جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 16:47
المحور:
قضايا ثقافية
تُعد العلاقة بين "روبنسون كروزو" و"فرايدي" في رواية دانيال ديفو حقلاً خصباً للتحليل اللساني، حيث تبرز اللغة ليس بوصفها وسيلة للتواصل فحسب، بل كأداة استعمارية للهيمنة وبسط السلطة.
اللغة كأداة للهيمنة
عندما التقى كروزو بـ "فرايدي"، لم يسعَ إلى تعلم لغة "فرايدي" الأصلية أو فهم ثقافته، بل فرض عليه تعلم اللغة الإنجليزية، وهي عملية تضمنت أبعاداً سلطوية جوهرية:
محو الهوية: عبر إطلاق اسم "فرايدي" (نسبة إلى يوم من أيام الأسبوع) بدلاً من اسمه الأصلي، سلب كروزو من "فرايدي" تاريخه وجذوره، وهو إجراء لغوي يمثل "استعمار الذات"، حيث يُجرد الفرد من هويته الأصلية ليغدو كائناً مُعرَّفاً بسياق السيد.
التلقين السلطوي: لم يكن تعليم كروزو لفرايدي كلمات مثل "سيد" (Master)، "نعم"، و"لا" تعليماً لغوياً بريئاً، بل كان "برمجة" لتراتبية اجتماعية تضع كروزو في قمة الهرم، محولاً اللغة إلى هيكل سلطوي يُحدد أدوار القوة في الجزيرة.
احتكار المعنى: من خلال التحكم في القاموس اللغوي المتاح لـ "فرايدي"، احتكر كروزو القدرة على "تفسير العالم"؛ فحين يُحرم الفرد من لغته الأم، يغدو قاصراً عن التعبير عن ذاته وتاريخه، مما يجعله محبوساً ضمن نظام التفكير الذي يفرضه "لغة السيد".
الارتباط بهيمنة اللغة الإنجليزية المعاصرة
يمكن قراءة هذه العلاقة كنموذج مبكر لما نسميه اليوم "الإمبريالية اللغوية":
1. فرض المعيار: مثلما فرض كروزو الإنجليزية لغةً وحيدةً في "جزيرته"، تُفرض اللغة الإنجليزية اليوم كـ (Lingua Franca) عالمية، مما يؤدي غالباً إلى تهميش اللغات الوطنية والأنظمة المعرفية المحلية.
2. اللغة كمعيار للارتقاء: يُصور ديفو اللغة الإنجليزية كلغة "الحضارة" و"العقل"، بينما يُصوّر فرايدي ككائن "غير متحضر" يحتاج لهذه اللغة ليرتقي. هذا النمط الفكري لا يزال حاضراً في التمييز المعاصر، حيث يُنظر إلى التمكن من الإنجليزية كأداة للتميز الطبقي والأكاديمي، مما يعيد إنتاج علاقة "السيد والتابع" في سياقات أكثر حداثة.
3. القوة الناعمة: إن هيمنة اللغة الإنجليزية ليست مجرد كلمات، بل هي تحميل قسري للقيم (كالمركزية الغربية والفردانية). وكما أثر كروزو في وعي فرايدي عبر اللغة، تساهم الإنجليزية اليوم في تشكيل "الوعي العالمي"، حيث تصبح النظرة للعالم مقولبة ضمن المفاهيم والاصطلاحات الإنجليزية.
وفي الختام، إن "فرايدي" ليس مجرد شخصية أدبية، بل هو رمزٌ للشعوب التي فُرضت عليها لغة "الآخر". وما نراه اليوم من هيمنة للغة الإنجليزية هو استمرارٌ سردي لمشروع كروزو في تحويل "الآخر" إلى تابعٍ يعبّر عن وجوده بلغة سيده.
#جهاد_حمدان (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟