المرارة بخيبة الأمل ، قائلاً إن نادي ليفربول “ألقى به تحت الحافلة”، في تعبير لم يكن مجرد انفعال عابر أو شكوى آنية ، بل بدا أقرب إلى إعلان أزمة عميقة بين اللاعب ومدربه الهولندي أرني سلوت ، ولم يخفِ صلاح في حديثه حجم التوتر الذي يعتري العلاقة بين الطرفين ، واصفًا إياها بأنها تكاد تكون معدومة .
لكن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي يعيشه النادي ، فليفربول لم يتراجع فجأة بسبب قرار فني أو نتيجة عابرة ، بل يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة بدأت منذ رحيل عدد من الأسماء المؤثرة ، وتفاقمت بعد الأحداث المؤلمة التىّ شهدها النادي في السنوات الأخيرة ، بل إن الضربة القاضية جاءت العام الماضي ، عندما تُوفي مهاجم ليفربول ومنتخب البرتغال ، ديوغو جوتا ، عن عمر ناهز 28 عامًا إثر حادث سير مأساوي في إسبانيا ، وفي خضم هذه التحولات ، وجد محمد صلاح نفسه ينتقل تدريجيًا من موقع الرمز الأول إلى لاعب يُنظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع قابل للتغيير والاستبدال ، وهذا التحول أثار غضب قطاع واسع من جماهير ليفربول ، التىّ ترى في صلاح أحد أعظم اللاعبين الذين ارتدوا قميص النادي عبر تاريخه ، كما أعاد إلى الأذهان حالات مشابهة شهدتها كرة القدم الأوروبية ، حين اصطدمت النجوم الكبرى بإدارات الأندية الساعية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والفنية ، كما حدث مع كريستيانو رونالدو وغيره من الأسماء اللامعة ، ومن هنا يمكن فهم دوافع تصريح صلاح ؛ إذ بدا وكأنه استشعر وجود مسار يُراد له أن ينتهي بخروجه من النادي بطريقة تجعله هو صاحب قرار الرحيل ، لا الإدارة ، وهي استراتيجية ليست جديدة في عالم كرة القدم ، حيث تلجأ بعض الأندية إلى تقليص أدوار نجومها تدريجيًا لدفعهم إلى طلب المغادرة بأنفسهم ، وبذلك تتجنب الإدارات اتهامات الجماهير بأنها تخلت عن أساطيرها التاريخية .
وقد أحدث تصريح صلاح انقسامًا واضحًا داخل الأوساط الجماهيرية والإعلامية والإدارية ، ففي الوقت الذي تعاطف فيه كثيرون مع اللاعب ، رأى آخرون أن المؤسسة تبقى أكبر من أي فرد مهما بلغت قيمته الفنية أو شعبيته ، وقد تجلى ذلك بوضوح عندما هتفت جماهير ليفربول لمدربها أرني سلوت بعد إحدى المباريات الأوروبية وتحديداً في ميلانو ، مؤكدة دعمها لمشروع النادي حتى وإن كان ذلك على حساب اللاعب الأكثر شعبية في الفريق ، غير أن هذه الواقعية الجماهيرية قد تحمل في طياتها قراءة ناقصة للمشهد ، فالتاريخ الرياضي يثبت أن بعض اللاعبين يتجاوزون حدود الأرقام والإحصائيات ليصبحوا جزءًا من هوية النادي ورموزه الثقافية ، الأمر الذي يجعل التعامل معهم بمنطق الحسابات الباردة وحدها قرارًا قد تكون له انعكاسات طويلة المدى .
في جوهر المسألة ، تكشف أزمة صلاح عن حقيقة باتت أكثر حضورًا في كرة القدم المعاصرة : لم تعد الأندية الكبرى تُدار بمنطق الانتماء العاطفي ، بل بمنطق الشركات العابرة للحدود ، فالتخلص من راتب مرتفع ، وتحقيق عائد مالي ضخم من صفقة انتقال محتملة ، قد يكونان عاملين أكثر تأثيرًا من الاعتبارات الرمزية أو التاريخية ، وفي ظل الاهتمام الكبير من أندية الدوري السعودي بالحصول على خدمات النجم المصري ، تبدو الحسابات الاقتصادية حاضرة بقوة في خلفية المشهد ، لكن قصة صلاح ليست سوى نموذج مصغر لتحولات أكبر تشهدها كرة القدم العالمية ، فاللعبة التىّ بدأت كمساحة للتنافس الرياضي تحولت اليوم إلى صناعة اقتصادية تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات ، وأصبحت القرارات فيها ترتبط بمراكز النفوذ والاستثمار أكثر مما ترتبط بالمشاعر والانتماءات التقليدية .
وفي هذا السياق ، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مجموعة من التعديلات الجديدة على قوانين اللعبة ، تمهيدًا لتطبيقها في كأس العالم 2026 ، بهدف الحد من إهدار الوقت ورفع نسق المباريات ، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه البطولة المقبلة لا يتعلق بالقوانين داخل الملعب، بل بالبيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بها ، فالولايات المتحدة ، التىّ تستضيف المونديال بالشراكة مع كندا والمكسيك ، تواجه تحديًا حقيقيًا يتعلق بإجراءات منح التأشيرات ، وقد أثارت هذه المسألة تساؤلات واسعة حول قدرة المشجعين من مختلف دول العالم على الوصول إلى البطولة بسهولة كما جرت العادة في النسخ السابقة ، ورغم اتخاذ بعض الإجراءات الاستثنائية لتسريع منح التأشيرات ، فإن كثيرًا من المراقبين يرون أن هذه الخطوات جاءت متأخرة نسبيًا ، ما قد يؤثر في حجم الحضور الدولي المتوقع .
ومع ذلك ، فإن التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن البطولة ستظل قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد الرياضي العالمي بصورة كبيرة ، مع توقعات بمساهمات اقتصادية ضخمة على مستوى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي أصبحت تمارسه كرة القدم بوصفها قطاعًا اقتصاديًا عالميًا متكاملًا.
وفي المحصلة ، تبدو العلاقة المتوترة بين محمد صلاح وليفربول صورة مصغرة للتحديات التىّ تواجه كرة القدم الحديثة بأكملها ، فكما أصبحت الأندية أسيرة لحسابات الربح والخسارة ، أصبحت البطولات الكبرى أيضًا رهينة لمعادلات السياسة والاقتصاد والهجرة والاستثمار ، لقد تجاوزت كرة القدم منذ زمن حدود المستطيل الأخضر ، وأصبحت مرآة تعكس طبيعة العالم المعاصر بكل تناقضاته ، صحيح أن شغف الجماهير سيبقى الضمانة الأساسية لاستمرار اللعبة ، لكن النجاح الحقيقي لم يعد يقاس بعدد الأهداف أو الألقاب فحسب ، بل بقدرة المؤسسات الرياضية على تحقيق التوازن بين الربحية الاقتصادية والقيم الإنسانية التىّ منحت هذه اللعبة مكانتها الاستثنائية في وجدان الشعوب.
وفي النهاية ، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الجماهير تصنع الأساطير ، لكن القرار النهائي في كرة القدم الحديثة غالبًا ما يبقى بيد أصحاب رؤوس الأموال والنفوذ المالي ، فقضية محمد صلاح، كما رهانات مونديال 2026، تؤكد أن اللعبة تجاوزت حدود الملاعب ، لتصبح صناعة عالمية تحكمها المصالح بقدر ما يحركها الشغف ، وبين عشق الجماهير وحسابات الإدارات ، يبقى السؤال مفتوحًا : من يملك حقًا مصير الأساطير …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
-
بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن
...
-
قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ
...
-
الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول
...
-
الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات
...
-
جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف
...
-
الخجل🙈في زمن الانهيار …
-
حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا
...
-
جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز
...
-
الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل
...
-
بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية
...
-
السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ
...
-
النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر
...
-
الشكّ🙆♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين
...
-
خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف
...
-
الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا
...
-
أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من
...
-
الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱
...
-
بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي
...
-
من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي
...
المزيد.....
-
-إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق لإنهاء الحرب-.. ماذا قال ترا
...
-
لوبان تعلن نيتها تعيين جوردان بارديلا رئيسا للوزراء إذا انتخ
...
-
أعضاء بمجلس الشيوخ يطلبون معلومات عن مقترح ترامب النووي مع ا
...
-
لوبان: فرنسا لا تستطيع مواصلة تمويل أوكرانيا في وضعها المالي
...
-
مصادر تكشف تفاصيل الاجتماع بين الأمريكيين والحوثيين في مسقط
...
-
المغرب وإسرائيل يتفقان على -فتح سفارات وتبادل سفراء- والخارج
...
-
انطلاق فعاليات الفوج الثاني من معسكر صندوق مكافحة وعلاج الإد
...
-
الاحتياطي الفدرالي يرفع الفائدة لأول مرة منذ ثلاث سنوات وترا
...
-
من عام 2006 إلى 2026.. هل تعيد الصناديق شرعية القرار الفلسطي
...
-
في تصريح لـCNN.. عبدالرحمن السيد يرد على دعوة نائب ترامب للج
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|