أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة الحديثة …















المزيد.....

الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة الحديثة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 16:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لم يكن القناع الذهبي الذي غطّى وجه الفرعون توت عنخ آمون مجرد تحفة جنائزية بلغت ذروة الإبداع الفني ، بل كان رسالة مبكرة عن واحدة من أقدم الظواهر الإنسانية ؛ أن الإنسان لا يكتفي بما هو عليه ، بل يحرص دائمًا على تقديم الصورة التىّ يريد للآخرين أن يتذكروه بها ، فقد أخفى الذهب ملامح الجسد المحنط ، لكنه منح صاحبه حضورًا يتجاوز الزمن ، وكأن التاريخ لا يحتفظ بالوجوه كما هي ، بل بالوجوه التىّ يختارها أصحابها لأن تبقى ، ومنذ ذلك الحين ، لم تتوقف البشرية عن صناعة الأقنعة ، إلا أن الذهب استُبدل بالمكانة الاجتماعية ، واللغة ، والسلطة ، والثروة ، والهيبة ، حتى أصبح القناع جزءًا من البناء النفسي والاجتماعي للإنسان ، ولم يكن الأدب العالمي بعيدًا عن هذه الحقيقة ؛ ففي رواية شبح الأوبرا كان القناع يخفي جراح الروح أكثر مما يخفي تشوه الوجه ، وفي الرجل ذو القناع الحديدي تحول إلى وسيلة لمحو الهوية باسم السلطة ، بينما أصبح في V for Vendetta رمزًا لفكرة تتجاوز الفرد ، وكأن الأدب أراد أن يقول إن أخطر الأقنعة ليست تلك التىّ تُرتدى على الوجوه ، بل تلك التىّ تُلبس للأفكار والضمائر والذاكرة ، ومنذ أن يغادر الإنسان منزله ، يبدأ في ارتداء أول أقنعته الاجتماعية ، فهو لا يدخل إلى العالم بوجهه المجرد ، وإنما بالشخصية التىّ يعتقد أنها أكثر قبولًا لدى الآخرين ، فالابن ليس هو الموظف ، والموظف ليس هو الصديق ، والصديق ليس هو الزوج ، ولكل مقام لغته وسلوكه وهيئته ، لذلك، لا تُعد الأقنعة الاجتماعية نفاقًا بالضرورة ، بل تمثل قدرًا من اللياقة التىّ تفرضها طبيعة العيش المشترك ، فالإنسان لا يستطيع أن يقول كل ما يفكر فيه ، ولا أن يُظهر كل ما يشعر به ، وإلا تحولت الحياة إلى فوضى من الصدامات والانفعالات .

لكن الخط الفاصل بين التكيف الاجتماعي والتزييف يبقى شديد الدقة ، فالقناع الذي يبدأ وسيلةً لتنظيم العلاقات قد يتحول مع الزمن إلى هوية كاملة ، حتى ينسى الإنسان ملامحه الأولى ، فالمتقدم إلى وظيفة يقدم أفضل نسخة عن نفسه ، والمقبل على الزواج يخفي كثيرًا من عيوبه ، والسياسي يختار كلماته بعناية ، ورجل الأعمال يبتسم حتى في أشد لحظات القلق ، ومع مرور الزمن لا يعود الإنسان يمثل أمام الآخرين فحسب ، بل يبدأ في تصديق الشخصية التىّ صنعها ، فتبتلع الصورة الحقيقة ، ويغدو القناع أكثر حضورًا من الوجه ، ولعل ما يثير التأمل أن أحدًا لا يتعلم ارتداء الأقنعة في المدارس ، فهي مهارة تنمو مع التجربة الإنسانية نفسها ، وربما لهذا السبب يبدو فن التمثيل امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية ؛ فالممثل لا يبتكر الأقنعة ، بل يصقل ما يمارسه الناس كل يوم ، وما يميز إنسانًا عن آخر ليس امتلاك القناع ، وإنما القدرة على إتقانه ، وعلى إخفاء المسافة الفاصلة بين ما يشعر به وما يظهره للناس ، وكلما ارتفع الإنسان في السلم الاجتماعي ، ازداد قناعه تعقيدًا ، فالموظف يمثل المؤسسة ، والقاضي يمثل العدالة ، ورجل الدين يمثل المقدس ، والسياسي يمثل الدولة أو الحزب ، حتى يصبح المنصب هو الشخصية ، بينما يتراجع الإنسان خلفها ، وعند هذه المرحلة لا يعود الآخرون يتعاملون مع الفرد ، بل مع الرمز الذي يجسده ، والأسوأ أن صاحب المنصب نفسه قد يندمج في دوره إلى الحد الذي يعجز فيه عن العيش خارجه ، فتتحول خسارة السلطة أو الوظيفة أو المكانة إلى أزمة هوية ، لأنه يكتشف أن الشخصية التىّ عاش بها لم تكن سوى القناع الذي فرضه عليه موقعه ، فعلى سبيل المثال ، لا يبقى شرطي المرور ، أثناء ممارسته لعمله وارتدائه الزي الرسمي ، مجرد فرد بصفاته الشخصية ، بل يتحول إلى تجسيد لسلطة النظام والنفوذ ، ومن هنا يمكن فهم المشهد الذي قد تتوسل فيه امرأة ثرية ، تقود سيارة فاخرة ، إلى الشرطي كي لا يحرر بحقها مخالفة مرورية ، رغم أن قيمتها المادية لا تمثل شيئًا يُذكر بالنسبة إليها ، فالمسألة لا تتعلق بالعبء المالي ، بل بالعلاقة الرمزية مع السلطة ؛ إذ إن الثروة ، مهما بلغت ، لا تلغي البنى السلوكية العميقة التىّ رسختها الخبرة الإنسانية عبر الأجيال ، ففي مواجهة السلطة ، يستجيب الإنسان لأنماط سلوك متجذرة تتجاوز الحسابات العقلانية والمادية ، فيتراجع حضوره الشخصي مؤقتًا لصالح القناع الذي تفرضه الأدوار الاجتماعية ، ويتصرف وفق مقتضيات الموقف أكثر مما يتصرف وفق هويته الفردية .

ومن هنا تبدأ السياسة بمعناها الأعمق ، فالدولة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع ، بل هي صورته المكبرة ، فإذا كان الفرد يرتدي قناعًا لينال القبول ، فإن المؤسسة ترتدي قناعًا لتحصل على الثقة ، والحزب يصوغ قناعًا ليكسب الأنصار ، والدولة تبني صورة عن نفسها لتحافظ على شرعيتها ، وهكذا تصبح الأقنعة الاجتماعية المادة الخام التىّ تُصنع منها الأقنعة السياسية ، فلا تعود السلطة قائمة على القوة وحدها ، بل على القدرة في تشكيل الانطباعات وإدارة الوعي وصناعة الرواية التىّ يريد المجتمع أن يصدقها ، ولذلك لم يعد أخطر أشكال السلطة هو احتكار القوة ، بل احتكار الصورة ، فالإعلام ، والإعلان ، والخطاب السياسي ، ومنصات التواصل الاجتماعي ، لم تعد تنقل الوقائع كما هي ، بل تعيد إنتاجها في قوالب أكثر جاذبية وتأثيرًا ضمن ما يسمى أو يطلق عليه بالفوتوشوب ، حتى أصبح الوهم ، في كثير من الأحيان ، أكثر نفوذًا من الحقيقة ، ومن ينجح في السيطرة على خيال الناس ، لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على أجسادهم ، لأن الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الصورة التىّ صدقها ، حتى وإن كانت تخفي واقعًا مغايرًا .

ولو عاد توت عنخ آمون إلى الحياة ، لربما وجد أن قناعه الذهبي ، الذي صُنع ليغطي وجه ميت ، كان أكثر صدقًا من أقنعة العصر الحديث ، فهو لم يدّعِ أنه الحقيقة ، بل أعلن منذ البداية أنه مجرد غطاء لوجه غاب عن الحياة ، بينما ترتدي مجتمعات اليوم أقنعة تدّعي أنها الحقيقة ذاتها ، وهي في كثير من الأحيان ليست سوى صور مصقولة تخفي خلفها المصالح والمخاوف والطموحات .

لذلك ، ليست المشكلة في أن الإنسان يرتدي قناعًا ، فالحياة الاجتماعية لا تستقيم من دون شيء من المجاملة وضبط النفس واحترام المقامات ، وإنما تبدأ المأساة حين ينسى وجهه الحقيقي ، ويمنح القناع حق تمثيله إلى الأبد ، عندها لا يعود القناع وسيلة للتكيف ، بل يصبح بنية ثقافية واجتماعية وسياسية تعيد تشكيل الإنسان والمجتمع معًا ، حتى يغدو البحث عن الحقيقة أصعب من صناعة الوهم ، ويصبح الوجه الحقيقي آخر ما يمكن رؤيته خلف الأقنعة اللامعة…والسلام🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...
- من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽: ...
- التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
- بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
- الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
- الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم ...
- الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة ...
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...


المزيد.....




- ترامب يهدد مجددًا بقصف سلطنة عُمان بسبب مضيق هرمز
- لافروف: اليابان تنتهك دستورها وتتخلى عن إرثها التاريخي خدمة ...
- الإمارات توسع مدارها.. نجاح إطلاق القمر الاصطناعي -إس إي أو- ...
- لافروف: اليابانيون تجاوزوا حدود اللباقة في تصريحاتهم حول زيا ...
- لماذا نشعر بالدوار عند النهوض؟
- تصعيد جديد في اليمن: الحوثيون يطلقون 5 صواريخ باليستية نحو ب ...
- كلاب تتلقى بركة بالماء المقدس في احتفال في بوليفيا
- انتحار جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي يعيد فتح ملف الأعباء ...
- مـــــــــــــقــــــــــال ردًّا على تصريحات رئيس الجمعية ...
- لقطات من عملية تحرير بلدة نوفوسولوشينو في مقاطعة زابوروجيه


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة الحديثة …