أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (65)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (65)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


كانت وجبة الغداء متميزة. شعرتُ أن حنان كانت تقرأ أفكاري قبل أن أنطق بها، وربما هي من صاغ كثيرًا منها عبر سنواتٍ طويلة. كنتُ أنظر إليها وهي تُعدّ الشاي، وأسمع انسيابه من الإبريق إلى الكوب، كأنه جزءٌ من هدوء المكان.
خذي الشاي... جميلٌ الأكل على الأرض.
تعرف، أنتَ أجدتَ طبخ البامية.
هنيئًا... عوافي، كما تقولون.
لم يسبق لي أن أكلتُ جالسةً على الأرض، هذه أول مرة.
وهل أعجبتكِ؟
كثيرًا. أعجبني أيضًا كيف رفعتَ كمّ دشداشتك. تمنيتُ لو كنتُ أرتدي دشداشة مثلك.
كان يجب أن نطفئ المكيّف كي يكتمل طقس الأكل.
أردتُ ذلك، لكن الجو حار.
لا يزال حارًا في الخارج.
هذه الليلة نروح إلى المسرح البلدي. هناك عرض موسيقي وحفلة شعبية، وقد حجزتُ تذكرتين.
في سوسة؟
نعم، في سوسة. مسرح، وليس كابريه. أعرف أنك لم تزر مسرحًا من قبل، فقط دخلتَ ملهى ليليًا سهوًا.
ضحكت ضحكةً طويلة عند كلمة "سهوًا".
ذنبي أنني كتبتُ لكِ تلك الحكاية.
لأنك بريء، لا تعرف كيف تخفي شيئًا. كتبتَ لي يومها: "هذه رسالة إلى تونسية لن ألقاها أبدًا."
كان ملهى عاديًا، وأنا أصلًا لا أشرب الخمر.
أعرف. دخلتَ فقط لأن أصحابك أرادوا أن يصفوا لك كيف تتحرك الراقصة. كنتَ بريئًا برشة.
مضى على ذلك أكثر من خمسة وعشرين عامًا، حتى قبل أن أعرفك.
لا أحاسبك يا حسّوني، فقط أذكّرك أن المسرح يختلف عن الملهى. ربما يكون عرضًا مسرحيًا بسيطًا.
تعرفين، أنا كنتُ أكتب يومياتي داخل رسائلي إليكِ.
يومياتك؟ لقد أسعدتني يومياتك، وربما هي التي حافظت علينا.
يعني أنا كتابٌ مفتوح أمامكِ؟
لا يا حسّوني... أنت كتاب، وأنا كتبتُ فيه الكثير، مثلما أنا كتابٌ أنت مؤلفه.
كلام كبير يا حنان... حبّة، حبّة.
علاش كبير؟ نحن معًا منذ عشرين سنة. صحيح أن الزمن فرض علينا انقطاعًا، لكنه لم يفرّقنا. كل يوم أعيد قراءة حسين، وكل أغنية تمرّ بي أجدك فيها.
وأنا أيضًا. لهذا صار كل واحدٍ منا يفهم الآخر دون شرح.
تعرف؟ يوم عرفتك كنتُ بنت سبعة عشر عامًا. كنتُ أقرأ الصحف والكتب والمجلات، لكنني استفدتُ من رسائلك أكثر، ومن حواراتنا الطويلة.
هذا جميل. معناه أن كلًّا منا ساهم في تكوين شخصية الآخر.
قبل يومين قلتَ إنك تنوي كتابة يومياتك.
نعم. كتبتُ فعلًا أجزاء الطفولة، والحرب، والخوف. بقيت فقرة أخيرة لم أكتبها بعد.
نشرتها؟
لا. توقفت. كلها محفوظة في حاسوبي، وفي ذاكرتي أيضًا.
علاش توقفت؟
لأنني لم أجلب الحاسوب معي. عندما أعود سأكملها.
أين توقفت يا حسّوني؟
فوق ليبيا. كنا في الرحلة القادمة من القاهرة إلى قرطاج. كانت نافذة الطائرة المطلة عليّ ترى البحر، والنافذة الأخرى ترى صحراء ليبيا. هناك توقفت، وقلت: سأكمل عندما أهبط في قرطاج.
وبالحق... ماذا كتبت أول ما هبطت؟
كتبت: دخلنا أجواء تونس. خُتم جواز سفري، سحبت حقيبتي، واتجهت نحو باب الخروج. هناك وجدتُ خصلة الشعر التي أصبحت اليوم حنان، تنتظرني في المكان الذي تواعدنا قبل عشرين عامًا أن نلتقي فيه. نظرتُ إليها، وكانت دموع الفرح تسبق الكلام.
همست:
أعدها... قلها مرة أخرى.
نهضتُ، جلبتُ قنينة ماء بارد، وصببتُ كأسًا من العصير.
أليست هذه الفقرة مناسبة؟
وماذا بقي لم تكتبه؟
كتبتُ عن الحرب والخوف. اخترتُ لها اسمًا أوليًا: "الحرب والخوف".
كم حلقة؟
عشرون إلا مقطعًا، لكنها اكتملت.
كلها عن الحرب والخوف؟
هي بقايا ذاكرة رجلٍ من الناجين.
أكملها من حيث انتهيت في قرطاج، حين التقيتَ خصلة الشعر. تكفي حلقة أو حلقتان، ليعرف الناس أننا التقينا.
هي مكتوبة في ذاكرتي. حتى أصابعي حفظت طريقها إلى لوحة المفاتيح. ليست مجرد حلقة، بل عشرون فصلًا تمتد على أكثر من أربعة عقود من عمري. أما هذه الأيام العشرة، فلا يكفيها أي رقم.
ناولتني كأس العصير وقالت:
اشرب... واكتب فقط: وجدتُ حنان تنتظرني. لم أعد بحاجة إلى أن أشتري شريحة هاتف، ولا أن أسمع تلك العبارة التي رافقتنا عشرين عامًا:
"الرقم المطلوب خارج الخدمة."
ابتسمتُ. أدركتُ أن بعض الجمل تنتهي، عندما تبدأ الحياة بكتابتها.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (64)
- يوميات الحرب والحب والخوف (63)
- يوميات الحرب والحب والخوف (62)
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)


المزيد.....




- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (65)