أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.














المزيد.....

مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 10:11
المحور: الادب والفن
    


في رواية هيمينغوي الخالدة (( الشيخ والبحر )) نعيش تفاصيل صراع ملحمي للبقاء , يجسده الصياد الكوبي العجوز (( سانتياغو )) بعد 84 يوماً عجافاً بلا صيد , يقرر الإبحار وحيداً وعميقاً في تيار الخليج , ليعلق بخطافه سمكة (( مارلين )) عملاقة , خاض معها صراعاً ضارياً لثلاثة أيام بلياليها , متحملاً آلام جسده وضعف سنه , حتى انتصر عليها , لكن في طريق العودة , هاجمت أسماك القرش صيده والتهمته بالكامل , ليعود إلى الشاطئ بهيكلها العظمي فقط , عاد منهكاً ومدمراً جسدياً , لكن روحه بقيت حية , حاملاً الفلسفة الأبدية: (( الإنسان قد يُهزم , ولكنه لا يُقهر )) , إن هذا (( الشيخ )) ليس مجرد شخصية خيالية في كوبا , بل هو جيلنا نحن , الجيل الذي كان يمثل الأمل , الشغف , والقوة التي سيّرت العراق نحو البناء والمجد.

هذا الشيخ ليس غريباً عنا , إنه جيلنا العراقي , الجيل الذي تسلّم دفة الوطن وكان هو الأمل والقوة التي سيّرت سفينة العراق , كنا كـ (( سانتياغو )) في عنفوانه , جيلٌ ألقى شباكه في بحور العلم والمعرفة , فبنى صروحاً تعليمية شهدت لها المنطقة , وأسس نظاماً صحياً متيناً , ورسخ قيم الأمن والأخلاق الاجتماعية التي كانت درع المجتمع , دافعنا عن الأرض , وعرقنا في دروب البناء , واصطدنا للعراق مكانة تليق بتاريخه , كنا نبحر وأعيننا على الأفق , واثقين بأن صيدنا سيكون عظيماً , نعم , نحن جيل رحلة البناء, كنا نبحر في بحر الأمل لنصطاد مستقبلاً عظيماً لبلدنا , لكننا في غزوة الأميركيين , تماماً كالعجوز , فوجئنا بغزو مدمر وخبيث , أشبه بأسراب القروش الجائعة , غزوٌ نهش كل شيء جميل بنيناه , خرب التعليم , دمّر الصحة , زعزع الأمن , وأفسد الأخلاق , ونشر الفساد في مفاصل الوطن كما تنهش القروش لحم السمكة المارلين , لقد التهمت الظروف والصراعات ثمار جهودنا , وتركوا لنا وطناً مثقلاً بالجراح , وجيلاً شاخ قبل أوانه بفعل الحروب والمآسي , عدنا إلى كوخ العمر منهكين , مثقلين بالخيبات , تماماً كما عاد سانتياغو بهيكل سمكته العظمي , والإرادة التي لا تموت.

لكن الملحمة لا تسير في خط مستقيم , فبينما كنا نسحب صيدنا وثمار تعبنا وفخرنا إلى شاطئ الاستقرار , فوجئنا بغزو مدمر , هجم علينا كما تهجم القروش العمياء في عتمة المحيط , لم تكن قروشاً عادية , بل كانت معاول هدم منظمة , نهشت لحم الوطن , وافتلست الأخضر واليابس , خربت التعليم وحولته إلى ركام , ودمّرت البنية الصحية , وزعزعت الأمن ليحل الخوف مكانه , ونفثت سموم الفساد المالي والأخلاقي في كل شريان , كنا نقاتل برماح مكسورة مجاديفنا , ندافع عن المدارس , والمستشفيات , والشوارع , وعن هوية الإنسان العراقي التي حاولوا مسخها , (( قد تسرق القروش الصيد , لكنها لا تملك القدرة على سرقة شجاعة الصياد )) , ورغم أن جيلنا قد هُزم في بعض المعارك واشتعل رأسه شيباً , ورغم كل هذا الخراب , إلا أنه لم ولن يُقهر, الإرادة العراقية الكامنة في عروقنا ترفض الاستسلام , وكما بكى الصبي (( مانولين )) على حال العجوز ثم بث فيه الأمل ليعودا إلى البحر معاً , فإن الأمل يتجدد اليوم في عيون الأجيال القادمة التي تنظر إلى تاريخنا بفخر , مستمدةً منا القوة لمواصلة الإبحار بوجه الريح , والعراق سيعود , لأن الجيل الذي بناه يورّث اليوم سر البقاء فنحن لا ننكسر, وهنا تكمن العبرة الملحمية.

انتهت المعركة الشرسة , ووجدنا أنفسنا اليوم نشبه ذلك العجوز الذي عاد إلى شاطئه متعباً , مثخناً بالجراح , بشعر اشتعل شيباً بفعل القهر والحروب , والتفتنا حولنا لنرى الكثير مما بنيناه قد تحول إلى (( هيكل عظمي )) مجرد من الحياة , مؤسسات مخربة , وأحلام مسروقة , وسنوات من العمر ضاعت في مهب الريح , وقد ينظر إلينا البعض ويقول : (( لقد هُزم هذا الجيل وشاخ )) , نعم , لقد نالت الأيام من أجسادنا , وسرقت القروش ثمار عرقنا , لكنهم ارتكبوا خطأً فادحاً حين اعتقدوا أنهم سحقوا إرادتنا , إن فلسفة هيمينغوي تلتقي هنا تماماً مع الروح العراقية : (( الإنسان قد يُهزم , ولكنه لا يُقهر )) , لقد خسرنا لحم السمكة , لكننا لم نخسر شرف المحاولة , ولم نتخلَّ عن مجاديفنا , جيلنا الذي بنى وعمّر وقاتل يملك في جيناته سر العودة , واليوم , نرى في عيون الشباب والأبناء أولئك الذين يشبهون الصبي (( مانولين )) في وفائه إصراراً على التعلم من تجربتنا , يبكون لحال ما وصل إليه الوطن , لكنهم يمسكون بأيدينا قائلين : (( لن نستسلم , سنبحر معاً من جديد )) , قد تشيخ الأجساد , وقد تضيع المكتسبات , ولكن الفكرة الحرة والإرادة الصلبة لا تموت , جيلنا لم يُقهر , ولن يُقهر , وما الهيكل العظمي الذي عدنا به إلا دليل قاطع على أننا خضنا المعركة شرفاء حتى النفس الأخير , وأن البحر ما زال ينتظرنا.

صباح الزهيري .



#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .


المزيد.....




- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.