أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (32)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (32)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:11
المحور: الادب والفن
    


مساء الياسمين،
لا يزال عطر الياسمين يفوح من رسائلك...
تسألينني: كيف أتخيل اللقاء؟
قد يكون هنا، عند حافات دجلة، في فجر كبير. فالفجر هنا يأتي سباحة، وأحيانًا يخرج من تنور أمي على شكل رغيف ساخن.
أجدك هنا عند النخلة التي تعرفك جيدًا. نجلس عند شاطئ دجلة، ذلك الشاطئ الذي تعلمت منه السباحة والصبر معًا. لن نبتعد كثيرًا، لأننا سنفطر هنا؛ بيض عيون، وخبز حار، وشاي بالهيل. سأطعمك بيدي، كما حلمت ذات فجر يشبه هذا.
أمي قالت لي مرة:
أنت أول مولود لي، وحلمت أنك آخر البشر.
قلت لها:
يا أمي، كيف أكون آخر البشر؟ ومن معي؟
قالت:
معك امرأة يقال عنها إنها اختصرت كل نساء عصرها. هي تحفظ كل تفاصيلك، وستكون طفلها المدلل.
ضحكت كثيرًا يومها...
أما اليوم، فأمي تهمس لي، وتشير صوبك، وتقول:
إنها هي التي ستكون معك.
سننجب قبيلة كبيرة، تمتد بصماتها من دجلة، الذي ينبع من الجنة، إلى قرطاج التي بنتها عليسة وسوّرتها بالزيتون.
أبناء قبيلتنا... صغيرتي سمر وبناتها الجميلات مثلك؛ أنوف ماسية، وشعر يهرب صوب الحب... ومحظوظ من يتزوج منهن.
هنا سنزرع مزيدًا من النخيل، وهناك سنزرع الزيتون.
كل صباح نفطر معًا بيض عيون، وإن مللنا منه نفطر قيمرًا وخبزًا حارًا وشايًا بالهيل.
أعرف أن أصابعي ستسهو كثيرًا وهي تلامس أصابعك...
نقضي سنة هنا، وسنة هناك عند البحر. أعرف أنك ابنة البحر، كما أنا ابن دجلة.
سنقطع تلك المسافة الممتدة من تنور أمي حتى ساحل بحركم برمشة عين. قد نمتطي الريح، أو نركب السفن، أو نمشي هكذا وسط ربوع قبيلتنا، وسيقف أبناؤها وبناتها ملوحين لنا بسعف النخيل وأغصان الزيتون.
نحمل معنا زادنا...
زادنا رسائلنا، تلك التي ظلت تقطع هذه المسافات بصبر.
أنا من سيحمل ذلك الزاد.
وحتى أنت، عندما تتعبين من السير، أحملك بين يدي، كما كنت أفعل في مئات الأحلام التي رأيتها وأنا أردد حروف اسمك سبع مرات قبل النوم.
هذا سيحصل...
أمي أكدت لي ذلك، وأمي لا تقول لي الوهم.
حتى نلتقي، صغيرتي، تأكدي من إخلاصي وحبي.
حسوني
13 يونيو 1994

أهلاً حنان..
أواصل رحلتي إليك، رحلة ممتدة لا أحد يعرف إلى أين ستصل ومتى تنتهي. إنها تشبه رحلة كلكامش، تلك الرحلة التي منحتنا الأسطورة واليقين معاً.
عصر اليوم كان التلفاز يعرض تقريراً عن رأي الشعب التونسي بالحصار وموقفه منه. كنت أنصت إلى اللهجة التونسية، وبيني وبينك «صعيبة برشا»! ومع هذا فهمت بعض الكلمات، أما البعض الآخر فسأتعلّمه منك حين نلتقي. طبعاً ستكونين معلمتي.
لاحظت أن لهجتكم قريبة من الفصحى، مع حذف بعض الحروف، وما علينا من هذه التفاصيل. حتى اللهجة العراقية صعبة جداً على غير العراقيين. أحياناً، وخصوصاً أيام الجيش، تجدين لهجة أهل الموصل فلا يكاد أحد يفهمها، ولهجات أبناء الجنوب، رغم جماليتها، تحتاج أحياناً إلى ترجمة. وحتى نحن في ديالى، في الخالص، لدينا لهجات مختلفة.
وجدت الحل عندما نلتقي: نتفق على استخدام اللهجة المصرية، حلّاً وسطاً. وبعدين، مقر الجامعة العربية رجع إلى القاهرة بعد أن ظل سنوات في تونس، بعد زيارة السادات للقدس. فكرة حلوة، صح؟
أعرف ماذا سأقول لك عندما نلتقي: «وحشتيني».. ثم نركض مثل عبد الحليم ومريم فخر الدين! أو تريدينها مثل سي السيد والست أمينة في ثلاثية نجيب محفوظ؟
أنا قرأت الثلاثية منذ سنوات، وخرجت منها بنتيجة مخيفة: الست أمينة هي البطلة، وليست سي السيد. وتأكدت من ذلك عندما شاهدت الفيلم مرة. قلت لأحد أصدقائي إن الست أمينة هي الشعب المطيع الذي يلبي طلبات سي السيد. ونجيب محفوظ يعرف كيف يمرر ما يريده إلى القارئ، ومع ذلك مرّ على الرقابة، أو ربما هم جعلوها تمر!
يعني أنت الآن في عطلة، وأكيد يومياً عند البحر.. أو ربما تتعلمين الطبخ من خلال مساعدتك للماما. هذا أكيد.
في رسالتك سألتني: ماذا أفعل في وقت فراغي؟
أقول لك: أحياناً لا يكون هناك وقت فراغ أصلاً. حتى فترة النوم بحد ذاتها ليست وقت فراغ، بقدر ما هي حالة يحتاجها الجسم. ومن الصحيح ألا يكون هناك فراغ عند الإنسان، لأن ساعات اليوم مقسمة بشكل طبيعي بين العمل والنوم وتلبية الحالات الاجتماعية، بحكم أن الإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى الآخرين.
أما الهوايات، فالبعض يسمي القراءة هواية، وأنا أقول إنها واجب أحياناً. والقراءة ليست بالضرورة أن تمسكي كتاباً؛ فقد تكون الاستماع إلى المذياع. الكثير ممن لا يقرؤون ولا يكتبون لديهم ثقافة اكتسبوها من المذياع أو من الاستماع إلى الآخرين.
أبدو فيلسوفاً الآن..
أنا، بالنسبة لي، قليل جداً ما أقرأ لكتّاب عراقيين، سواء كتباً أم مقالات. أشعر أحياناً أننا نحتاج إلى أن نعرف كيف يفكر غيرنا، وأن نفتح نوافذنا على تجارب وأفكار أخرى.
وهناك مسألة مهمة: حتى هذه المراسلة بيني وبينك فيها تبادل للآراء وكسب ثقافة جديدة لكل منا. أشعر أن الرسائل التي بيننا تتنوع في مواضيعها؛ بين العام والخاص، بين الرغبة والحلم، وبين هذا وذاك. ومن خلال كل رسالة تبرز لكل منا ملامح الآخر وطريقة تفكيره.
ومع هذه الرسالة أضع لك مجلة ألف باء، العدد الأخير، مجلة العراق الأولى. أعرف أنك تحبين قراءة المجلات، فأتمنى أن تستمتعي بها.
حتى نلتقي..
دمتِ لي.
المخلص
حسوني
15/6/1994



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (31)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (30)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (29)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (28)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (27)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (26)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (25)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (24)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (23)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (22)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (21)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (20)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (19)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (18)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (17)
- الفضائيون
- قواعد اللعبة في سوريا
- ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي
- حصار إيران بين الرغبة الأمريكية وواقع الجغرافية
- العراق وبدائل هرمز


المزيد.....




- أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
- تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي ...
- راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
- كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
- مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
- التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية ...
- روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
- 95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي ...
- فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (32)