أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»














المزيد.....

«جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 12:02
المحور: قضايا ثقافية
    


في الفلسفة القديمة كان السؤال الأكثر وجعاً ليس: كيف تسقط الأمم؟ بل: كيف تنسى الأمم أبناءها؟ لأن السقوط حادثة، أما النسيان فهو عقيدة كاملة تُبنى حجراً فوق حجر حتى يصبح الجحود مؤسسة، ويغدو الوفاء تهمة، ويصبح التاريخ قفص اتهام لمن صنعوه بأيديهم.وفي العراق، تبدو مأساة متقاعدي الجيش السابق وكأنها واحدة من أكثر المآسي قسوةً في تاريخ الدولة الحديثة؛ فهؤلاء الذين ارتدوا البدلات العسكرية عشرات السنين، وحملوا السلاح دفاعاً عن حدود البلاد ومياهها وسمائها، وجدوا أنفسهم بعد تبدل الأنظمة وكأنهم انتقلوا من خدمة الوطن إلى قفص الاتهام، ومن موقع الحارس إلى موقع المتهم، ومن ذاكرة الدولة إلى هامشها المنسي.إن الأمم العظيمة تختلف سياسياً مع أنظمتها السابقة، لكنها لا تعلن الحرب على جيوشها. فالجيش ليس حزباً، وليس جمعية فكرية، وليس تياراً سياسياً، بل مؤسسة وطنية تضم أبناء البلاد بمختلف اتجاهاتهم ومعتقداتهم ومناطقهم. وحين تتحول الخصومة مع النظام إلى خصومة مع المؤسسة العسكرية نفسها، فإن الوطن يبدأ بقطع الشجرة التي احتمى بظلها طويلاً.ومن بين الأسماء التي بقيت شاهدة على هذه المأساة اسم الفريق الأول الركن سلطان هاشم، واسم الفريق الأول الركن حسين رشيد محمد، واسم الفريق الأول الركن إياد فتيح الراوي، ومعهم عشرات بل مئات الضباط والطيارين والقادة الذين أمضوا أعمارهم في المؤسسة العسكرية العراقية. سواء اختلف الناس معهم أو اتفقوا، فإن حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: أنهم كانوا ضباطاً عراقيين خدموا في جيش العراق، ولم يكونوا جنرالات لدولة أخرى، ولم يحملوا راية غير راية بلادهم.لقد مات بعضهم خلف القضبان، ورحل آخرون وهم يحملون أمراض الشيخوخة وأوجاع السنين، بينما لا يزال آخرون ينتظرون أن يتذكرهم وطنٌ كانوا يعتقدون أنهم جزء من ذاكرته لا من سجونه.والمشكلة لا تتوقف عند الجنرالات وحدهم، بل تمتد إلى مئات الآلاف من المتقاعدين الذين خدموا قبل عام 2003. فهؤلاء لم يطلبوا قصوراً ولا امتيازات استثنائية، بل طالبوا بما تطالب به أي شريحة خدمت الدولة: راتباً كريماً، ورعاية صحية، وحقوقاً تقاعدية تحفظ كرامة الشيخوخة بعد سنوات الخدمة الطويلة.إن الفلسفة السياسية تقول إن العدالة لا تُقاس بطريقة معاملة الأقوياء، بل بطريقة معاملة الضعفاء. والشيخ الذي تجاوز السبعين من عمره، والذي يقف اليوم عاجزاً أمام صيدلية أو مستشفى أو إيجار بيت، لا يمثل خطراً على أحد، لكنه يمثل اختباراً أخلاقياً للدولة كلها.
والمؤلم أن العراقي البسيط بات يتساءل: كيف يمكن أن يبقى من خدم الدولة عقوداً يطالب بأبسط حقوقه، بينما تتضخم الثروات السياسية بصورة يصعب على الخيال تفسيرها؟ كيف امتلأت المدن بالمجمعات التجارية والاستثمارات الضخمة والأبراج، بينما بقي آلاف المتقاعدين ينتظرون تعديلاً بسيطاً في رواتبهم؟ وكيف أصبحت الأموال تُهدر في أبواب لا تنتهي، فيما يُنظر إلى حقوق المتقاعد وكأنها منحة وليست استحقاقاً؟.. إن القضية هنا ليست قضية ماضٍ سياسي، بل قضية أخلاق وطنية. لأن الدولة التي تعاقب الفرد على مجرد انتمائه السابق إلى مؤسسة وطنية، تفتح باباً خطيراً يجعل كل موظف يخشى أن يتحول مستقبلاً إلى ضحية لتغير الظروف والأزمنة.
لقد شهد العراق حروباً كثيرة وصراعات مريرة، واختلف أبناؤه في السياسة والفكر والعقيدة، لكن يبقى السؤال قائماً: هل يجوز أن تستمر معاقبة الإنسان إلى ما لا نهاية لأنه أدى وظيفةً في زمنٍ معين؟ وهل يصبح الولاء للوطن جريمة بمجرد تبدل الحكومات؟.. إن الأمم التي تتصالح مع ذاكرتها هي وحدها التي تستطيع بناء مستقبلها. أما الأمم التي تحارب ماضيها باستمرار فإنها تبقى أسيرة الثأر السياسي، تدور في الحلقة نفسها جيلاً بعد جيل.ولعل أعظم تكريم يمكن أن يقدمه العراق لنفسه قبل أن يقدمه لمتقاعديه، هو أن يعيد النظر في هذا الملف بروح العدالة لا بروح الانتقام، وبمنطق الدولة لا بمنطق الخصومة، وأن يمنح من خدموه حقه في العيش الكريم، مهما كانت الاختلافات حول الماضي.
فالوطن لا يكبر بالسجون، ولا يزدهر بالأحقاد، ولا يبنى بإدامة الانقسام بين أبنائه، بل يكبر حين يتسع للجميع، ويزدهر حين ينصف الجميع، ويُبنى حين يدرك أن الشيخ الذي يحمل أوسمته القديمة وذكرياته العسكرية ليس عدواً للدولة، بل صفحة من تاريخها.وحين يصل العراق إلى هذه الحكمة، سيدرك أن تكريم الجندي المتقاعد ليس مكافأة لشخص، بل احترام لفكرة الوطن نفسها؛ لأن الأوطان التي تنسى حراسها سرعان ما تكتشف أنها بدأت تنسى نفسها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.


المزيد.....




- شاهد.. لحظة انقلاب جرار يقل 21 شخصاً بعد تعطل مكابحه وفقدان ...
- إسرائيل تحيي ذكرى مرور 3 سنوات على هجوم 7 أكتوبر بمراسم تأبي ...
- قادة إيران وتركيا وفنزويلا ينضمون إلى مهنئي بوتين بعيد ميلاد ...
- مسيرة روسية تضرب منشأة لتخزين الوقود تابعة للقوات الأوكرانية ...
- الجيش الصيني يطلق مسيرات اعتراضية وقوة نارية للتصدي لهجوم اف ...
- اسطنبول.. لحظة اصطدام سفينة بقصر يعود تاريخه إلى 200 عام
- الضغط الأميركي يشتد على إيران.. وإسرائيل تضع احتمال هجوم صار ...
- مسابقة نوم في طوكيو تمنح جائزة قيمتها 2.000.000 ين لأفضل نائ ...
- صافرة إنذار لمدة 1 دقيقة تدوي في تل أبيب لإحياء ذكرى 7 أكتوب ...
- العلماء يحددون تمساحا مصريا قديما جمجمة بلا أنف مثل تمثال أب ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»