|
|
حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكرة الإنسان؟
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ماذا لو لم تكن هناك وسيلة للكتابة ؟ وهل كان اللسان وحده كافيًا للبشرية كي تحفظ ذاكرتها ، وتنقل أفكارها ، وتورّث تجاربها إلى الأجيال التىّ تأتي بعدها؟ ، لعل قول الجاحظ إن «القلم أحد اللسانين» يفتح بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الإنسان بالكلمة والذاكرة ، فاللسان يتحدث إلى الحاضرين ، أما القلم فيتحدث إلى الغائبين وإلى الذين لم يولدوا بعد ، وبالقلم استطاع الإنسان أن يمنح الفكرة عمرًا يتجاوز عمر صاحبها ، وأن يجعل من رحلوا قادرين على مخاطبة من لم يلتقوا بهم قط ، كان الشاعر قديمًا يلقي قصيدته على الحاضرين ، فتحفظها الألسن وتتداولها الذاكرة ، تمامًا كما كان يفعل أبو جعفر المنصور مع الشعراء ، حين كان يستمع إلى قصائدهم ، ثم يفاجئهم بقدرته العجيبة على حفظها من المرة الأولى ، حتى جاء الأصمعي ، فكان له مع المنصور موقفٌ استثنائي ، أدهشه وأعجزه عن حفظ قصيدته كما اعتاد أن يفعل مع غيره ، ثم جاء القلم ، فانتقلت الكلمة من هشاشة الذاكرة البشرية إلى ثبات الورق ، ثم جاء الكتاب ، وبعده الطباعة ، فتوسعت قدرة الإنسان على مقاومة النسيان ،،أصبح الكتاب ، بهذا المعنى ، وسيلة تجعل الموتى يتحدثون إلى الأحياء ، لكن الإنسان لم يتوقف عند القلم ، فقد جاءت الآلة الكاتبة ، ثم لوحة المفاتيح ، ثم الكاميرا والتسجيل الصوتي والفيديو ، وأخيرًا العالم الرقمي الذي جعل الكلمة والصوت والصورة قادرة على عبور المكان والزمان في لحظة واحدة ، لم تعد التكنولوجيا تحفظ ما قاله الإنسان فقط ، بل أصبحت قادرة على حفظ شيء من حضوره نفسه : صوته ، ملامحه ، حركته ، انفعاله ، وحتى الصمت الذي يفصل بين كلماته ، وهنا حدث التحول الأهم في تاريخ الذاكرة البشرية : انتقل الإنسان من تسجيل الفكرة إلى تسجيل المشهد ، فالقلم حفظ لنا أفكار سقراط وأرسطو والجاحظ ، وحفظ لنا الشعر والعلوم والفلسفة والتاريخ ، لكنه لم يستطع أن يحفظ لنا صور أصحابها أو أصواتهم ، نعرف ما تركوه لأنهم كتبوا أو لأن من عاصرهم كتب عنهم ، لكننا لا نستطيع أن نشاهد سقراط وهو يتحدث ، أو نسمع صوت الجاحظ ، أو نرى الأصمعي وهو ينشد الشعر .
لقد أنقذهم القلم من النسيان ، لكنه لم يستطع أن ينقذ تفاصيل حضورهم ، ومن هنا يبدأ السؤال الأوسع : هل يستطيع الإنسان يومًا أن يستعيد الماضي لا كما كُتب عنه ، بل كما كان بالفعل؟ ، فإن التطور التكنولوجي يجعل هذا السؤال أقل خيالًا مما كان عليه في الماضي ، فالإنسان الذي لم يعرف الكتابة لم يكن يستطيع تصور الكتاب ، والذي لم يعرف التصوير لم يكن يتخيل أن لحظة عابرة يمكن أن تُحفظ إلى الأبد ، والذي لم يعرف التسجيل الصوتي لم يكن ليتصور أن صوت إنسان رحل يمكن أن يعود بعد عقود ، وإذا كان الإنسان قد استطاع ، خطوة بعد أخرى ، أن يبتكر وسائل لحفظ كلماته وصوره وأصواته ، فليس من المستحيل أن يظل يسأل عن الحدود التىّ لم يصل إليها بعد : كم من المعلومات عن الماضي ما زالت خارج قدرتنا على الوصول إليها؟ وهل يمكن أن يكتشف الإنسان مستقبلًا وسائل جديدة لفهم لحظات تاريخية لم يبق منها سوى آثار متناثرة؟ ، لا يعني ذلك أن الكون أو السماء يحتفظان ، بالفعل ، بتسجيل كامل لحياة البشر ؛ فلا دليل علميًا يثبت مثل هذا الافتراض ، لكنه سؤال فلسفي عن حدود المعرفة الإنسانية : كم نجهل مما هو موجود ، فقط لأننا لم نكتشف بعد طريقة لقراءته؟ ربما .
ولعل الأدب التقط هذه العلاقة بين الإنسان والكتابة بطريقة أكثر حميمية ، في رواية The Silver Pencil للكاتبة أليس دالغليش ، يصبح القلم الفضي الذي يمنحه الأب لابنته جانيت ، التىّ تحب كتابة القصص ، أكثر من مجرد أداة للكتابة ، وبعد رحيل الأب ، يتحول القلم إلى أثر مادي يربط الغائب بالحاضر ، ويصبح رمزًا للذاكرة ولقدرة الكتابة على مواصلة ما انقطع بالموت ، فالقلم هنا لا يهزم الموت ، لكنه يهزم النسيان ، وهذا هو جوهر الحكاية الإنسانية : الإنسان يرحل ، لكن أثره يبحث دائمًا عن وسيلة للبقاء ، غير أن هذا التطور الذي منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على حفظ الماضي يفتح بابًا سياسيًا شديد الحساسية ، فمنذ أن عرف الإنسان السلطة ، لم يكن الصراع على الحاضر وحده ، بل على الذاكرة أيضًا ، فالسلطة التىّ تستطيع التأثير في ما يُكتب ، وما يُنشر ، وما يُحفظ في الأرشيف ، تستطيع بدرجة ما أن تؤثر في الطريقة التىّ سيتذكر بها الناس ما حدث ، التاريخ ، في جانب منه ، ليس مجرد وقائع مضت ؛ إنه أيضًا صراع على الرواية ، من يملك الأرشيف يملك جزءًا من الذاكرة ، ومن يملك المنصة يملك القدرة على إيصال رواية معينة إلى الجمهور ، ومن يملك التكنولوجيا يستطيع أن يؤثر في الطريقة التىّ تُصنع بها الصورة العامة للماضي والحاضر .
وهنا تنقلب المشكلة ، فهل كان خوف الإنسان قديمًا من ضياع الذاكرة ؛ أما خوفه الجديد فقد يكون من تزويرها ، ففي الماضي كانت المشكلة أن تختفي الوثيقة ، أما اليوم فقد تصبح المشكلة أن تتكاثر الوثائق والصور والتسجيلات إلى درجة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمصطنع ، ومع الذكاء الاصطناعي ، لم يعد إنتاج صورة أو صوت لشخص لم يقل شيئًا ، أو لم يفعل شيئًا ، أمرًا مستحيلًا ، وبذلك لم يعد السؤال : هل نستطيع تسجيل الحقيقة؟ ، بل أصبح السؤال الأخطر : كيف نعرف أن ما سجلناه هو الحقيقة؟ ومن يملك القدرة على تغييره؟ ، وهنا تتجاوز المسألة حدود التكنولوجيا لتصبح مسألة سياسية وأخلاقية في آن واحد ، فإذا كان القلم قد منح الإنسان القدرة على أن يقول : «هذا ما حدث»، فإن التكنولوجيا الحديثة تمنحه قدرة أكبر على أن يقول : «هذا ما حدث بالصوت والصورة» ، لكن هذه القوة نفسها تمنح آخرين القدرة على صناعة ما يبدو وكأنه حدث ، وهو ما يجعل معركة المستقبل ليست فقط حول امتلاك المعلومات ، بل حول امتلاك الثقة بها ، من اللسان إلى القلم ، ومن القلم إلى الكتاب ، ومن الكتاب إلى الطباعة ، ومن الصورة إلى الفيديو ، ومن الفيديو إلى الأرشيف الرقمي والذكاء الاصطناعي ، تغيرت الأدوات ، لكن السؤال الإنساني ظل واحدًا: كيف أجعل ما أعرفه ، وما رأيته ، وما عشته ، يبقى بعد أن أغيب؟ ، ربما لهذا السبب لم يكن القلم مجرد أداة للكتابة ، لقد كان ، منذ ظهوره ، محاولة الإنسان الأولى المنظمة لمقاومة النسيان ، واليوم ، حين أصبحت البشرية قادرة على تسجيل مليارات الصور والأصوات والكلمات ، فإن التحدي لم يعد أن نحفظ كل شيء ، وإنما أن نعرف ما الذي يستحق أن يُحفظ ، ومن يحفظه ، وكيف نضمن ألا يتحول الأرشيف إلى أداة للسيطرة على الذاكرة؟ ، وربما يأتي يوم ينظر فيه إنسان المستقبل إلى أرشيفنا كما ننظر نحن اليوم إلى مخطوطة قديمة ، ويسأل : ماذا كان هؤلاء البشر يخافون؟ بماذا كانوا يحلمون؟ ماذا حدث فعلًا ؟ ومن كان يكتب الحقيقة ، ومن كان يكتب السلطة؟ عندها ربما ندرك أن القلم لم يمت .
لقد غيّر شكله فقط .
فمن الريشة إلى القلم ، ومن القلم إلى لوحة المفاتيح ، ومن الكلمة إلى الصورة ، ومن الصورة إلى الذاكرة الرقمية ، تواصل البشرية معركتها القديمة مع النسيان .
لكن المعركة الجديدة ليست في إنقاذ الذاكرة من النسيان ، بل في إنقاذ الحقيقة التىّ تختبئ فيها ؛ تلك الحقيقة التىّ قد يكتشف الإنسان المعاصر يومًا أنها لم تُمحَ ، وإنما كُتبت في غيوم السماء…والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
-
محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
-
غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة
...
-
مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن
...
-
الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا
...
-
سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً &
...
-
الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا
...
-
المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
-
من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح
...
-
من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد
...
-
في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن
...
-
الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م
...
-
من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا
...
-
حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا
...
-
من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮&
...
-
حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ
...
-
من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط
...
-
اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا😏، ويصبح الت
...
-
إيران 🇮🇷 بعد خامنئي الأب :عندما يخرج «الصقور
...
-
من مجتمع الفئران 🐀 إلى غابة الأسود🦁: شقاء ال
...
المزيد.....
-
هكذا أُنقذ نائب أمريكي بعد هبوط طائرته اضطراريًا على بحيرة و
...
-
الحوثيون باتوا على بعد 32 كيلومترًا من قاعدة أميركية.. هل تت
...
-
المؤبد لسوداني قتل بريطانيا طعنا في حديقة بلندن
-
الشيباني وفيدان يعلنان تفعيل اللجنة العليا المشتركة وخارطة ط
...
-
فيصل بن فرحان من نيودلهي: سلامة الأراضي السعودية أمر لا يقبل
...
-
الكاميرات ترصد لقاء وديا لوزراء خارجية إيران وروسيا والصين ع
...
-
آثار سقوط قذيفة في محافظة الطوال السعودية
-
حادث استفزازي في ليتوانيا.. راكبو دراجات نارية حاملين رأس خن
...
-
ترامب: إيران تريد صفقة بأي ثمن والحرب ستنتهي قبل أو بعد الان
...
-
قيادي بالجبهة الوطنية : كلمة الرئيس السيسي أمام قمة البريكس
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|