أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الكلب -رينو-














المزيد.....

الكلب -رينو-


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:16
المحور: الادب والفن
    


في الجهة الأخرى من شارعنا الضيق، في الطابق الأرضي، تقطن سيدة عجوز وهنة، تقتني كلباً صغيراً، سمعتها مرة تناديه "رينو". تفتح له النافذة وتدعه يتأمل الشارع طيلة الوقت؛ يتابع المارة والعربات والكلاب التي يجرها أصحابها. ينفعل أحياناً، وفي أغلب الأوقات يقبع مستكيناً أو يستلقي واضعاً رأسه خارج النافذة، منشغلاً بكل حركة تمر أمامه.
هكذا هو حاله منذ خمس سنوات، مذ جاء صغيراً برفقة السيدة العجوز القاطنة الكسولة. وأعتقد أنه بات يعرف سكان الشارع، وربما الشوارع المجاورة ممن يتكرر مرورهم أمامه. ومادامت للكلاب ذاكرة، فلا بد أنه يعرف من وُلد ومن مات... أما أنا، فيعرفني من رائحتي، ويتعرف على ظلي، حتى لو كنت خلف الستائر؛ فهو يراني طيلة النهار، إذ أظهر له من خلف نافذتي كل يوم، أفتحها وأجلس لأعمل قبالته، أطل عليه بين حين وآخر. وحالما تلتقي عيناي بعينيه، يهبّ مثل عصفور من مكانه فرحاً، ألوّح له فيزداد هياجاً وينبح ويكاد يقفز من النافذة، لولا أن العجوز تنهره وتربت على رأسه وتتحدث معه حتى يستكين، فأعود أنا إلى عملي؛ فالكتابة هي ملاذي الوحيد وسكينتي.
عادةً أخرج في مشوار يومي، وأتعمد المرور بجانبه ومداعبته، وأرى الفرح بصيغة لا مثيل لها لدى كائن يفرح بهذا القدر من السعادة ويبوح بها. يبدو أنه اكتشف في مداعباتي ومناداتي باسمه عاطفةً تعوزه، وتبدد كآبته المؤطرة بنافذة تطل على شارع مهمل. أنا من جانبي اكتشفت أنه اقترح عليّ طريقة عيش جديدة وتقليداً لا بد منه، انتخبه هو وحدّد صيغته، فبات لازماً عليّ أن أتوقف عن العمل وأرفع رأسي وأُلوّح له، فيأنس ويطرد المزيد من وحدته عبر النافذة...
كثير من أفعالنا، ربما كلها، تقترحها علينا طريقة عيشنا، وكثير من خطواتنا ينتخبها لنا الشارع والزمان والآخرون. و"رينو" انتخبني واقترح عليّ حياة مشتركة خاصة بنا عبر النافذة؛ فهو يراني من مكانه مؤطراً بنافذة كما أراه، فيعطف عليّ ويلوح لي بذيله بود جميل كما أفعل له. وأراه أعمق وفاءً مني؛ فأنا في أغلب وقتي—وإن كنت أبدو له من نافذتي وهذا مهم لديه—أكون منكباً على عملي بعيداً عن العالم وعنه...
لكنه لا يشغله غيري، وينتظر بشغف تلك اللحظة التي أرفع فيها رأسي وأرنو إليه... لا بد أنها أجمل لحظات حياته، وربما يفكر بأنه خُلق من أجلها، أو أني خُلقت من أجله، من أجل منحه لحظات السعادة هذه. فتحت نافذتي وحدثته:
_ بربك يا "رينو"، لا تبالغ! فما خُلقنا لأهداف محددة ولا من أجل أحد، إنما وُجدنا لنمارس الحياة لا غير... خذ صاحبتك مثلاً... ما هي أهدافها؟ من أجل من تحيا؟ سيأتي يوم لا تجدها بجوارك ولن تسمع صوتها إلى الأبد... لا أحد منا يعيش من أجل الآخر، نحن نفترض ذلك ونتمثله، وفي أغلب الأحيان نجيد تمثيله والقيام بدورنا بمهارة عالية... نحن كائنات لا تخترع وسائلها وحسب، إنما تبدع في اختراعها وتعميمها على بعضنا البعض، فتصبح سنناً وأعرافاً وقوانين تقوم عليها مجتمعات، وبسببها تُهدم مجتمعات أخرى وتتبدد... واصلت حواري:
_ دعك من هذه المبالغة يا "رينو" ودعني أواصل عملي، فلدي مشروع معقد يستدعي جهداً ووقتاً طويلاً، من أجله حذفت من جدول مهماتي الانتقال إلى سكن آخر أفضلَ من هذا القبو، والسفر للعيش بضعة أشهر بعيداً عن القطب، وربما الزواج من أرملةٍ ثرية. آه يا رينو، كلانا ألغى من حياته اهتمامات ضرورية. أرجوك، لا يأخذك الوهم أني حذفت هذه المهام من أجلك... وأتمنى ألا تكون جاداً في القول إنك خُلقت من أجلي، وأني خُلقت من أجلك، من أجل لحظات عابرة ومداعبات وتلويحات! ولكن معك الحق، فكلانا لا يجيد سوى ذلك، ونحن وحدنا من يترقب هذه اللحظات.
عدت إلى عملي وانهمكت في تفاصيله وأهملت الخارج ورينو والشارع الضيق، والنهار الذي ذبلت ساعاته مع حلول الشتاء.
بعد أيام تنبهت إلى غياب رينو، وأصبح انتظار ظهوره في إطار النافذة أمراً ملحاً، شغلني عن مواصلة الكتابة وفقدت التركيز. ذهبت لأسأل عنه، فقيل لي إن السيدة صاحبته نُقلت إلى مصحة كبار السن العجزة، ولا أحد يعرف ماذا حل بالكلب، وأشكّ أنهم يعرفون ماذا حل بي أيضاً، وقد فقدت كائناً يربطني بالعالم بقوة.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي
- عشر وصايا في الرسم
- قصص مجهرية
- سركون بولص يضاعف انتباهنا
- بسام الوردي : لملم السنين على عجل، وبعثرني في مكانها


المزيد.....




- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...
- -إنانا- تستعد لإشعال مسرح أصالة في دمشق
- دمشق تفتح ذراعيها لأصالة.. نجوم سوريا في استقبال -ابنة الشام ...
- وزير التعليم العالي يؤكد: «القاهرة 2026» تجربة متكاملة تجمع ...
- فنانو الطباشير يكرمون ضحايا الرحلة 93 برسومات في ذكرى هجمات ...
- مصر تعلن غلق هرم منكاورع وتكشف الأسباب


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الكلب -رينو-