|
|
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصرت الصورة على الحكمة …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 17:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ في كل بطولة لكأس العالم ، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون طقساً من طقوس الحداثة ، ملايين البشر يجتمعون حول اللعبة الأكثر شعبية في العالم ، باعتبارها إحدى المساحات النادرة التىّ ما تزال قادرة على تجاوز الحدود السياسية والدينية والثقافية ، غير أن هذا الاجتماع الإنساني لا يلبث أن يتحول إلى ساحة سجال حول قضايا الهوية ، وفي مقدمتها الترويج للمثلية الجنسية " الشذوذ "، وكأن البشرية ، كلما نجحت في صناعة لحظة جامعة ، سارعت إلى تفكيكها بإقحام معارك ثقافية لا تمت إلى جوه الحدث بصلة ، حتى يصبح الجدل أهم من اللعبة نفسها ، وتغدو الرايات أكثر حضوراً من الكرة ، ليست هذه الظاهرة حدثاً معزولاً ، بل تعبير عن تحوّل أعمق أصاب الثقافة الحديثة ؛ انتقالٌ من الانشغال بالأسئلة الكبرى إلى الارتهان للأشياء الصغيرة ، وهو ما تستحضره ، على نحو لافت ، رواية “إله الأشياء الصغيرة” (The God of Small Things) للكاتبة الهندية أرونداتي روي ، التىّ تكشف كيف يمكن للتفاصيل الهامشية أن تعيد تشكيل المصائر الفردية والجماعية ، فما كان يُعدّ يوماً تفصيلاً ، أصبح اليوم مركز المشهد ، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة ، والمعرفة ، والحكمة ، والحرية ، إلى الصفوف الخلفية .
هذا التحول يستدعي إلى الذاكرة لوحة “كش الشيطان” للفنان الألماني فريدريش موريتس ريتزش ، وهي واحدة من أكثر اللوحات الرمزية تعبيراً عن الصراع الأبدي بين الإنسان والشر ، تصور اللوحة الشيطان جالساً بثقة وغرور أمام رقعة شطرنج ، بينما يبدو الشاب “فاوست” غارقاً في اليأس ، معتقداً أن المباراة انتهت وأن روحه أصبحت رهينة خصمه ، يقف خلفه ملاك حارس يراقب المشهد بصمت ، وكأن الهزيمة أصبحت قدراً لا فكاك منه ، غير أن السر الحقيقي في اللوحة لا يكمن في ملامح الوجوه ، بل في تفاصيل الرقعة نفسها ، فقد انتشرت رواية شهيرة تفيد بأن بطل الشطرنج الأمريكي بول مورفي تأمل اللوحة طويلاً ، ليكتشف أن الرسام أخطأ في حساباته ؛ فالملك الأبيض لم يكن في حالة “كش ملك”، بل بقيت له نقلة واحدة فقط ، حركة أخيرة قادرة على قلب الهزيمة إلى انتصار ، ربما هذه هي الاستعارة الأكثر دقة لفهم الإنسان المعاصر ، فالحداثة تتصرف كما لو أنها حققت “كش ملك” على الطبيعة البشرية ، بينما لا تزال هناك حركة أخيرة لم تُلعب بعد ، لقد أقنعت الإنسان بأن خلاصه يكمن في الصورة ، وأن هزيمته تبدأ عندما تظهر أولى علامات الزمن على وجهه .
في الماضي ، كان الإنسان يخشى الموت لأنه يمثل نهاية الوجود ، أما اليوم ، فقد أصبح يخشى الشيخوخة لأنها تعني خروجه من دائرة العرض والطلب ، لقد تغيّر الخصم ، لكن رقعة الشطرنج بقيت هي ذاتها ، لم يعد الصراع مع الفناء ، بل مع التجاعيد ، ولم يعد السؤال : كيف نعيش حياة صالحة؟ بل: كيف نبدو أصغر بعشرين عاماً وأكثر ؟، ولعل أكثر ما يعكس هذا التحول هو السباق المحموم نحو صناعة الشباب الدائم ، فبعد أن كانت عمليات التجميل ومقاومة التجاعيد تكاد تقتصر على النساء ، أصبح الرجال يخوضون المنافسة نفسها ، بل وربما بدرجة لا تقل اندفاعاً ، ولا يمكن إنكار حق الإنسان في تحسين مظهره أو الاعتناء بجسده ، فهذا حق شخصي مشروع ، بل قد ينعكس إيجاباً على ثقته بنفسه وحياته الاجتماعية والمهنية ، غير أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول العناية بالجسد إلى مشروع وجودي ، يغدو فيه الإنسان أسيراً لصورته ، يلاحقها يومياً في العيادات والمنصات الرقمية ، ويقيس قيمته بقدرته على إخفاء الزمن ، فإن الصور التىّ تملأ وسائل التواصل الاجتماعي لفنانات وإعلاميات ومشاهير لا تطرح سؤالاً جمالياً فحسب ، بل سؤالاً فلسفياً يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه ، ماذا يريد الإنسان من هذه الحرب المفتوحة مع الزمن؟ وهل أصبحت شاشة الهاتف تحل محل المرآة ، بحيث لم يعد الهدف رؤية الذات ، بل إنتاج صورة ترضي الآخرين؟
إن إخفاء التجاعيد لا يوقف الزمن ، بل قد يصنع اغتراباً بين المظهر والوعي ، فالوجه قد يبدو في الثلاثين أو ربما أقل ، بينما يحمل العقل خبرة ستة عقود ، وهنا تنشأ مفارقة وجودية ؛ إذ تصبح الصورة أصغر من تاريخها ، ويغدو الإنسان منفصلاً عن سيرته الذاتية ، والأخطر من ذلك أن المنافسة لم تعد داخل الجيل الواحد ، بل أصبحت بين الأجيال نفسها ، فمن تجاوز الخمسين أو الستين يحاول أن ينافس أبناء العشرين في المظهر ، وكأن الطبيعة أصبحت خصماً يجب الانتصار عليه، لا قانوناً ينبغي التصالح معه ، لكن إذا استطاعت التكنولوجيا أن تؤخر التجاعيد ، فهل تستطيع أيضاً أن تؤخر نضج الوعي؟ وهل يمكن للإنسان أن يستعيد هيئة الشباب من دون أن يتخلى عن تراكم خبراته؟ إن الوعي لا يخضع لعمليات التجميل ، ولذلك ينشأ نوع من التناقض بين جسد يبدو شاباً وعقل يحمل ذاكرة الزمن ، وهي مفارقة تجعل الإنسان يعيش حالة من الاغتراب بين داخله وخارجه .
لقد كانت المجتمعات التقليدية تنظر إلى الشيخوخة بوصفها رصيداً معرفياً ، وكان كبار السن يمثلون الذاكرة الجمعية ، وخزان الحكمة ، ومرجع الخبرة ، أما اليوم ، فقد أصبحت الشيخوخة تُختزل في تجاعيد ينبغي محوها ، وفي شعر أبيض ينبغي صبغه، وفي ملامح يجب إعادة تشكيلها ، ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل الوجوه ، لم يعد الجسد يُعامل باعتباره شاهداً على رحلة الإنسان ، بل بوصفه مشروعاً تقنياً قابلاً للتحديث المستمر ، وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في قراءته للفلسفة اليونانية ، فقد كان مبدأ “الاهتمام بالنفس” (Epimeleia Heautou) سابقاً على شعار “اعرف نفسك” (Gnothi Seauton) ، لم تكن العناية بالنفس تعني الاعتناء بالمظهر ، بل تهذيب الروح ، وتربية العقل ، والسيطرة على الانفعالات ، وبناء الذات باعتبارها مشروعاً أخلاقياً مستمراً ، غير أن الحداثة ، وقد اختزلت الإنسان في صورته ، نقلت مركز الثقل من الداخل إلى الخارج ، ومن الحكمة إلى المظهر ، ومن تكوين الشخصية إلى إدارة الانطباعات .
وهكذا ، لم تعد القيمة تُقاس بما يعرفه الإنسان ، بل بما يبدو عليه ، ولم يعد معيار الجمال مرتبطاً بالتجربة الإنسانية ، بل بمدى قدرة الجسد على مقاومة الزمن ، إنها لحظة انتصار الصورة على الحكمة ، وانتصار الاستهلاك على المعنى ، حيث أصبحت الذات تُقاس بعدد الإعجابات والمتابعين أكثر مما تُقاس بعمق التجربة أو اتساع المعرفة ، كما أن لوحة “كش الشيطان” تذكرنا بأن المباراة لم تنتهِ بعد ، فما دام الملك الأبيض يمتلك حركة أخيرة ، فإن الإنسان أيضاً يمتلك فرصة أخيرة لاستعادة توازنه ، ليست المعركة الحقيقية مع التجاعيد ، ولا مع الزمن ، ولا حتى مع الجسد ، بل مع ذلك الوهم الذي أقنع الإنسان بأن قيمته تكمن في صورته لا في وعيه ، وفي مظهره لا في حكمته.
إن أخطر ما أنجزته الحداثة لم يكن إخفاء علامات الشيخوخة ، بل إخفاء المعنى نفسه ، وحين تصبح الأشياء الصغيرة أكثر أهمية من القضايا الكبرى ، وعندما تتحول صورة الوجه إلى مشروع حياة ، يكون الشيطان قد ظن مرة أخرى أنه حقق “كش ملك” ، لكن التاريخ ، كما تخبرنا رقعة الشطرنج ، لا يحسمه الانطباع الأول ، بل الحركة الأخيرة التىّ لم تُلعب بعد … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
-
الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
-
الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم
...
-
الغفلة🙆♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة
...
-
حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏♂🗣…
-
الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه
...
-
حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه
...
-
بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني
...
-
بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط
...
-
الإنسان الغائب🤷♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى
...
-
بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل
...
-
وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰
...
-
من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل
...
-
الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
-
روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست
...
-
من الشك🙇♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا
...
-
الهروب🏃♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي
...
-
من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي
...
المزيد.....
-
ترامب وإيران.. كيف بدأ الصدام خلال الفترة الأولى للرئيس الأم
...
-
أعطال القطارات الألمانية تطال وزير النقل شخصيا في أولى رحلات
...
-
روسيا تتوعد.. سنرد على قصف كييف للمدنيين
-
أضرار في ميناء المخا بعد الهجوم الحوثي يسفر عن مقتل 7 أشخاص
...
-
مراسل RT في ليبيا: اعتداء جديد بمسيّرة يستهدف أصولا نفطية في
...
-
سفير فلسطين لدى روسيا: أكثر من 75 ألف قتيل و250 ألف جريح في
...
-
ترامب يؤكد قدرة أمريكا على التصعيد في النزاع مع إيران
-
هيئة الطاقة الذرية السورية تصدر بيانا بخصوص معالجة -إرث النظ
...
-
ليبيا.. لجنة الطاقة بمجلس النواب تدين استهداف مصفاة الزاوية
...
-
نائب وزير الخارجية الروسي: أوكرانيا فقدت مواردها الذاتية لمو
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|