أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .














المزيد.....

مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 10:16
المحور: الادب والفن
    


كتب أ. زكريا كردي : )) في وصف رائع للحضن قال احدهم : هو اكثر الأماكن الضيقة اتساعاً )) , فيا لها من عبارة ساحرة وشديدة العمق , وجملة - هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً - في وصفٍ يلامس أعمق نواحي الروح , وتختصر فلسفة كاملة عن المشاعر الإنسانية والحاجة للشيء الذي يمنحنا الأمان وسط زحام هذا العالم , وقد يبدو المفهوم في ظاهره تناقضاً لغوياً , لكنه في جوهر المشاعر الحقيقة الكبرى , فالحضن ليس مجرد التقاء جسدين في مساحة محدودة لا تتعدى أمتاراً قليلة , بل هو حالة من إعادة إعمار الروح , إنه المكان الوحيد الذي تتقلص فيه المسافات الفيزيائية لتفسح المجال لمجرات كاملة من الأمان والطمأنينة.

لماذا هو (( أكثر الأماكن اتساعاً )) ؟ في العناق , تسقط الأقنعة , لا نحتاج للحديث أو التبرير , يسقط عبء الكلمات , وتبوح الأجساد بما تعجز عنه اللغة , إنه المساحة التي ترمم الانكسارات , وتستطيع فيها أن تلملم شتاتك دون خوف من السقوط , وكأن العالم الخارجي بكل ضجيجه وقسوته يتوقف تماماً عند حدود ذراعين , انه مأوى اللاجئين الخفي , نلجأ إليه عندما تصبح الأرض الشاسعة أضيق من سم الخياط , فنكتشف أن هدوء وسعة الكون قد اختُصرا في هذه اللحظة بالذات , والعناق هو المحاولة الإنسانية الأجمل للقول: (( أنا هنا , ولست وحدك , حتى وإن ضاقت بك الدنيا , فهنا متسعٌ يكفي لروحك كي تتنفس)).

ليس العناق مجرد التقاء أجساد في مساحة قصيرة , إنه الحيلة الوحيدة التي ابتكرها البشر لترويض الخوف , عندما قيل إنه - أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً - كان القائل يقصد ذلك البعد الموازي الذي ننتقل إليه حين تلتف حولنا ذراعان بصدق , في تلك اللحظة بالذات , تتوقف ساعات العالم , تتبدد الضوضاء ويسكت صخب الحياة , تتقلص المساحة حتى لا تتعدى بضعة سنتيمترات , لكن الروح داخل هذا الضيق تمدّ أجنحتها في فضاءٍ بلا حدود, مجرةٌ بين ذراعين , إنه المكان الوحيد الذي تسقط فيه الأقنعة دون خوف , ونلتقط فيه أنفاسنا وكأننا نولد من جديد , وكأن الكلمة التي تعجز عنها اللغات تُقال كلها في صمت هذا الالتئام .

من الناحية النفسية والعصبية , لا تُعد جملة - أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً- مجرد مجاز أدبي , بل هي وصف دقيق للاحتياج الفسيولوجي والنفسي للإنسان , انه هرمون الأمان حيث يؤدي الضغط الجسدي اللطيف المتولد عن العناق إلى تراجع مستويات هرمون التوتر وإفراز الأوكسيتوسين المسؤول عن الأمان والارتباط , مما يعطي العقل إشارة فورية بأن (( الخطر قد زال )) , وهوالتنظيم الانفعالي الذاتي , عندما يشعر الإنسان بالشتات أو الضياع في مساحات الحياة الشاسعة والمليئة بالتحديات , فإن الاحتواء الجسدي يضع حداً لهذه الفوضى, هذا (( الضيق )) المتمثل في الاحتواء الذي يمنح الدماغ الشعور بالثبات والاستقرار , وإعادة تشكيل مفهوم المساحة النفسية التي لا تُقاس بالأمتار , بل بمستوى الأمان, لذا , فإن العناق يقلل من حجم الضغوطات النفسية الشاسعة , ليمنح الشخص (( متسعاً )) داخلياً للتعافي والتنفس بحرية.

في ملاذ الذراعين , لم تكن الفيزياء يوماً صادقة في قياس المساحات كما هي المشاعر , يقولون إن العناق ضيق , وأنا أقول إنه المدى الذي لا ينتهي , عندما تُطوّقنا ذراعان تحباننا , لا نعود في مكانٍ محدد , بل نصبح خارج حدود الزمان والمكان , هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً , لأن الساعات فيه تتوقف , ولأن القلب الذي كان يركض مذعوراً في اتساع العالم , يجد أخيراً الركن الذي يستريح فيه , في تلك المساحة الصغيرة بين صدرين , تُرمم الأرواح , وتُغسل الخيبات , ويصبح الضيق الوحيد المقبول هو ذاك الذي يمنعك من السقوط , اذن , العناق ليس احتواءً للجسد , بل هو إعادة تجميعٍ لما تكسّر من الروح في زحام الحياة.

عجيبٌ كيف يمكن لمساحة لا تتعدى شبرين بين ذراعين أن تتسع لكل هذا الحزن , وتستوعب كل هذا التعب , وتمنحك شعوراً بأنك تملك العالم بأكمله , (( هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً )) , هذه الجملة غنية جداً وتصلح لأن تُروى بأكثر من لسان ولغة , فالعناق ليس مجرد التقاء , العناق وطنٌ صغير نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الأوطان الكبيرة , وحين تضيق بك الأرض بما رَحُبت , لا تبحث عن مساحات أكبر , بل ابحث عن العناق الصحيح , هناك فقط , تتلاشى المسافات , ويصبح العالم كله مجرد ذراعين يمنحانك الأمان.

صباح الزهيري .



#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...


المزيد.....




- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...
- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .