|
|
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:عندما تكشف الرياضة ما تخفيه السياسة…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 20:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ قد يبدو للوهلة الأولى أن لا رابط بين مباراة لكرة القدم ، ولوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وسقوط نظام سياسي ، وإمبراطورية مخدرات عابرة للحدود ، لكن التمعّن في المشهد يكشف أن هذه الملفات ، على اختلافها ، تدور جميعها حول سؤال واحد : كيف تُدار السلطة ، وكيف تُصنع الهوية ، وكيف يُستثمر الإنسان؟ومن هنا ، لا يملك المرء اعتراضًا ، من حيث المبدأ ، على حق الفيفا في وضع اللوائح التىّ تنظم حرية التعبير داخل مسابقاته ، أيًا كان مضمونها ، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالمثلية الجنسية ، ما دامت هذه اللوائح جزءًا من النظام الذي ارتضته الاتحادات الأعضاء ورفضته آخر ، غير أن الجدل يبدأ عندما تتحول الملاعب إلى منصات لتمرير رسائل ثقافية وسياسية مثل رموز الرينبو ، في الوقت الذي تصر فيه منتخبات وشعوب عديدة على أن كرة القدم يجب أن تبقى مساحة للتنافس الرياضي ، لا ساحة للصراع الأيديولوجي .
لكن قبل العودة إلى الملعب ، لا بد من التوقف عند نموذج آخر للسلطة ، فهل يستطيع صاحب النفوذ أن يقاوم إغراء السلطة المطلقة؟ ، التاريخ السياسي يكاد يجمع على أن غياب القانون والرقابة والمساءلة يجعل النفوذ يتضخم حتى يبتلع الدولة نفسها ، وهذا ما جسدته تجربة عائلة الأسد في سوريا ، التىّ لم تعد تمثل مجرد سلطة حاكمة ، بل تحولت ، مع مرور العقود ، إلى منظومة اقتصادية وأمنية مغلقة ، وصفها كثير من السوريين بأنها “إمبراطورية الظلام” ، ورغم خروج رفعت الأسد من دائرة الحكم ، ووفاة باسل الأسد ، ثم مجد الأسد ، برز ماهر الأسد باعتباره الذراع الأمنية والعسكرية الأكثر نفوذًا داخل النظام ، ولم يقتصر دوره على إدارة القبضة الأمنية ، بل ارتبط اسمه ، وفق ما وثقته تقارير دولية عديدة ، بتوسع اقتصاد الظل ، وعلى رأسه تجارة الكبتاجون ، التىّ تحولت إلى واحدة من أكبر شبكات الاتجار بالمخدرات في الشرق الأوسط والعالم ، وقدرت قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا ، ولم تكن هذه التجارة مجرد نشاط إجرامي لتحقيق الربح ، بل أصبحت ، بحسب كثير من التحليلات ، أداة سياسية للضغط والابتزاز الإقليمي ، ومصدرًا رئيسًا لتمويل منظومة فقدت معظم مواردها الاقتصادية ، ولهذا ، لم يكن مستغربًا أن تتكشف ، بعد انهيار النظام ، معامل الإنتاج ، ومسارات التهريب ، وشبكات غسل الأموال التىّ شارك فيها رجال أعمال وفروا الغطاء المالي والقانوني لهذه الإمبراطورية العابرة للحدود ، وإذا كانت تلك الإمبراطورية قد بنت نفوذها على إدمان الشباب للمخدرات ، فإن كرة القدم ، على النقيض تمامًا ، تبني تأثيرها على الشغف والانتماء ، وهنا تكمن المفارقة التىّ تستحق التأمل ؛ فكلتاهما تخاطبان الإنسان ، لكن الأولى تستثمر ضعفه ، بينما الثانية تستثمر عاطفته .
ولعل هذا ما ظهر بوضوح خلال المواجهة بين المنتخبين المصري والإيراني ، فعلى الرغم من الظروف السياسية والعسكرية التىّ تعيشها إيران منذ ال 7 من أكتوبر ، قدم منتخبها مستوى فنيًا لافتًا اتسم بالانضباط التكتيكي والجاهزية البدنية العالية ، ورغم استحواذ المنتخب المصري على الكرة في فترات طويلة ، فإن المنتخب الإيراني كان الأخطر في صناعة الفرص ، مع اعتماد واضح على الدفاع المنظم والهجمات المرتدة السريعة ، حتى إنه هدد المرمى المصري أكثر من مرة ، وارتدت له كرتان من العارضة ، قبل أن يسجل شجاع زاده هدفًا قاتلًا في الوقت بدل الضائع في الدقائق الأخيرة ، لم يُحتسب ، لقد ألغاه الحكم بعد العودة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) بداعي التسلل” ، كما أن كان لحارس المرمى حضورٌ كبير ومميز ، وهو ما أظهر الفارق بين المنتخبين ، وفي مباراته أمام المنتخب المصري ، وعلى الرغم من سيطرة المصريين على الكرة ، فإن المنتخب الإيراني هو الذي صنع الفرص الحقيقية وشكّل الخطر الأكبر داخل المستطيل الأخضر ، ووفقًا لإحصاءات الفيفا ، قطع اللاعبون الإيرانيون مسافة إجمالية بلغت 250 كيلومترًا .
لكن بعيدًا عن أرض الملعب ، كانت هناك مواجهة أخرى بين المنتخبين على خلفية بعض القضايا المرتبطة بالبطولة ، فقد أثير جدل حول وجود رموز قوس قزح (🌈) في المدرجات ، بينما أكد المنتخبان أنهما حضرا من أجل كرة القدم فقط ، وليس للترويج لأي قضايا أخرى .
كما أُثير الحديث عن إمكانية انسحاب أي منتخب احتجاجًا على هذه المسألة ، وما قد يترتب على ذلك من غرامات مالية أو عقوبات وفق لوائح الفيفا ، وفي النهاية ، حرص الطرفان على خوض المباراة ، مؤكدين أن تركيزهما ينصب على المنافسة الرياضية ، مع إعلان رفضهما استخدام الملاعب الكروية للترويج لقضايا يرون أنها تتعارض مع قيم الرياضة وأخلاق المجتمعات العربية والإسلامية ،
وهنا تبرز مقارنة تستحق التوقف ، فعندما كان نظام الأسد ينظم الاحتفالات الوطنية والعسكرية ، كانت شوارع سوريا تمتلئ بحشود تبدو هائلة في ظاهرها ، لكنها اختفت بالكامل تقريبًا بعد سقوط النظام ، بما كشف أن كثيرًا منها كان نتاج التعبئة والخوف أكثر من كونه تعبيرًا عن ولاء شعبي حقيقي ، أما في المقابل ، فقد شهدت مدرجات البطولة حضورًا لافتًا للجماهير الإيرانية ، التىّ قطعت آلاف الكيلومترات لمساندة منتخبها ، رغم كل الظروف التىّ تمر بها بلادها ، وهذا لا يعني بالضرورة تأييدًا للنظام السياسي، وإنما يكشف قوة الانتماء للهوية الوطنية عندما تتجسد في الرياضة ، وهذا ما يفسره العالمان هنري تاجفيل وجون تيرنر في نظرية الهوية الاجتماعية ؛ إذ يريان أن الإنسان لا يعرف نفسه بوصفه فردًا فقط ، بل من خلال الجماعات التىّ ينتمي إليها ، ومن هنا يتحول المنتخب الوطني إلى امتداد للذات ، ويصبح الفوز نجاحًا شخصيًا ، والهزيمة إحساسًا بالخسارة الفردية ، ولذلك يسافر المشجعون مسافات طويلة ، وينفقون الأموال ، ويخوضون نقاشات لا تنتهي دفاعًا عن منتخب يمثل ، بالنسبة إليهم، جزءًا من هويتهم.
غير أن الهوية نفسها قد تتحول إلى سلاح إذا استُثمرت بطريقة خاطئة ، فالأنظمة الاستبدادية توظف الانتماء لتكريس الطاعة ، والمنظمات الإجرامية تستغل ضعف الإنسان لتحقيق الأرباح ، بينما تستطيع الرياضة ، إذا بقيت وفية لرسالتها ، أن تحول الانتماء إلى طاقة إيجابية توحد الشعوب بدل أن تفرقها ، ولهذا فإن المقارنة بين إمبراطورية الكبتاغون التىّ ارتبطت بماهر الأسد ، وبين المستطيل الأخضر ، ليست مقارنة بين المخدرات وكرة القدم ، وإنما بين مشروعين متناقضين ؛ أحدهما يقوم على تسميم الإنسان وتحويله إلى وسيلة ، والآخر يقوم على التنافس والانتماء وصناعة الأمل .
إن أخطر ما صنعته إمبراطورية الكبتاغون لم يكن مليارات الدولارات التىّ جنتها، بل تحويل أجيال كاملة إلى رهائن للإدمان واليأس ، وفي المقابل، فإن أجمل ما تصنعه كرة القدم أنها تمنح ملايين الشباب سببًا للحلم ، وللانتماء ، وللتنافس الشريف .
وبين المشروعين تكمن المسافة الفاصلة بين دولة تستثمر في موت الإنسان ، وأمة تستثمر في حياته … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
-
الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
-
الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم
...
-
الغفلة🙆♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة
...
-
حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏♂🗣…
-
الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه
...
-
حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه
...
-
بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني
...
-
بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط
...
-
الإنسان الغائب🤷♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى
...
-
بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل
...
-
وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰
...
-
من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل
...
-
الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
-
روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست
...
-
من الشك🙇♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا
...
-
الهروب🏃♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي
...
-
من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي
...
-
بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و
...
المزيد.....
-
ترامب وإيران.. كيف بدأ الصدام خلال الفترة الأولى للرئيس الأم
...
-
أعطال القطارات الألمانية تطال وزير النقل شخصيا في أولى رحلات
...
-
روسيا تتوعد.. سنرد على قصف كييف للمدنيين
-
أضرار في ميناء المخا بعد الهجوم الحوثي يسفر عن مقتل 7 أشخاص
...
-
مراسل RT في ليبيا: اعتداء جديد بمسيّرة يستهدف أصولا نفطية في
...
-
سفير فلسطين لدى روسيا: أكثر من 75 ألف قتيل و250 ألف جريح في
...
-
ترامب يؤكد قدرة أمريكا على التصعيد في النزاع مع إيران
-
هيئة الطاقة الذرية السورية تصدر بيانا بخصوص معالجة -إرث النظ
...
-
ليبيا.. لجنة الطاقة بمجلس النواب تدين استهداف مصفاة الزاوية
...
-
نائب وزير الخارجية الروسي: أوكرانيا فقدت مواردها الذاتية لمو
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|