أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - ما اختار الكاتب أن يكتبه














المزيد.....

ما اختار الكاتب أن يكتبه


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:16
المحور: الادب والفن
    


في طرف الغرفة، على مقعد خرساني، كان يجلس ينتظر صوتًا يخبره:

— إفراج.

لكن الصوت لم يأتِ.

مرّت الساعات.

ثم الأيام.

ثم الشهور.

وكان الوقت هناك ثقيلًا.

ممتدًا، متصلًا، كأنه لا يعرف أين يبدأ ولا كيف ينتهي.

لا ليل.

لا نهار.

لا صيف.

لا شتاء.

مجرد أيام تتكاثر فوق بعضها.

ذات مرة، طلب من الحارس بعض الأوراق وقلمًا.

في صباح اليوم التالي، انفتحت الفتحة الصغيرة أسفل الباب، وانزلقت منها بضع أوراق وقلم.

أخذها.

عاد إلى مقعده الخرساني.

وجلس يكتب.

هنا يشطب.

هناك يضيف.

يعود إلى جملة فيغيّرها.

يكوّر الورقة ويرميها في الزاوية.

ثم يندم عليها، فينهض، يلتقطها، ويفردها من جديد.

ومع الكتابة، بدأت أشياء كثيرة تعود إليه.

تفاصيل كان يظن أنه نسيها.

بيوت.

شوارع.

وجوه.

أصوات.

حتى الداية التي حررته يوم ولادته، كان لها نصيب من الأوراق.

تذكّر صوتها.

وتخيّل راحة يدها.

وفكّر، للحظة، أنه بحاجة إليها مرة أخرى.

إلى تلك اليد نفسها.

تأتي.

تمسك به.

وتخرجه من أسره مرة أخرى.

لكن الأيام طالت.

ولا أحد جاء.

كان حارس الزنزانة ينظر إليه أحيانًا من ثقب الباب.

وفي إحدى الليالي سأله:

— من أين أنت؟

رفع رأسه.

— عربي.

قال الحارس بلكنة عربية مكسورة:

— أنا أيضًا عربي.

اقترب السجين من الباب.

— من أين؟

— الجزائر.

وقف السجين.

وكأن شيئًا من الخارج دخل إليه فجأة.

قال:

— احكِ لي.

— ماذا؟

— أي شيء.

عنك.

عن بلدك.

عن الخارج.

عن الناس.

عن الشوارع.

عن كل شيء.

ومنذ تلك الليلة، بدأ الحديث بينهما.

كل ليلة.

الحارس خلف الباب.

والسجين في الداخل.

وبينهما فتحة صغيرة وصوتان.

ومع كل ليلة، كان يشعر أن تلك الفتحة تضيق في الباب، وتتسع في داخله.

هناك بدأ يفهم أن الأسر ليس دائمًا جدارًا وقفلًا.

ربما لكل إنسان غرفته الضيقة، حتى لو اتسعت الأماكن حوله.

قد يكون القيد حديدًا.

وقد يكون عادة.

فكرة.

أو أيامًا يعيدها الإنسان حتى ينسى أنه يعيشها.

أما في تلك الغرفة، فقد أصبحت أبسط أمنياته أن يتحدث إلى أحد.

أن يحكي فقط.

أن يرى على وجه من يسمعه ما يخبره أن صوته وصل.

وفي مكان لا دواء فيه، قد يصبح الإصغاء دواءً.

وقد تصبح فتحة صغيرة في باب حديدي أوسع نافذة في العالم.

سأله الحارس ذات ليلة:

— أين أهلك؟

قال:

— بعيدون.

— هل تريد أن أخبرهم أنك هنا؟

تغير وجهه.

— لا.

ثم أضاف بسرعة:

— لا أريدهم أن يقلقوا.

صمت الحارس قليلًا.

ثم سأله:

— وما الذي جاء بك إلى كندا؟

ابتسم السجين.

— حكايتي طويلة.

قال الحارس:

— وما سبب وجودك هنا؟

ضحك السجين ضحكة قصيرة.

— أيضًا حكايتي طويلة.

ذات صباح، رفع رأسه نحو الفتحة الصغيرة في أعلى الزنزانة.

مرّ سرب من الإوز المهاجر في السماء.

راقبه حتى اختفى.

ثم عاد إلى أوراقه.

وكتب بنهم.

ومع الأيام، تراكمت الصفحات.

نظر الحارس إلى الكومة ذات ليلة وسأله:

— ماذا ستفعل بكل هذا؟

تأمل السجين الأوراق.

ثم قال:

— لا أدري.

تردد الحارس قليلًا.

— هل يمكنني أن أقرأ؟

دفع السجين بعض الصفحات من تحت الباب.

— بالطبع.

أخذها الحارس.

ومن خلف الباب، بدأ يقرأ.

في البداية، لم يقل شيئًا.

لكن السجين كان يرى جزءًا من وجهه من خلال الفتحة.

تحركت عضلات وجهه مع الكلمات.

ابتسامة.

ثم دهشة.

ثم اتسعت الابتسامة.

وفجأة، انفجر الحارس بالضحك.

ضحك طويلًا.

حتى اضطر أن يمسح عينيه.

قال:

— منذ سنوات لم أضحك هكذا.

ثم نظر إليه من خلال الفتحة.

— أنت كاتب؟

قال السجين:

— نعم.

سكت الحارس لحظة.

ثم سأله:

— وما الذي جاء بك إلى كندا؟

ابتسم السجين.

ولم يقل شيئًا.

ظل الحارس ينتظر.

لكن السجين أعاد نظره إلى أوراقه.

وربما كانت هناك حكايات لم يكن مستعدًا لأن يفتح لها الباب.

على الأوراق، كتب البيوت.

والشوارع.

والوجوه.

والأصوات.

كتب الأشياء التي أحبها.

والأشياء التي أضحكته.

واللحظات التي بقي منها شيء جميل.

أما الباقي…

فاحتفظ به لنفسه.

أعاد الحارس النظر إلى الصفحات بين يديه.

ثم إلى السجين خلف الباب.

للمرة الأولى، فهم أن ما بين يديه لم يكن حكايته كلها.

كان فقط…

ما اختار الكاتب أن يكتبه.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشروب الأسود
- سنة أو سنتين اغتراب
- عيد العمال… إلا العمال
- الحياة البرية الكندية
- دعم فني
- قاضم الشعير
- أخيرًا قال الكندي: No
- الذئب بدون مخالب
- عندما يغضب الكندي
- Easy, Man — هوّنها يا رجل
- اقتصاد القبو
- الرجل القابض على دينه… حين تتحول القبضة إلى لكمة
- البامية عنوان الديمقراطية
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - ما اختار الكاتب أن يكتبه