أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.














المزيد.....

الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:15
المحور: قضايا ثقافية
    


في السياسة لا تكون الجنازات دائمًا نهاية الرجال، بل قد تكون بداية الأسئلة التي ظلت مؤجلة طوال حياتهم؛ فالزعيم لا يُقاس بطول موكب تشييعه، ولا بعدد الرايات التي تُرفع فوق نعشه، ولا بحجم الضريح الذي يُشاد له، وإنما يُقاس بما تركه خلفه من أوطان معافاة أو مدن مكسورة، ومن شعوب حرة أو شعوب أنهكها الفقر والخوف والانقسام. ولهذا فإن أي حديث عن جنازة شخصية سياسية مثيرة للجدل لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بالعاطفة أو إلى محاكمة تنطلق من الكراهية، بل إلى وقفة فلسفية أمام الإرث الذي يتركه أصحاب المشاريع الكبرى، لأن التاريخ لا يحفظ أسماء القادة بقدر ما يحفظ نتائج سياساتهم.إن الدولة التي يصبح فيها الإنسان أقل قيمة من الفكرة، ويصبح الوطن أقل قداسة من المشروع العابر للحدود، تتحول تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة للصراعات لا إلى بيت لأبنائها. وهنا تبدأ المأساة؛ فحين تُستنزف ثروات الأمم في معارك النفوذ، ويُطلب من الفقراء أن يدفعوا ثمن الأحلام الإمبراطورية، يصبح السؤال الأخلاقي أكبر من كل الشعارات: لمن كانت هذه التضحيات؟ ومن الذي جنى ثمارها؟ وهل استطاع المواطن البسيط أن يجد في نهاية الطريق مدرسة أفضل، أو مستشفى أكرم، أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقود الماضية صراعات معقدة تشابكت فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، وكان للولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وغيرهما أدوار متفاوتة التأثير بحسب كل ساحة وظروفها. وهذه الوقائع محل جدل واسع بين الباحثين والمحللين، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد أو طرف واحد، لأن الأزمات التي عاشها العراق وسوريا واليمن وأفغانستان نتجت عن تداخل عوامل داخلية وخارجية معقدة. ومع ذلك، فإن من حق الشعوب أن تُخضع جميع المشاريع السياسية للنقد، وأن تسأل عن نتائجها على حياة الناس، بعيدًا عن التقديس أو التخوين.والأمم لا تنهار فقط عندما تُحتل عسكريًا، بل قد تنهار أيضًا عندما يُعاد تشكيل وعيها بحيث تؤمن أن خلاصها لن يأتي إلا من وراء الحدود، وأن مستقبلها مرهون بإرادة الآخرين. عندها يفقد المواطن ثقته بدولته، وتتحول الهويات الوطنية إلى هويات متنازعة، ويصبح الانتماء للمشروع السياسي أعلى من الانتماء للأرض نفسها. تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها الجغرافيا بالتمزق حتى وإن بقيت الخرائط كما هي.أما الأضرحة، فهي في أصلها جزء من تاريخ وثقافة دينية لدى بعض المجتمعات، ويتعامل الناس معها بطرق مختلفة تبعًا لمعتقداتهم وتقاليدهم. غير أن الفلسفة السياسية تظل تطرح سؤالًا مشروعًا: هل ينبغي أن تتحول رمزية الأشخاص بعد وفاتهم إلى مصدر جديد للسلطة أو النفوذ أو الموارد؟ إن هذا السؤال يتجاوز الأفراد إلى طبيعة العلاقة بين الذاكرة والسلطة، وبين الإيمان الشخصي والإدارة العامة.إن الشعوب التي دفعت أثمان الحروب والانقسامات لا تبحث اليوم عن مواكب جديدة، بل عن نهاية لدوائر الألم. فهي تريد أن ترى ثرواتها في مدارس وجامعات ومصانع ومستشفيات، لا أن تبقى رهينة صراعات النفوذ. والتاريخ يعلمنا أن كل مشروع سياسي، مهما بدا قويًا، يخضع في النهاية لحكم الناس وحكم الزمن؛ فإن ترك رخاءً وعدلًا بقي أثره، وإن ترك خرابًا وفقرًا، فإن أكبر المواكب وأضخم الشعارات لا تستطيع أن تمحو آثار ذلك الخراب من ذاكرة الأوطان.ولذلك فإن أعظم جنازة في التاريخ ليست تلك التي يحضرها الملايين، وإنما تلك التي يشيّع فيها الناس مرحلة كاملة من الخوف والانقسام والفساد، ويدفنون معها كل مشروع يجعل الإنسان وسيلة لا غاية، وكل سياسة تستهلك الأوطان باسم إنقاذها، وكل خطاب يقيس عظمة الزعيم بطول الموكب لا بكرامة المواطن. فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من القبور، بل إلى مزيد من الحياة، ولا تحتاج إلى صناعة الرموز بقدر حاجتها إلى صناعة الإنسان، لأن الإنسان الحر هو الضريح الوحيد الذي لا يسقط، والوطن العادل هو الذكرى الوحيدة التي لا تحتاج إلى تمثال.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟


المزيد.....




- -إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق لإنهاء الحرب-.. ماذا قال ترا ...
- لوبان تعلن نيتها تعيين جوردان بارديلا رئيسا للوزراء إذا انتخ ...
- أعضاء بمجلس الشيوخ يطلبون معلومات عن مقترح ترامب النووي مع ا ...
- لوبان: فرنسا لا تستطيع مواصلة تمويل أوكرانيا في وضعها المالي ...
- مصادر تكشف تفاصيل الاجتماع بين الأمريكيين والحوثيين في مسقط ...
- المغرب وإسرائيل يتفقان على -فتح سفارات وتبادل سفراء- والخارج ...
- انطلاق فعاليات الفوج الثاني من معسكر صندوق مكافحة وعلاج الإد ...
- الاحتياطي الفدرالي يرفع الفائدة لأول مرة منذ ثلاث سنوات وترا ...
- من عام 2006 إلى 2026.. هل تعيد الصناديق شرعية القرار الفلسطي ...
- في تصريح لـCNN.. عبدالرحمن السيد يرد على دعوة نائب ترامب للج ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.