أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راحةً من الحقيقة …















المزيد.....

كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راحةً من الحقيقة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 17:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ أحيانًا يكون التظاهر بأن سفينتك تغرق هو الطريقة الوحيدة ليرحل عنها أولئك الذين أدمنوا على كيف الغباء ، فليس أخطر ما يصيب الإنسان أن يجهل ، فالجهل بداية كل معرفة ، والاعتراف به أول درجات الحكمة ، الأخطر أن يجد في جهله راحةً ، وأن يتحول الوهم إلى ملاذ ، حتى يغدو التفكير عبئًا ، والسؤال مخاطرة ، واليقين السريع فضيلة ، عندها لا يعود الغباء نقصًا في العقل ، بل يصبح حالة من النشوة ؛ نشوةٌ لا تحتاج إلى مخدر ، بل إلى عقلٍ قرر أن يستريح من مسؤوليته ، ليست كل أشكال العراء سواء ، فهناك عراءٌ يفرضه الفقر أو الهزيمة أو قسوة الحياة، وهناك عراءٌ آخر لا يُرى بالعين ، بل يكشفه العقل عندما يقف وحيدًا أمام الحقيقة ، في هذا العراء تسقط الشعارات ، وتتلاشى الأيديولوجيات ، وتفقد الجموع قدرتها على منح اليقين ، فلا يبقى أمام الإنسان سوى سؤال واحد: هل أريد الحقيقة مهما كانت مؤلمة ، أم أريد راحة الوهم مهما كانت كلفته ؟ ، فمنذ فجر التاريخ ، لم تكن معركة الإنسان الكبرى مع الجهل ، بل مع إغراء الاستسلام له ، فالجهل لا يهزم الأمم وحده ، وإنما يهزمها عندما يتحول إلى ثقافة ، ثم إلى عادة ، ثم إلى فضيلة اجتماعية ، وما إن يحدث ذلك ، حتى يصبح العقل الناقد غريبًا ، ويُنظر إلى المفكر بوصفه مصدر قلق ، لا مصدر إلهام ، ويغدو السؤال فعلًا مريبًا ، لأنه يهدد السكينة التىّ صنعتها الأجوبة الجاهزة .

ولهذا فإنني أفرق بين الجهل و«كيف الغباء» ، فالجهل نقصٌ يمكن تجاوزه ، أما «كيف الغباء» فهو حالة يأنس فيها الإنسان إلى جهله ، ويستمتع بإعادة إنتاجه ، ويدافع عنه كما يدافع عن هويته ، إنه ليس عجزًا عن المعرفة ، بل عزوفٌ عنها ؛ وليس قصورًا في العقل ، بل استقالةٌ طوعية منه ، ومن هنا تبدأ المأساة ، لأن الإنسان الذي يتوقف عن التفكير لا يحتاج إلى من يقيده ، إذ يصبح هو السجان والسجين في آنٍ واحد ، الغباء لا ينتصر بقوته ، بل براحة الناس معه ، فالحقيقة مرهقة ؛ لأنها تطالب الإنسان بأن يراجع نفسه ، وأن يعترف بخطئه ، وأن يغيّر قناعاته إذا تبدلت الأدلة ، أما الوهم ، فهو أكثر كرمًا ؛ يمنح الجميع شعورًا بالتفوق دون أن يطالبهم بأي ثمن ، ولهذا ، كلما انخفضت كلفة الكذبة ، ارتفع ثمن الحقيقة ، ولعل الأدب كان أصدق من السياسة في تشريح هذه الظاهرة ، ففي رواية الأبله لم يكن الأمير ليف ميشكين غبيًا ، بل كان نقيًا إلى الحد الذي جعل المجتمع يعجز عن فهمه ، لقد انقلبت المعايير حتى بدا الصدق سذاجة ، والرحمة ضعفًا ، والانتهازية ذكاءً ، ولم يكن فيودور دوستويفسكي يكتب عن فرد ، بل عن مجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية ، فيصبح الخلل في ميزان القيم لا في عقول الناس وحدها .

وفي الاتجاه نفسه ، صوّر جورج أورويل في رواية 1984 مجتمعًا لا يُمنع فيه الناس من الحقيقة فقط ، بل يُدرَّبون على الاستغناء عنها ، فحين يعتاد الإنسان تكرار الكذبة ، لا يعود بحاجة إلى من يفرضها عليه ، وهنا يبلغ الاستبداد ذروته؛ لا عندما يسيطر على الجسد ، بل عندما ينجح في احتلال العقل ، غير أن الاستبداد ، في حقيقته ، لا يصنع الغباء من العدم ، بل يستثمر فيه ، وكما يكتشف التاجر حاجة السوق ثم يبني عليها تجارته ، تكتشف السلطة قابلية بعض المجتمعات للركون إلى اليقين السهل ، فتغذيها ، لأنها تعلم أن المواطن الذي يسأل أصعب كثيرًا من المواطن الذي يصفق ، لذلك ، لا تخشى السلطة المثقف لأنه يملك الإجابات ، بل لأنه يغيّر طبيعة الأسئلة ، وفي المقابل ، يقدّم التراث الإسلامي درسًا بالغ العمق في التواضع المعرفي ، فعندما قال الإمام مالك بن أنس: «الاستواء معلوم ، والكيف مجهول»، لم يكن يغلق باب العقل ، وإنما كان يضع له حدوده الأخلاقية ، فالعقل يفسد حين يتوهم الإحاطة بكل شيء ، كما يفسد حين يتنازل عن التفكير كليةً ، وبين الغرور والاستقالة ، تضيع الحكمة .

وليس بعيدًا عن هذا المعنى ما نُسب إلى سقراط من أن الحكمة تبدأ حين يدرك الإنسان حدود معرفته ، فالعاقل لا يخجل من عبارة «لا أعلم»، لأنها بداية البحث ، بينما يخشاها الغبي لأنها تهدم صورة الكمال التىّ صنعها لنفسه ، ولذلك ، فإن انحدار الأمم لا يبدأ بانهيار اقتصادها ، ولا بخسارة حرب ، ولا حتى بسقوط نظام سياسي ، يبدأ يوم يفقد السؤال قيمته ، ويصبح التفكير ترفًا ، ويغدو الشك جريمة ، بينما تتحول الطاعة إلى أعلى مراتب الفضيلة ، في تلك اللحظة ، لا تعود المدارس مصانع للمعرفة ، بل مصانع للتكرار ، ولا يعود الإعلام بحثًا عن الحقيقة ، بل إدارةً للرأي ، ولا تعود السياسة فنًا لإدارة الاختلاف ، بل وسيلة لإلغاء العقل ، لقد أثبت التاريخ أن الطغاة لم ينتصروا لأنهم كانوا أذكى من شعوبهم ، بل لأنهم وجدوا مجتمعات أنهكتها الراحة الفكرية ، فاستبدلت مسؤولية التفكير بلذة التصديق ، واختارت الأمان الذي تمنحه الأكذوبة على القلق الذي تفرضه الحقيقة ، فالطغيان لا يبدأ في القصور ، بل يبدأ في اللحظة التىّ يتخلى فيها الإنسان عن حقه في السؤال .

وربما لهذا لا تكون الحرية حدثًا سياسيًا بقدر ما تكون حدثًا عقليًا ، فالثورات قد تغيّر الحكومات ، لكنها لا تغيّر المجتمعات إذا بقي العقل أسيرًا لليقين المستعار ، الحرية تبدأ عندما يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد ، وأن المعرفة ليست مجموعة أجوبة محفوظة ، بل رحلة لا تنتهي من الأسئلة ، ولعل العراء الذي يخشاه الناس ليس عراء الجسد ، بل عراء الفكر ، ففي تلك اللحظة التىّ يقف فيها الإنسان مجردًا من أوهامه ، ومن يقيناته الموروثة ، ومن الأصنام التىّ صنعها بيديه ، يكتشف أن أعظم انتصار ليس أن يهزم خصمه ، بل أن يهزم خوفه من التفكير .

فالأمم لا تموت عندما يهزمها عدوها ، وإنما عندما تقنع نفسها بأن العقل لم يعد ضرورة ، وأن الحقيقة يمكن تأجيلها ، وأن الوهم أقل كلفة من المعرفة ، عندها يصبح كيّف الغباء أسلوبًا في الحياة ، وتتحول الهزيمة إلى عادةً ، ويصبح التاريخ مجرد آلة لإعادة إنتاج الأخطاء .

أما الأمل ، فلا يولد من كثرة المتفائلين ، بل من وجود أولئك الذين يملكون شجاعة أن يقولوا ، في وجه الضجيج كله : ربما نحتاج أن نفكر من جديد … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...
- من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽: ...
- التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
- بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
- الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
- الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم ...
- الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة ...
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...


المزيد.....




- -الجهاديون يُنتخبون في كل مكان-.. ترامب يوجه -نصيحة- للجمهور ...
- ترامب يقول إنه سيطالب إيران بتعويضات لضحايا هجمات وحروب واحت ...
- ألمانيا ـ أعطال قطارات -دويتشه بان- تستقبل وزير النقل الجديد ...
- اغتيال آمر الاستخبارات العسكرية الليبية اللواء فوزي المنصوري ...
- الاتحاد الأوروبي يتفق مع -ميتا- و-تيك توك- على إنشاء قناة خا ...
- درجات حرارة قياسية في الولايات المتحدة في شهر يوليو
- ليبيا.. رئيس المؤسسة الوطنية للنفط يحذر من خطر استهداف المنش ...
- معلقا على جريمة نيجنيكامسك.. سياسي فنلندي ينتقد تجاهل الأورو ...
- مشاهد متداولة توثق انهيار المباني حين ضرب زلزال قوي كولومبيا ...
- اتفاق بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكية لإزالة مواد نووية


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راحةً من الحقيقة …