أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.















المزيد.....

في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 03:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العدوان الثلاثي على مصر، او ما تُسمى في الأدبيات الغربية "حرب السويس" كانت اللحظة الفارقة التي انكشفت فيها هشاشة الإمبراطورية البريطانية. ففي 26 جويلية 1956، أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، في خطوة واجهت بها بريطانيا تحديًا وجوديًا على نفوذها. فمع انشغال الاتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية بانتفاضة المجر وبولندا، وانشغال الولايات المتحدة بالانتخابات، شنت قوات صهيونية، ثم فرنسية وبريطانية حربا على مصر، شملت احتلال مدن القناة وجزء من سيناء، بغرض السيطرة التامة على الممر المائي الأهم في العالم وقتها، وإجبار مصر على التراجع عن قرار التأميم، واستعادة ملكية الشركة بالقوة العسكرية، أو على الأٌقل، إخضاعها ل"لإشراف الدولي المُشترَك". وهناك شبه إجماع على أن تلك المعركة كتبت آخر سطر في تاريخ الهيمنة البريطانية على العالم.

كانت حسابات بريطانيا وفرنسا واضحة وشبيهة جدا بحسابات ترامب ونتنياهو في الحرب على إيران: ضربة عسكرية خاطفة للاستيلاء على القناة في أسبوعين أو ثلاثة، ثم إملاء الشروط، باستخدام أعذار واهية عن ضرورة "استعادة الأمن والسلم" و"الخطر المُحدِق بالملاحة في قناة السويس".. فكان أن اندفعت حكومتا بريطانيا وفرنسا لغزو مصر لكي لا تفقد سيطرتهما على الشرق الأوسط. فقناة السويس تعني لبريطانيا الموقع الاستراتيجي ومسالك التجارة وتدفق النفط، وطريق الهند الأقرب.
من جهة أخرى كان الكيان الصهيوني في ذلك الوقت إدارة ناشئة معتمدة كُليًّا على الغرب، وغير قادرة على لعب أي دور مستقل. ومع ذلك لجأت إليها فرنسا التي كانت تتعرّض لفقدان نفوذها في تونس والمغرب، وتخوض حربا ضروس ضد الثورة الجزائرية، بعد أن خسرت لبنان وسوريا منذ سنوات.

لعبت المعارضة البريطانية والفرنسية، إلى جانب النقابات، دورا مهما في وقف الحرب، إذ اشتعلت بريطانيا وفرنسا بالمظاهرات والإضرابات احتجاجا على العدوان.. صمدت مصر وواجهت العدوان بشراسة. واتفقت القوتان العظميان الاتحاد السوفييتي وأمريكا على إجبار دول العدوان على الانسحاب..

باختصار، منذ تلك اللحظة أصبحت السياسة البريطانية والفرنسية تشبه إلى حد كبير سياسات أباطرة البنوك المفلسين. حيث دخلت فرنسا في أكبر أزمة حكومية في تاريخها انتهت بعودة ديغول سنة 1958 الذي غير النظام السياسي والدستوري للبلاد، وما تلا عودته من أحداث ومصاعب بدأت بانقلاب عسكري على ديغول قاده جنرالات فرنسا في الجزائر الرافضين للمفاوضات مع جلهة التحرير، وانتهت باستقلال الجزائر، التي اعتبرها اليمين الفرنسي المتكرق والمعمرون كارثة على فرنسا.
وعانت بريطانيا سلسلة من النكبات والهزائم. ففي الأردن، بدأت التحركات في صفوف المواطنين واللاجئين الفلسطينيين، ووجدت بريطانيا مستشاريها العسكريين في عمَّان مطرودين تحت ضغط الجماهير، بل واجهت خطر انهيار المملكة الهاشمية. وحصدت الأحزاب المناهضة لبريطانيا الأغلبية في انتخابات 1957. بينما أدارت سوريا وجهها نحو الاتحاد السوفييتي. ثم ارتمت في أحضان عبد الناصر فقامت الجمهورية العربية المتحدة. وحتى العراق، قلعة بريطانيا الأخيرة الثابتة منذ ثورة العشرين اهتزت بثورة جرفت الطبقة الحاكمة برمتها، وعلى رأسها الأسرة الملكية التي تعرضت إلى مذبحة مروّعة في قصر النهاية، وبذلك انهار حلف بغداد وأُطردت الإمبراطورية العظمى من العراق ذليلة. وسقط كميل شمعون حليفها في لبنان. وفي الأخير أجبرت على الخروج من الخليج. والأهم من كل هذا هو انهيار صورة القوة الذي كان كافيًا لتدمير أسس الإمبراطورية، بغض النظر عن القدرات العسكرية المتبقية.

اليوم تتكرر معادلة السويس في مضيق هرمز، حتى من حيث الشكل والدلالة، فلقد كرّر ترامب تحذيراته وتهديداته لإيران بفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، في موقف يعيد إلى الأذهان أساليب الضغط التي سبقت العدوان الثلاثي.

بالبعد الجيواستراتيجي يمر عبر مضيق هرمز 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي لا يقل أهمية عن قناة السويس في القرن العشرين. فالمضيق عبارة عن نفق على طريق سريعة، يجعل المنظومة الاقتصادية الامبريالية هشّة باعتمادها على نقطة اختناق، مثلما هو حال بقية نقاط الاختناق والمضائق البحرية في عدة مناطق من العالم، وهذا أمر مُلفت، إذ يمكن للشعوب مستقبلا، أن تتمرّد في مواجهة الهيمنة، فتقطع تلك الشرايين كلما توفرت شروط المواجهة.

أما بالبعد السياسي فالتحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم في مضيق هرمز يشبه التحدي الذي واجهته بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي. ويبدو أن انهيار الامبراطوريات يبدأ عندما يترسخ في أذهان الحلفاء والأسواق أن هذه الدولة العظمى لم تعد "عُظمى". ولعلّ هذا العامل النفسي يحول أحيانًا إخفاقًا تكتيكيا إلى هزيمة استراتيجية. وبالتالي فالهيمنة الأمريكية تواجه اليوم تحديا وجوديًا إذا ما تعثرت في امتحان هرمز وواصلت في منطق الغطرسة والعنف.

في معركة السويس، كان صمود مصر واجتماع القطبان العظيمان، في لحظة نادرة، في فرض إرادتهما على بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني، ما أجبر الحلف الثلاثي على الانسحاب. واليوم المشهد مشابه بالقياس مع اعتبار الفوارق طبعًا. فإيران تظهر صمودًا استثنائيًا، مستندة إلى مدن من الأسلحة تحت الارض، وشبكة من العلاقات الإقليمية المعلنة، بحيث نرى كل من الباكستان ومصر وتركيا ودول الخليج، عارضت ولا تُخفي معارضتها للعدوان، وهنالك دعم غير معلن من روسيا والصين اللتان تقفان على طرف نقيض من الولايات المتحدة في الملف الأوكراني. ولأن واشنطن تواصل دعم كييف وطايوان، فإن روسيا والصين تجدان في أزمة هرمز فرصة لإعادة توازنات القوة.

فكيف يمكن أن تنتهي أزمة هرمز؟
كما كانت القدرة على تحمل الألم هي العامل الحاسم في معركة السويس وليس التفوق العسكري، إضافة إلى العامل الدولي المتمثل بالضغط الأمريكي والسوفييتي، فإن معركة هرمز اليوم أكثر تعقيدا من جهة امتلاك إيران إلى قدرات ردعية لم تكن متوقعة، يُديرها نظام عقائدي عنيد حدود الاستعداد للانتحار، إضافة إلى قدرته على تأليب دول العالم على الولايات المتحدة من خلال تسببها في غلق المضيق وتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي. هذا علاوة على أن أمريكا في ظل قيادة رجل مريض نفسيا، تخوض الحرب فيما العدّاد الداخلي يحسب تكاليف الصراع بمقاييس إكراهات كثيرة، أهمها المعارضة الشعبية العارمة للحرب، والانتخابات، وأسعار الوقود. ولعل هذا التفاوت في القدرة على الصبر والثبات هو الذي سيحسم النتيجة. فإذا كانت حرب السويس عزلت المعتدين دوليًا. فإن واشنطن في معركة هرمز تواجه مشهدًا دوليًا مناهضا على نحو غير مسبوق. فهي تجازف بمواجهة إيران في الميدان، ومواجهة حلفائها التقليديين في أروبا سياسيا، ومواجهة بكين وموسكو، ومجلس الأمن، وأسواق الطاقة.

بالأخير دروس التاريخ تقول بأن الإمبراطوريات تنتهي عندما تفقد السيطرة على طرق التجارة الحيوية، ومعها تفقد هيبتها وصورة عظمتها. البرتغال، هولندا، إنجلترا، فرنسا، كلها مرت بنفس المصير. فلقد افتتحت قناة السويس سنة 1869 كرمز للعصر الاستعماري، وأصبحت سنة 1956 رمزًا للتحرر الوطني وسقوط الاستعمار وإفلاسه. وبالرغم من أنه من المبكر القطع بأن الولايات المتحده الامريكيه ستلقى نفس المصير في هرمز، فمن المؤكد أن صمود إيران، وتطور الموقف الخليجي، بعد تجربة الحرب وعجز القواعد العسكرية الأمريكية التي استنزفت دول مجلس التعاون لعقود طويلة بذريعة حمايتها، وفي أول مواجهة مع إيران أخفقت حتى في حماية نفسها. ومن الممكن في ظل مرحلة بوادر تغير عميق في النظام الدولي، أن تولد من هذا المشهد يقظة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة بلا قواعد عسكرية أجنبية، يُعاد فيها تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم مصلحة شعوب المنطقة التي لطالما عانت من الاستعمار والحروب واللوضى والنهب والقهر بجميع ألوانه وتبعاته البشعة.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
- اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
- الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب ...
- أفول الهيمنة الغربية على العالم
- في استحالة الدولة الكُرديّة
- أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست ...
- الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
- أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
- التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ ...
- شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
- هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
- من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ ...


المزيد.....




- أغنية إعلانية يابانية للملح تتصدر قوائم الكاريوكي
- مصر.. البرلمان يقر مشروع قانون إعادة تنظيم -جهاز مستقبل مصر- ...
- تحذيرٌ من -انهيار فعلي-.. تقرير يرصد تراجع جاهزية قوات الاحت ...
- هل تراقب إيران هواتف الجنود الأمريكيين؟ بيانات جديدة تكشف ت ...
- العراق يدرج كيانات مرتبطة بحزب الله ضمن العقوبات المصرفية.. ...
- من ألمانيا إلى المغرب..-جوهرة- البوندسليغا تختار -أسود الأطل ...
- مكالمة واحدة من أردوغان أفشلت المحاولة الانقلابية في يوليو 2 ...
- زاخاروفا تتحدث عن رؤية روسيا عن دول لها دور حاسم في حل النزا ...
- السفارة الأمريكية في بيروت تحدد الخطوة التالية بعد انتهاء مح ...
- -أكثر دقة من إسرائيل-.. ترامب يوجه انتقاداً لاذعاً لتل أبيب ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.